الحُجية القانونية للشيك البنكى المُرتبط بالعقود ذات الصِبعة المدنية.. قراءة قانونية فى ضوء الفقه وقضاء محكمة النقض

بقلم الأستاذ : شيبة الحمد أحمد العيلى المحامى بالنقض

فى البداية ما هو التعريف القانونى الشيك ؟

يعرف قانون التجارة المصري رقم ١٨ لسنة ١٩٩٩ الشيك بأنه صك مكتوب يتضمن أمرًا غير مُعلق على شرط، صادر من الساحب إلى المسحوب عليه (البنك)، لدفع مبلغ معين من النقود عند الطلب إلى المُستفيد أو لحامله.

كما أن المُشرع فى المادة ٤٧٣ من القانون رقم ١٧ لسنة ١٩٩٩ أوجب بأن يكون الشيك من حيث الشكل والمضمون وكذا حقيقة الواقع أمر غير مُعلق على شرط للوفاء بمبلغ مُعين من المال ومن ثم فإذا إفتقد الشيك هذه الخصائص فلا يخضع للحماية الجنائية

ويذهب الفقه إلى أنه لا بُد من توافر شرط الإعطاء الإرادى بقصد التخلى النهائى عن الصك للمستفيد وليس مُجرد الإنشاء أو التحرير أو الإصدار أو التوقيع أو المناولة وإنما لا بُد من الإعطاء وفقاً لمفهومه الإصطلاحى فى القانون بقصد مُحدد بأن يُطلق الشيك فى التداول ، ولا تقوم جريمة إصدار الشيك بدون رصيد بغير ذلك لأن القانون لا يُعاقب على مُجرد إنشاء أو تحرير الشيك بدون رصيد وإنما يُعاقب على (إعطائِـهِ) أي بإطلاقه فى التداول بقصد الوفاء عن طريق تسليمه للمُستفيد تسليماً حـُراً غير مُقيد

وقد قضت الهيئة العامة للمواد الجزئية لمحكمة النقض ( الدوائر مُجتمعه ) حكماً لها قررت فيه جملة مبادىء فى شأن الشيك منها قضت فيه ” متى كانت المحكمة قد إستظهرت أن تسليم الشيك لم يكُن على وجه الوديعه وإنما كان لوكيل المُستفيد وأنه تم على وجه تخلى فيه الساحب نهائياً عما سَلّمهُ لهذا الوكيل فإن الركن المادى للجريمة يكون قد تحقق ”
نقض ٢٧ مايو ١٩٥٨ / س٩ رقم ١٤٩ ص ٥٨

وبمفهوم المخالفه لهذا الحكم الصادر عن الهيئة العامة لمحكمة النقض للمواد الجزيية فإنه إذا ثبت أن التسليم لم يََكُن نهائياً وإنما كان على سبيل الوديعة فلا إعطاء ولا ركن مادى ولا جريمة.

كما قضت محكمة النقض بأن ” الدفاع المُثبت فى صفحات حافظة المُستندات للمحكمة الإستئنافية بعدم إستيفاء الشيك محل الإتهام شرائطه القانونية ، يكون الحكم عنه إيراداً ورداً يصمه بالقصور المُبطل له ”
نقض ١١ فبراير ١٩٧٣ / س٢٤ ـ٣٢ـ١٥١

والسؤال هل يكون الشيك أداة وفاء فى كل الحالات ؟

الشيك وفقاً لقانون التجارة أداة وفاء فورية مُستحقة الدفع عند الطلب ولكن ما هو الحال إذا كان هذا الشيك هو وسيلة ضمان لمعاملة أو مُرتبط بعقد بيع وحدة عقارية مثلاً أو إلتزام مُستقبلى ؟

كما فى حالات الإلتزام بتحرير الشيكات الخاصة بقيمة باقي ثمن الوحدة المُبيعة بذات قيمة الأقساط الواردة بعقد البيع فى ذات مواعيد سداد الأقساط

فإذا ما كان الباعث على إصدار الشيك أنه ضمان لسداد الأقساط الخاصة بباقي الثمن أو كان الباعث على إصدارة أنه مُحرر تنفيذاً للإلتزامات المُتقابلة الواردة بالعقد سند العلاقة وليس مُحرر بإعتباره ديناً منفصل عن العقد فإن القرينة القانونية القائمة على أن الشيك أداة وفاء تصبح محلاً للنقاش والتفنيد ويحق للساحب دحض هذه القرينة

رأي محكمة النقض

فِى حكم حديث لمحكمة النقض المصرية فى الطعن بالنقض رقم ١٧٦٨٨ لسنة ٩٢ قضائية الصادر بجلسة ٢٢ ديسمبر سنة ٢٠٢٤ قضت المحكمة أنه

(حيث إنَ حاصل ما ينعي به الطاعن على الحُكم المطعون فيه الخطأ في تطبيق القانون والإخلال بحق الدفاع والفساد في الإستدلال والقصور في التسبيب وفي بيان ذلك يقول إن الحُكم المطعون فيه أقام قضاءه برفض الدعوى بقالة أنَ الشيك أداة وفاء ومتى إستوفى مقوماته فلا عبرة لسبب تحريره، ملتفتاً عمَّا تمسك به من أنَ الشيكات المطلوب ردها حُررت ضماناً لسداد قيمة توريدات ولا تمثل مديونية حقيقية، على الرغم من أنَّ الطاعن قدم الدليل على أنه سلم الشيكات إلى المطعون ضدها على سبيل الضمان وليست أداة وفاء، وهو الثابت بالصورة الضوئية غير المجحودة من إيصال استلام ثمانية شيكات على سبيل الائتمان مختوم بخاتم المطعون ضدها في 2017/11/5، فضلاً على أنَ الخبير أورد بتقريره رفض الشركة المطعون ضدها تقديم أي مستندات تُفيد تصفية الحساب بينهما، وتفيد مديونيته لها، مما يُعيبه ويستوجب نقضه.

وحيث إنَ هذا النعي في محله ، ذلك بأَنَّه ولئن كان الشيكُ يُعد أداة وفاء يقـُوم مقام النقود وأَنَـهُ ينطوي بذاته على سببهِ وإن لم يـُصرح به فيه، إذ الأصل أن سببه هو الوفاء بدين مُستحق لمن حُرر لصالحه أو لمن آل إليه إعمالاً للقرينة المـُترتبة على تسليمه إلى المُستفيد، إلا أنَّه إذا ادعى الساحب خلاف ذلك وقدم ما يؤيد مدعاه فعلى المحكمة بحث دفاعه الذي بثبوته ينتقل عبء إثبات المديونية إلى المُستفيد، فإذا أثبت الساحب أن الشيك ما صدر إلا ضماناً لتنفيذ التزام عليه قِبـَل المُستفيد، وهو ما يـُهدر قرينة الوفاء بما ينتفي معه الإستدلال على إنشغال ذمته بقيمة الشيك، فإنَّه يكون على المُستفيد حينئذ أن يثبت إخلال الساحب بالتزامه ليحق له صرف هذا الشيك وقبض قيمته ، كما أنَّ من المُقرر أنَّ إغفال المحكمة بحث دفاع أبداه الخصم يترتب عليه بطلان الحكم إذا كان هذا الدفاع جوهرياً ومؤثراً في النتيجة التي إنتهت إليها، إذ يُعد هذا الإغفال قصوراً في أسباب الحكم الواقعية بما يقتضي بطلانه، ولَمَّا كان الائتمان التجاري هو ترتيب مالي بين الشركات حيث يُسمح للمشتري بشراء السلع أو الخدمات والدفع إلى المـُورد في وقتٍ لاحقٍ، وعادةً ما توضح خطة الدفع المؤجلة هذه في شروط البيع، مع تحديد مدة الائتمان.

وقد يلجأ الموردون إلى ضمانات تغطي الحدود الائتمانية التي تمنحها المـُتعاملين معها من التـُجار، والتي غالباً ما تتمثل في أوراق تـِجارية تـُغطي تلك القيمة، والتي لا تكون مُستحقة ولا يُلجأ إليها إلا بعد تعذر إستيفاء قيمة البضاعة المـُوردة بالطرق المتفق عليها
لمَّا كان ذلك وكان الثابت من الأوراق وتفرير الخبير أنَّ الطاعن قد تمسك بأنَّ الشيكات الثمانية المطلوب ردها قد سلَّمها إلى المطعون ضدها ضماناً لما بينهما من تعاملات وما تورده إليه من بضاعة ائتماناً بتأجيل سداد قيمتها، ودلَّل على ذلك بتقديمه صورة ضوئية من حافظة تسلم المطعون ضدها تلك الشيكات ثابت بها أرقام الشيكات ومُدوَّن عليها أنَّها شيكات ائتمان وهو دفاع جوهري لو فطنت إليه المحكمة لتغير وجه الرأي في الدعوى، ولا سيما أنَّ المطعون ضدها لم تثبت مديونية الطاعن وإخلاله بالتزامه قبلها سداد قيمة ما ورَّدته إليه ليُستحق لها المبالغ التي أخلَّ بسدادها، ومن ثَمَّ أحقيتها في صرف تلك الشيكات لاقتضائها وإذ أقام الحكم المطعون فيه قضاءه برفض الدعوى على أنَّ الشيك أداة وفاء ولا عبرة لسبب تحريره أو الغرض منه، وهو ما لا يواجه دفاع الطاعن، فإنَّه يكون معيباً بما يُوجب نقضه، على أن يكون مع النقض الإحالة.

الطعن رقم ١٧٦٨٨ لسنة ٩٢ قضائية جلسة ٢٢ -١٢-٢٠٢٤

كما قضت محكمة النقض أيضاً فى الطعن رقم ٣٦١ لسنة ٨٥ قضائية الصادر بجلسة الخميس الموافق ٢٧ من مايو سنة ٢٠٢١ أنه ” وحيث إن الطعن أقيم على ثلاثة أسباب ينعى بها الطاعن على الحكم المطعون فيه الخطأ في تطبيق القانون والإخلال بحق الدفاع والقصور في التسبيب وفى بيان ذلك يقول أنه تمسك بدفاع حاصله أن الشيك موضوع النزاع حُـرر للشركة المطعون ضدها على سبيل الضمان بحسب طبيعة العلاقة بينهما وأنه لا يمثل مديونية حقيقية تصلح للإقتضاء وطلب إحالة الاستئناف للتحقيق لإثبات ذلك كما طلب إلزام الشركة المطعون ضدها بتقديم نسخة من ميزانيتها عن الأعوام ٢٠٠٥ حتى ٢٠٠٨ المعاصرة لتاريخ الشيك لكونه لو كان للتحصيل لأُدرِج في الميزانية فضلاً عن أن تقرير الخبير في الدعوى رقم ١ لسنة ٢٠١٠ تجارى كلى الإسكندرية أكد صحة دفاع الطاعن إلا أن الحكم المطعون فيه إلتفت عن ذلك الدفاع بما يعيبه ويستوجب نقضه.

وحيث إن هذا النعى في محله ، ذلك أن من المقرر – في قضاء هذه المحكمة – أن الأصل في الشيك أن يكون أداة وفاء وعلى من يدعى خلاف هذا الأصل الظاهر إقامة الدليل على ما يدعيه وأن طلب الخصم تمكينه من إثبات أو نفى دفاع جوهرى بوسيلة من وسائل الإثبات الجائزة قانوناً هو حق له يتعين على محكمة الموضوع إجابته ، متى كانت هذه الوسيلة مُنتجة في النزاع ولم يكـُن في أوراق الدعوى والأدلة الأُخرى المطروحة عليها ما يكفى لتكوين عقيدتها فيها ، وأن إغفال الرد على دفاع جوهرى للخصم يعتبر قصوراً في أسباب الحكم الواقعية موجباً لبطلانه.

لما كان ذلك وكان البين من الأوراق أن الطاعن قد تمسك أمام محكمة الموضوع بأن الشيك موضوع التداعى قد حُـرر للضمان بحسب طبيعة العلاقة بين الطاعن ( مقاول نقل ) وبين الشركة المطعون ضدها وأنه لا يـُمثل مديونية حقيقية وطلب إثبات هذا الدفاع بإحالة الاستئناف للتحقيق وإلزام الشركة المطعون ضدها بتقديم نسخة من ميزانيتها عن أعوام ٢٠٠٥ حتى ٢٠٠٨ المُـعاصرة لتاريخ الشيك لكونه لو كان للتحصيل لأُدرج في ميزانية الشركة وإذ إلتفت الحكم المطعون فيه عن هذا الدفاع ولم يواجهه بما يكفى لحمل قضائه فإن إلتفاته عن طلب تحقيقه رغم أنه دفاع جوهرى من شأنه لو صح أن يتغير به وجه الرأي في الدعوى يعيبه بما يوجب نقضه.

الطعن رقم ٣٦١ لسنة ٨٥ قضائية -جلسة،٢٧-٥-٢٠٢١

الآثار القانونية المُترتبة على قضاء محكمة النقض

بمطالعة قضاء محكمة النقض أنه متى قام الدليل على إرتباط الشيك البنكى بعقد مُحدد مثل عقد توريد أو عقد بيع وحدة عقارية وان الباعث على تسليم هذا الشيك لم يكن للوفاء وإنما كان ضماناً لتنفيذ الإلتزامات الواردة بالعقد كسداد الأقساط التى يرتبها العقد سند العلاقة بين الساحب والمُستفيد فهنا يصبح هذا العقد وهذه العلاقة التعاقدية هى الأساس القانونى الذى يتخذ سنداً لفحص سبب المطالبة بقيمة هذا الشيك وهل ينطبق على الشيك الوصف القانونى من كونة أداة وفاء من عدمه

فقضاء محكمة النقض يضع ضوابط قانونية بالغة الأهمية
أنه لا يحق للمُستفيد المُطالبة بقيمة الشيك إلأ إذا أثبت أن المُستفيد أخل بالتزامه قِـبلهُ بسداد قيمة ما ورَّده إليه ليُستحق له المبالغ التي أخلَّ الساحب بسدادها، ومن ثَمَّ أحقيته في صرف تلك الشيكات لاقتضائها

وبمفهوم المخالفه لا يحق للمُستفيد المطالبة بقيمة هذا الشيك إذا أخل بإلتزاماته التى يرتبها العقد المُحرر بينه وبين الساحب أو خالف شروط العقد أو إذا إنقضي العقد بالفسح أو لأي شباب من أسباب الإنقضاء وذلك لأن الباعث على إصدار الشيك كأداة ضمان قد زال بزوال العقد

ولما كان العقد هو مصدر إصدار الشيك فهو يدور معه وجوداً وعدماً ولا يبحث سبب إصدار الشيك بمعزل عن العقد وكان المُقرر فقهاً أن العقد هو اتفاق إرادتين أو أكثر على إحداث أثار قانونية متمثلة في إنشاء الالتزام أو نقله او تعديله أوانهائه، و اذا نشأ العقد صحيحا مستوفيا لكامل أركانه و شروطه رتب مختلف أثاره القانونية و بالتالي كسب قوته الملزمة من حيث الاشخاص و الموضوع تطبيقا لمبدأ سلطان الارادة .

كما أنه من المقرر قانوناً أنه يقصد بمصدر الإلتزام السبب القانوني المنشئ له، ويرجع إلى القانون نشأة جميع الإلتزامات ، فلا يقوم أي التزام إلا إذا أقره القانون واعترف به

فقضاء محكمة النقض هنا يُرسخ إلى قاعدة هامة أن المطالبة بقيمة الشيك البنكى المرتبط بعلاقة ذات صِـبغة مدنية مرهون ببحث العلاقة التعاقدية التى كانت الباعث على إصداره لأن الأصل أن الشيك أداة وفاء يقـُوم مقام النقود وأَنَـهُ ينطوي بذاته على سببهِ وإن لم يـُصرح به فيه، إذ الأصل أن سببه هو الوفاء بدين مُستحق لمن حُرر لصالحه أو لمن آل إليه إعمالاً للقرينة المـُترتبة على تسليمه إلى المُستفيد
وهنا ياتى دور الساحب الذى يدعى خلاف ذلك فإذا أثبت الساحب أن الشيك ما صَدر إلا ضماناً لتنفيذ إلتزام عليه قِبـَل المُستفيد، وفى هذا ما يـُهدر قرينة الوفاء بما ينتفي معه الإستدلال على إنشغال ذمته بقيمة الشيك، فإنَّه يكون على المُستفيد حينئذ أن يثبت إخلال الساحب بالتزامه ليحق له صرف هذا الشيك وقبض قيمته ،كما يشير قضاء محكمة النقض إلا أنه يحق للساحب ندب خبير حسابى لتصفية الحساب بين طرفي العلاقة التعاقدية التى كان نتيجتها إصدار الشيك والوقوف بالجملة على مدى تنفيذ كل طرف لإلتزاماته الواردة بالعقد سند العلاقة سواء كان عقد توريد أو عقد بيع وإثبات ما إذا كان الشيك موضوع المطالبة مُستحق الوفاء على ضوء الوارد بالعقد من عدمه

كما أن قضاء محكمة النقض يشير إلى أن الشيكات المُرتبطة بعقود ذات صبغة مدنية تدور فى فلك العقد وينظر إليها فى إطار العقد لبحث الباعث على إصدارها وبيان مدى تنفيذ كل طرف لإلتزاماته وذلك جميعة بما يحقق صيانة الدور الإئتمانى للشيك وحماية أرادة المتعاقدين فى ضوء مبدأ سلطان الإرادة.

 

زر الذهاب إلى الأعلى