حين يصطدم صغر السن بجسامة الجريمة

بقلم الدكتورة/ ريهام فتحي

ماذا لو كان مرتكب الجريمة لم يبلغ الثامنة عشرة، لكنه لم يكن مجرد طفل اندفع إلى ارتكاب فعل إجرامي تحت تأثير لحظة غضب أو ضعف تقدير؟ ماذا لو كان هو نفسه صاحب الفكرة الإجرامية والمخطط لها والموجّه لتنفيذها، بل وقام باستقطاب بالغين لديهم ذات الاستعداد والميول الإجرامية ليعاونوه على تحقيق غرضه؟ (تُعد قضية شبرا الخيمة، المعروفة إعلاميًا بـ«قضية الدارك ويب» نموذجًا واقعيًا كاشفًا لهذه الإشكالية)، فهل يظل صغر السن وحده كافيًا لتحديد المسؤولية والعقوبة الجنائية، مهما بلغت خطورة الجريمة ودرجة التخطيط لها؟

هذا السؤال يضع العدالة الجنائية أمام معادلة شديدة الحساسية. فمن ناحية، لا يمكن تجاهل أن القاصر لا يزال في مرحلة من النمو النفسي والعقلي تختلف عن البالغ، وأن فلسفة عدالة الأحداث قامت أساسًا على الإصلاح والتأهيل وإعادة الإدماج، لا على العقاب الانتقامي. ومن ناحية أخرى، فإن حماية الطفل لا تعني بالضرورة تجاهل حقيقة الفعل الذي ارتكبه، أو طبيعة الدور الذي اضطلع به، أو درجة الإدراك والتخطيط التي تكشف عنها بعض الجرائم بالغة الخطورة.

وتزداد صعوبة المسألة عندما يكون القاصر قريبًا من سن الثامنة عشرة؛ فطفل عمره وقت ارتكاب الجريمة سبعة عشر عامًا و 11 شهرًا، وآخر عمره ثمانية عشر عامًا ويوم واحد، قد يرتكبان الجريمة نفسها، فيختلف الإطار العقابي جذريًا لكل منهما. فهل يعكس هذا الفارق الزمني القصير فعلًا فارقًا جوهريًا في الخطورة الإجرامية؟

النظام المصري – السن كأساس حاكم للتخفيف

في التشريع المصري، ينظر المشرع إلى من لم يبلغ الثامنة عشرة سنة ميلادية كاملة باعتباره طفلًا، وقد أقام له نظامًا جنائيًا خاصًا يختلف عن النظام المطبق على البالغين. وتبرز المادة (111) من قانون الطفل الصادر بالقانون رقم 12 لسنة 1996، والمستبدلة بالقانون رقم 126 لسنة 2008، باعتبارها من أهم النصوص المنظمة للعقوبة المقررة للطفل (ولا ينبغي إغفال أن هذا القانون قد عُدِّل بالقانون رقم 186 لسنة 2023، إلا أن هذا التعديل لم يتناول المادة 111، فظل حكمها على النحو المقرر بتعديل عام 2008).

وتنص المادة (111) على أنه لا يُحكم بالإعدام ولا بالسجن المؤبد ولا بالسجن المشدد على المتهم الذي لم يجاوز سنه الثامنة عشرة سنة ميلادية كاملة وقت ارتكاب الجريمة، وإذا ارتكب الطفل الذي تجاوز سنه الخامسة عشرة جريمة عقوبتها الإعدام أو المؤبد أو المشدد، تستبدل المادة هذه العقوبات بعقوبة “السجن”. ويُلاحظ أن النص يحيل، في تطبيقه، إلى المادة (17) من قانون العقوبات دون إخلال بها؛ وهي المادة التي تخوّل القاضي، في مواد الجنايات، سلطة تقديرية لتبديل العقوبة رأفةً متى اقتضت ذلك أحوال الجريمة. غير أن هذه السلطة تعمل في اتجاه واحد هو التخفيف، فهي لا تمنح القاضي أداة معاكسة تسمح له بتشديد العقوبة عند توافر مؤشرات خطورة استثنائية لدى القاصر، خلافًا لما سيُعرض لاحقًا من النموذج الفرنسي.

وأحالت المادة (111) في هذه الحالة إلى عقوبة “السجن” دون أن تقرر لها حدًا أقصى خاصًا يجاوز القواعد العامة، فتخضع – كأصل عام – لحكم المادة (16) من قانون العقوبات، التي تقرر ألا تزيد عقوبة السجن على خمس عشرة سنة إلا في الأحوال الخصوصية المنصوص عليها قانونًا. ومن ثم، فإن القاصر الذي تجاوز الخامسة عشرة ولم يبلغ الثامنة عشرة وقت ارتكاب جريمة عقوبتها الأصلية الإعدام أو السجن المؤبد أو السجن المشدد، يكون الحد الأقصى لعقوبة السجن التي يمكن الحكم بها عليه، كأصل عام، خمس عشرة سنة – بصرف النظر عن جسامة الجريمة أو درجة التخطيط لها أو الدور القيادي الذي قام به فيها.

وهنا، تكتسب المقارنة أهميتها لا بحثًا عن نموذج أجنبي يُنقل حرفيًا، وإنما لمعرفة ما إذا كانت التشريعات المقارنة قد استطاعت إيجاد مساحة للتوفيق بين حماية القاصر ومراعاة خطورة الجريمة التي يرتكبها، وكيف جابهت هذه الأنظمة الإشكالية ذاتها.

النموذج الفرنسي – التخفيف كأصل قابل للاستثناء المُسبَّب

يقدم التشريع الفرنسي نموذجًا بالغ الأهمية في هذا المجال. فالأصل، وفق قانون العدالة الجنائية للأحداث (Code de la justice pénale des mineurs)، هو تخفيف العقوبة بالنسبة للقاصر؛ إذ لا يجوز للمحكمة، كقاعدة عامة، أن توقع عليه عقوبة سالبة للحرية تتجاوز نصف العقوبة المقررة للبالغ عن الجريمة ذاتها، مع حد أقصى خاص في حالة العقوبات المؤبدة لا يتجاوز عشرين سنة.

بيد أن المشرع الفرنسي لم يجعل هذا التخفيف مطلقًا بالنسبة للقاصر الذي تجاوز السادسة عشرة؛ إذ تجيز المادة (L.121-7) للمحكمة – وبصفة استثنائية- أن تقرر عدم تطبيق قواعد التخفيف إذا أخذت في الاعتبار ظروف الواقعة وشخصية القاصر ووضعه، بشرط تسبيب هذا القرار تسبيبًا خاصًا. وإذا كانت العقوبة الأصلية هي السجن المؤبد، فإن استبعاد قاعدة التخفيف لا يعني تطبيق المؤبد الكامل على القاصر، وإنما يظل الحد الأقصى للعقوبة التي يمكن الحكم بها في هذه الحالة مقصورًا على ثلاثين سنة سجنًا، لا أكثر.

وتكمن أهمية هذا التنظيم في أنه لا يجعل خطورة الجريمة وحدها سببًا آليًا لإسقاط التخفيف؛ فالاستثناء مرتبط بظروف الواقعة إلى جانب شخصية القاصر ووضعه معًا. ومن ثم يمكن أن تدخل جسامة الجريمة وطريقة ارتكابها ودرجة التخطيط لها ضمن التقدير القضائي، لكنها لا تعمل منفردة بمعزل عن شخصية القاصر وظروفه.

رابعًا: نظام إنجلترا وويلز – وتقرير أدوات عقابية متدرجة

يأخذ نظام العدالة الجنائية للأحداث في إنجلترا وويلز (Youth Justice System of England and Wales) اتجاهًا مختلفًا في صياغة التوازن. فالمسؤولية الجنائية تبدأ في سن العاشرة، ومع ذلك لا يعني ذلك إخضاع من هم دون الثامنة عشرة للنظام العقابي المطبق على البالغين بصورة مطلقة؛ إذ يقوم نظام خاص لعدالة الأطفال والشباب تؤكد إرشاداته القضائية أهمية العمر ودرجة النضج وتأثير العقوبة في القاصر.

وفي الوقت نفسه، لا تغيب خطورة الجريمة عن عملية تحديد العقوبة. فبموجب قانون العقوبات لعام 2020 (Sentencing Act 2020)، يُلزَم القاصر الذي يُدان بجريمة القتل العمد وهو دون الثامنة عشرة بعقوبة احتجاز إلزامية توازي المؤبد بالنسبة للبالغين (Detention during His Majesty’s Pleasure بموجب المادة 259)، مع تحديد “مدة أدنى” (tariff) يقضيها قبل النظر في الإفراج المشروط. ويقرر القانون ذاته نقطة بداية مخففة لهذه المدة الدنيا بالنسبة لمن هم دون الثامنة عشرة (اثنتا عشرة سنة) مقارنة بالبالغين (خمس عشرة سنة)، وهو ما يجسّد فلسفة التمييز بحسب السن حتى داخل نظام العقوبات المشددة.

أما في الجرائم الخطيرة الأخرى غير القتل العمد، فتتيح المادة (250) من القانون ذاته فرض عقوبات احتجازية قد تصل إلى السجن المؤبد إذا كانت الجريمة مما يستوجب ذلك، بل ويمتد الأمر في الجرائم العنيفة أو الجنسية إلى نظم عقابية ممتدة إذا توافر معيار الخطورة المستقبلية على الجمهور. وبذلك، فإن هذا النظام لا يُسقط اعتبار السن، وإنما يدمجه في بنية العقوبة ذاتها (عبر تخفيف نقطة البداية للمدة الدنيا) بدلًا من جعله سببًا مطلقًا لسقف عقابي منفصل تمامًا كما في النموذج المصري.

الخلاصة

إن السؤال الذي ينبغي أن يواجهه المشرع المصري ليس ما إذا كان ينبغي التخلي عن المعاملة الخاصة بالقاصر؛ فالإجابة عن ذلك يجب أن تكون بالنفي القاطع. وإنما السؤال الأدق هو: هل يحتاج النظام المصري إلى استثناء تشريعي منضبط يسمح للقاضي، في الجرائم بالغة الخطورة التي يرتكبها قاصر تجاوز السادسة عشرة، بمراعاة ظروف الواقعة وشخصية القاصر ودرجة إدراكه وتخطيطه ودوره الحقيقي فيها؟

وفي تقديري، فإن استحداث مثل هذا الاستثناء جدير بالدراسة، بشرط ألا يتحول إلى طريق غير مباشر لمعاملة القاصر معاملة البالغين. فلا ينبغي أن تكون جسامة الجريمة وحدها كافية لإسقاط التخفيف، وإنما ينبغي أن يرتبط الاستثناء بحزمة من المعايير الموضوعية مجتمعة، مع إلزام المحكمة، في جميع الأحوال، بتسبيب خاص يوضح لماذا استدعت الحالة الاستثنائية الخروج عن الأصل – على غرار ما استقر عليه النموذج الفرنسي.

فالمطلوب ليس أن نختار بين الطفل والمجتمع، وإنما أن نبني عدالة جنائية تستطيع أن ترى الاثنين معًا؛ عدالة تعترف بأن السن عامل جوهري، لكنها لا تغض الطرف عن حقيقة الدور الذي قام به القاصر في الجريمة.

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى