بند المعاينة.. بين النص القانوني والتطبيق العملي

بقلم: د. مدحت طلعت

شاع في الممارسة العملية، لعقود، إيراد بند المعاينة بصيغة تكاد تكون نمطية، على النحو الآتي: «يقر الطرف المشتري بمعاينة الشقة موضوع البيع المعاينة التامة النافية للجهالة على الطبيعة، ويقر بأنه قبلها على حالتها الراهنة». وهي عبارة نوقع عليها ونحن نبتسم للمحرر، ونظنها مجرد تحصيل حاصل، لكنها في حقيقتها تحمل في طياتها أهمية قانونية وعملية قد تغيب عن كثير من المتعاقدين. ولما كان لهذا البند من أهمية عملية وقانونية قد تخفى على كثير من المتعاقدين، ارتأيت تناوله بالدراسة والتحليل.

فهذا البند لا يرد عبثًا، وإنما هو إعمال لمبدأ سلطان الإرادة، وتجسيد لنص المادة 147 من القانون المدني المصري التي جعلت «العقد شريعة المتعاقدين». فبتوقيعك عليه تكون أنت والبائع قد اتفقتما على وصف محدد للمبيع، وعلى حالة معينة رضيت بها. ويجد هذا البند سنده كذلك في المادة 431 مدني، التي تلزم البائع بتسليم المبيع بحالته التي كان عليها وقت البيع، فيصبح بند المعاينة بمثابة الصورة الفوتوغرافية القانونية للحظة التعاقد.

وتكمن الوظيفة الجوهرية لهذا البند في ثلاثة أمور: أولها نفي ضمان العيوب الظاهرة، إذ تنص المادة 447/2 مدني بوضوح على أنه لا يضمن البائع العيب الذي كان المشتري يعلم به أو كان يستطيع أن يعلمه لو فحص المبيع فحصًا يقتضيه طبع الأمور. وثانيها إثبات واقعة التسليم، فتوقيع المشتري يعد إقرارًا منه بأنه استلم المبيع راضيًا. وثالثها تحديد مسؤولية الهلاك، فإذا هلك المبيع قبل التسليم بسبب أجنبي، تحمل المشتري تبعته لأنه رضي بالحالة وقت التعاقد.

ويظهر أننا نستخدم لفظ «الشقة» أو «العين» تحديدًا، ولا نكتفي بلفظ «الشيء»، لأن «الشيء» في القانون أعم وأشمل؛ فهو يشمل الشيء المادي كالشقة، والمنقول كمنقولات الزوجية، بل ويمتد إلى الشيء المعنوي كنتاج المؤلف، وذلك وفقًا لما قررته المادة 82 مدني التي فرقت بين العقار الثابت المستقر وبين المنقول. كما أن تحديد المبيع شرط لصحة التعامل، فلا يجوز أن يكون خارجًا عن دائرة التعامل بطبيعته، كالهواء والماء الجاري، أو بحكم القانون، كالمخدرات وأموال الدولة. وينسحب ذلك كله على بند وصف المبيع ومكانه وتحديده تحديدًا نافيًا للجهالة.

أما عن أثر هذا البند، فيتمثل في أنه يلزم البائع ضمنًا بتسليم المبيع بالحالة التي تمت معاينتها وقت التعاقد. فإذا طرأ أي تغيير على أوصاف الشقة بعد العقد وقبل التسليم ونال من قيمتها، كان البائع مسؤولًا. وقد حرص المشرع على ذلك، فنص في المادة 433 مدني على مسؤولية البائع عن نقص المقدار، وفي المادة 434 على أحكام العجز والزيادة، وإن لم يذكر لفظ «التغيير» صراحة، إلا أنه نظم صوره كافة.

وخلاصة القول، أن الاستهانة بصياغة هذا البند قد تؤدي إلى نتائج قانونية جسيمة؛ فهو ليس مجرد عبارة إنشائية، بل هو أداة لحماية الحقوق وتحديد المسؤوليات. فإذا أخل البائع بالتزامه، فلا سبيل لصاحب الحق إلا سلوك الطريق القانوني المقرر لاسترداد حقه عن طريق القضاء.

زر الذهاب إلى الأعلى