الشِدة العُظمى والفَناء الكبير !

بقلم: أحمد سلام

تداعيات فيروس كورونا حديث العالم – شبح الموت – جعل الرعب يسيطر على كل المشاهد ليصل الحد إلى المنع من السفر والمنع من استقبال رعايا الدول التي نال منها الفيروس بل والمنع من مغادرة المنازل بمثل ما قررت إيطاليا حيث وصل الأمر إلى توقيع عقوبات بالحبس والغرامة لمن يغادر بيته وذاك مشهد غير مألوف في العصر الحديث وإن تكرر عبر التاريخ وحديثي هنا عن مصر من خلال إبحار لتوثيق الأمر.
وجدتني اعود إلي التاريخ لأبحث في ماضي مصر عن “شدائدها” عبر الزمن وكيف تخلصت منها .
أعود إلي ماكتبه المؤرخ الشهير إبن إياس في مؤلفه الرائع” بدائع الزهور” مُتحدثا عن اطول وباء حل بمصر وكان سنة 446هجرية(1053 ميلادية)وقد إمتد هذا الوباء نحو ثمانية أعوام! .
كان هذاالوباء في عهد الخليفة”الفاطمي” المستنصر بالله.عم هذا الوباء جميع الأمم الإسلامية من سمرقند إلي مصر وقدإقترن هذا الوباء بغلاء وقحط شديد وكتب عن تبعاته السيئة مايؤلم النفس وكفي أنه كان يموت بمصر نحو عشرة آلاف كل يوم .
ترتب علي هذا الوباء أن عَز تواجد القوت للمأكل حتي اكل الناس القطط والكلاب ثم أكلوا بعضهم بعضا !.
ترتب علي ذلك أن أرسل الخليفة إلي قسطنطين التاسع إمبراطور قسطنطينية ليمد مصر”بالغلال” والأقوات وتم الإتفاق علي ذلك ولكن الإمبراطور توفي قبل التنفيذ!.
رفضت الإمبراطورة”تيودورا” تنفيذ ماتعهد به والدها”إلا بشروط تعجيزية”رفضتها مصر!.. وقد نشبت حروبا بين مصروالقسطنطينية جراء هذا الرفض.
تفاقمت الشدائد في مصروإستمر الوباء والغلاء وساد الموت والخراب..اُطلق علي تلك الأحداث “الشدةالعظمي” ..
ترتب علي هذه الشدة فتنا وحروبا أهلية في مصروحسبما كتب “المقريزي في الخطط” فإن مصر (كادت) أن تذهب فريسة للدمار والفوضي!..
أرسل القدر لمصر جنديا عظيما هو “بدر الجمالي”وقد إستطاع بعزمه وصرامته أن يعيد إليها النظام والحياة والنضارة وإنتهت الشدة العظمي!.
عادت الشدة مرة أخري في عهد الملك العادل(597 هجرية)…ثم في عهد السلطان حسن سنة (749 هجرية)(1348 ميلادية) وهذا التاريخ يُسجل له أنه تاريخ أعظم نكبة حلت بالعالم اجمع ليطلق عليها (الفناء الكبير)!.
كتب “إبن إياس” عن الفناء الكبير:-
أنه كان يُحمل في كل يوم من القاهرة وحدها نحو “عشرين ألفا” وأنه ضبط عدد من توفوا من شعبان إلي رمضان(سنة 749هجرية)فكانوا “”تسعمائة ألف””!..
كتب “المقريزي” عن ذلك قائلاً:-
إن مصر أصيبت وقتها “بالخراب” المُطلق وأقفر معظم دورها وقد هلك الزرع وهلكت الأيدي العاملة”فلم” تُزرع الأرض وهلكت الدواب والحيوانات والوحوش أيضاً..!
..قيل شِعرا في تلك الأحداث علي لسان الشاعر(الصفدي)..:-
.”لاتثق بالحياة طرفة عين.”–“في زمان طاعونه مستطير”!.
“فكأن القبور شعلة شمع”– “والبرايا لها فراش تطير”!
تلك كانت لمحات من تاريخ مصر”عبر إبن إياس والمقريزي” وقد دونا ماحدث بها من نكبات اطلق عليها “الشدة العظمي والفناء الكبير”!
كل الدعاء بصلاح الأحوال بمصروألا تنال منها الشدة العظمي كي لاتتعرض للفناء الكبير.

(هوامش)

المقال دراسة تاريخية قمت باعدادها قبل سنوات وقد انتهت الشدة الي اجتيازها و كانت مشهدا من عثرات نالت من مصر، عبر التاريخ وفي النهاية تجاوزت تلك المحن.

علي عبدالجواد

صحفي مصري ، محرر بالمركز الإعلامي لنقابة المحامين ، حاصل على بكالوريوس في الإعلام - كلية الإعلام - جامعة الأزهر ، عمل كمحرر ورئيس قسم للأخبار في صحف مصرية وعربية.
زر الذهاب إلى الأعلى