الثقافة المنشودة لصناعة مُحام مُتميز (2)

بقلم: د. حمدي أبو سعيد

(1)
تمهيد:
تناولت في (الجزء الأول) من المقال الحديث عن مفهوم “الثقافة” التي تباينت الآراء في تحديد مفهومها، بدءاً من العلاًّمة عبد الرحمن بن خلدون” مؤسس علم الاجتماع (ت 808هــ)، والذي وصف الثقافة بأنها “العُمران الذي هو من صُنع الإنسان”، وهو وتعريف له دلالته، حيث جعل الثقافة بالنسبة للإنسان هي عمارة الحياة التي لا يستطيع أن يعيش بدونها، ومروراً بالعالم الإنجليزي “ادوارد تايلور” (ت 1917هـ) مؤسس علم الأنثربولوجيا، الذي عرَّف الثقافة بأنها: “مجموعة المعارف والفنون والعادات والتقاليد والحق والقانون والقدرات التي يكتسبها الإنسان”، وهكذا إلى أن اتفق الحاضرون بالإجماع أخيراً في مؤتمر (السياسات الثقافية) لليونسكو في (المكسيك) عام 1982م على مفهوم الثقافة؛ حيث نصّ إعلان مكسيكو على أنها: ” جميع السمات الروحية والمادية والعاطفية، التي تُميّز مجتمعاً بعينه، أو فئة اجتماعية بعينها. وهي تشمل : الفنون والآداب وطرائق الحياة .. كما تشمل الحقوق الأساسية للإنسان، ونُظم القيم والمعتقدات والتقاليد” ..

وبالطبع فإن لكُلِّ أمة أو مجتمع أو شعب من الشعوب أو فئة من الفئات ثقافتها التي تُميزها عن غيرها، ومن هؤلاء رجال القانون؛ حيث أنَّ الثقافة في عُرف القانونيين يُمكن أن نُعرّفها بأنَّها: “مجموع المعلومات والمعارف التي ترتبط بالتراث الفقهي الشرعي والقانوني، وما يتصل به من المعلومات المتعلقة بعلوم اللغة والآداب العربية والأجنبية، والعلوم التاريخية والاجتماعية، والإنسانية، والدراسات النفسية، ودراسات الحِجاج والمنطق، ودراسات الطب الشرعيّ والعلوم الطبية المساعدة، وعلوم البلاغة وفنون الخطابة وغيرها من العلوم والمعارف والفنون والآداب والقيم الحاكمة للسلوك التي تتطلب سعة الأفق وجودة الفهم في استيعابها، وحسن الاستفادة منها، وتوظيفها في خدمة المجال القانوني فقهاً وقضاءً ومُرافعة) ..

وبالتأكيد فإنه ثمة فارق كبير بين “العلم” و “الثقافة”؛ فالعلم أعم وأشمل من الثقافة، على اعتبار أنَّ للعلم قواعد وأصول ومبادئ وضوابط ومُتطلبات وشروط بخلاف الثقافة التي هي عبارة عن تحصيل مجموعة من المعلومات والمعارف والقيم التي تحكم وتتحكم في السُّلوك الإنساني؛ وعلى حد تعبير الأديب الكبير الأستاذ عباس محمود العقاد (ت 1964م) في بيان الفرق بين “العلم” و “الثقافة”، إذ يقول: “تعلَّم شيئاً عن كُلِّ شيء لتكون مُثقَّفاً، وتعلَّم كُلِّ شيءِ عن شيءِ لتكون عالماً” ..

(2)
أهمية الثقافة للمُشتغلين بالقانون:
“الثقافة” هي الزاد الذي لا غناء عنه أبداً لكُلِّ أحد فضلاً عن المشتغلين بالقانون من المحامين والقضاة وغيرهم، حيث يستمدون منها العلوم والمعارف والآداب والقيم التي يُدافعون بها عن الحق، و ينصرون المظلوم، ويُوقفون الظالم عند حدِّه، ويُقيمون العدل بين الناس ..

وكيف يتأتى لمحام أو قاضِ أن يُحقق العدل دون أن يكون له زاد علمي وثقافي متين؟ .. وكيف يمكن للمحام أن يكتب مُذكرة قوية مُقنعة مُؤيدة بالشواهد والأدلة
والحُجَج والبراهين؟! .. وكيف له أن يترافع، أو أن يُدافع عن صاحب الحق دون أن يكون له اطلاع واسع على الكثير من العلوم والمعارف المهمة؟ .. ثم كيف يستطيع القاضي أن يحكم بالعدل دون أن يكون له اتصال مع العلم والمعرفة، وتواصل مُستمر مع الكُتب ومصادر العلم والثقافة بالقراءة المعمقة والاطلاع على العديد من هذه العلوم والمعارف التي تُعينه على أن يقضي بالحق ويحكم بالعدل بين الناس ..
ولما كانت المحاماة وكالة بالدفاع عن المظلومين أو المتهمين لإظهار الحقيقة، وتقريراً للحق والعدل، فإنَّها صارت أمانة ورسالة يتطلَّبُ القيام بها على أحسن صورة وأكمل وجه التسلح بزاد علميّ وثقافيٍّ أصيل يُمكن المحامي من إقناع المحكمة بعدالة قضيته وبراءة مُوكليه ..

لذا كانت الثقافة هي الزاد والملاذ والسلاح القوي الذي لا غناء عنه للمحامي والقاضي ولكُلِّ من يتصدَّر مجالس الحكم والقضاء بين النَّاس على حدِّ سواء، حتى أننا لنرى ونُشاهد ذلك واضحاً بجلاء على مستوى مجالس الصُّلح العُرفية في القُرى والمجتمعات الريفية والبدوية بمصر، حيث نرى أنَّ من يتصدرون هذه المجالس للحُكم والإصلاح والقضاء بين النَّاس هم في الغالب أناس لا يحملون أي مُؤهلات دراسية، ولكنهم على حظِّ وافرِ من الثقافة والمعرفة وفهم الواقع وقُوة الحجَّة والمنطق وحُسن القضاء !، فالثقافة هي زاد المحامي وسلاحه وحليته الثمينة التي يتحلى ويتزين بها علماً وسلوكاً ومنطقاً قويّاَ وأداءً مُتميِّزاً .. ومن هُنا تكمن أهمية الثقافة للمحامي والقاضي ولكُلِّ من يشتغل بالقانون على حدٍّ شواء ..
(3)
أهمية الثقافة للمحامي في نقاط مُوجزة
ويُمكن أن نُبين أهمية الثقافة للمحامي ولكافة المشتغلين بالقانون في نقاط مُوجزة على النحو التالي:
1 – إذا كان خير الزاد على الإطلاق هُو “التَّقوى” بمعنى: (مُراقبة الله تعالى في السِّرِّ والعلن) بنص الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيلٌ من حكيم حميد، إذ يقول الحقُّ جلَّ في عُلاه: (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ) [سورة البقرة: 197]؛ فالتقوى هي خير الزاد على الإطلاق، والعلم والثقافة مع التقوى هما سبيل الرِّفعة في الدنيا والآخرة؛ قال الله جلَّ وعلا: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) [سورة المجادلة: 11]؛ لذا فإن الثقافة مع “التقوى” هي الزاد الذي لا يستطيع المحامي أو المشتغل بالقانون أن يُؤدي عمله على أكمل وجه وأحسن صورة بدونها، فالتَّقوى تمد المحامي والقاضي بخير الزاد الذي هُو مُراقبة الله في السِّرّ والعلن؛ بالإخلاص والصدق والأمانة وحُسن الخلق .. والثقافة هي التي تمد المحامي بما يحتاجه من زاد علمي وثقافي وعلوم ومعارف تُساعده على حُسن كتابة وتجويد مُذكرات الدفاع والطعون، و الثقافة التي تُعينه على جودة المُرافعة وإحكامها، والثقافة هي التي تُسعفه بالجواب الواضح الصحيح والبيان المقنع الفصيح عند الوقوع في مُشكلة ما أو مأزق، وبدون الثقافة لا يستطيع الدفاع عن الحق وإجلاء الحقيقة وانتزاع الحكم بالحق والعدل .. فالثقافة هي الزاد الذي يُوصل المحامي الناجح المبدع إلى غايته من أيسر طريق، وأما ضَحْلُ الثقافة أو عديمها فمصيره الفشل والاضمحلال من أقصر طريق ..

2 – الثقافة للمحامي هي السلاح القوي الذي لا غناء عنه، وهو السلاح الوحيد الذي يملكه المحام وأي مُشتغل بالقانون، فلا يستطيع أن يمضي في طريق العدالة بدونه؛ ولا يستطيع أن يُؤدي عمله القانوني دون أن يتسلح بفنون العلم والمعرفة والآداب، ودون أن بكون له حظ وافرٌ ونصيب كبير من الدُربة على فنون الكتابة والقول والبلاغة وحُسن المنطق وقوة الإقناع، وهي سلاح قوي لمن يُحسن استخدامه، والمحامي ورجل القانون لا يملك غير هذا السلاح في مُواجهة رجال الشرطة والنيابات والقضاة، وفي مواجهة خصوم الدعاوى في ساحات المحاكم ..

3 – الثقافة هي حِلْيَةُ المحامي (أي زينته) التي يتزيَّا ويتزين بها في مكتبه، ومع زملائه، وفي قاعات المحاكم، وأمام النيابات، وفي أقسام الشُّرطة وغيرها، وبدون الثقافة (الحِلْية) فالهيئة رثَّةٌ، والحالُ بالية، والكتابة مُضطربة، والحُجَّة مُنقطعة، وفنون القول والخطابة المقنعة مُنعدمة، ويضيع المتهم، ويتلاشى الحق بسبب هذه الحالة المزرية التي قصَّر فيها المحامي فلم يستعد لمثل هذا اليوم بزاد يُغنيه، ولم يتسلح بسلاح يمده بأسباب النصر والظفر، ولم يكن له من حلية تُظهره بأحسن مظهر، لذا كانت الثقافة للمحامي هي الحل .. فاعتبروا يا أُولي الأبصار ..

4 – الثقافة هي الطريق الذي ميَّز الجيل الذهبي من الآباء الأوائل المؤسسين؛ فمن يُتابع سيرة ومسيرة الزعيم مصطفى كامل وخليفته الزعيم محمد فريد بك، والأستاذ إبراهيم الهلباوي بك، والأستاذ مصطفى مرعي، والعلامة الفقيه عبد الرزاق باشا السنهوري .. وغيرهم من أساطين المحاماة ونجومها وأعلامها الكبار، يُدرك كم كان عليه هذا الجيل الذهبي من علم غزير وثقافة موسوعية شاملة، ومن يقرأ ما دبجته أقلامهم من دفاع ودفوع ومُرافعات، ومن يقرأ ما كتبوه ودوَّنوه من فقه شرعي وقانوني يعرف قدر وفضل هؤلاء العظماء .. ومن يُريد أن يقف على ذلك فليُطالع بحوثهم العلمية الرصينة ودراساتهم القوية المتينة مع حُسن أدب وبلاغة وقوة بيان في كُتبهم الفقهية الموسوعية، وما جادت به قرائحهم من بحوث دراسات ومقالات علمية وعملية مُحَكَّمة في مجلة “المحاماة الشرعية”، ومجلة “المحاماة” الصادرة عن نقابة المحامين، والبحوث التي كان يُصدرها أساتذة مدرسة القضاء الشرعي و مدرسة الحقوق، ثُمَّ كُلِّيات الحقوق والشريعة والقانون –فيما بعد- يُدرك أنَّ هؤلاء الآباء كانوا عظاماً بكُلِّ ما تحمله هذه الكلمة من معنى وأبعاد .. ثُمَّ لا يلبث أن يفزع ويُصاب بحالة لا تنتهي من الآلام نتيجة لما وصلت إليه أوضاع “المحاماة” وأحوال “المحامين” من وضع مُزري لا يليق –أبداً- بفرسان الكلمة وأصحاب مهنة صاحبة الجلالة “المحاماة” التي كان حكام مصر ورؤساء حكوماتها ووزراءها وساستها و أدباءها وكبار رجالاتها من المحامين العظام! ..

5 – تُعتبر الثقافة للمحامي بمثابة سفينة النجاة ومركب السلامة، الذي يحول دون الوقوع في أخطاء فادحة تكون سبباً في ضياع الحقوق، وإهدار العدالة، وإقرار الظلم والفساد، و تشريد الأُسر وخراب البيوت، فكم من حُقوق ضُيِّعت، وكم من عدالة أُهْدرت، وكم من مظالم طُويت، وكم من قضايا عادلة خُسِرَت؛ فسببت آلاماً لم تندمل، وجراحات تقطَّع معها كل أمل، ولا حول ولا قُوَّة إلاَّ بالله .. لذا كانت الثقافة هي الضمانة الأكيدة، وسفينة النجاة الوحيدة لمن رام من رجال القانون تميُّزاً ونجاةً ونجاحاً، لينجو من الوقوع في مثل هذه الأخطاء الفادحة، أو إن صح التعبير (القاتلة)! ..

6 – إنَّ الثقافة للمحامي هي التي تُميزه عن غيره من أقرانه، فالمحام المثقف متميزٌ في علمه وعمله وأدائه عن غير المثقف، والقاضي المثقف مُتميِّزٌ في علمه وعمله وأدائه عن غير المثقف، ويظهر أثر الثقافة وأهمتها واضحاً جليَّاً عند النزال في ساحات المحاكم وفي مُواجهة القُضاة وزملاء آخرين مُوكلين بالدِّفاع عن الخصوم .. وقد رأينا وشاهدنا الكثير من النماذج المتباينة في الثقافة، ورأينا كم كان للثقافة دورها في إنقاذ الموقف لصالح المحامي المثقف ..

إنَّ الثقافة للمحام ولكُلِّ مُشتغلٍ بالقانون كالهواء الذي يَسْتَنْشِقَهُ، وكالماء الذي يروي ظماه عند العطش، وكالغذاء الذي يسد جوعه ونهمته، وكالدواء الذي يشفي مرضه ويُبرئ علَّته، وهو لا يستطيع أن يستغني عن أيٍّ منها جميعاً .. إن الثقافة للمُحام وكُلّ مُشتغل بالقانون هي الحياة التي لا يستطيع العيش بدونها .. إن الثقافة للمحام والقاضي هي الزاد الأساس، والسلاح القويِّ، وطوق النجاة وسفينتها، والحِلْيةُ الجميلة التي تأخذ بالألباب، وتُبهر العيون، وتسر الناظرين؛ لذا كانت الثقافة للمحامي هي الحياة .. هذا والله من وراء القصد؛؛؛
للموضوع –صلة- في مقال آخر ..
بقلم: د. حمدي أبو سعيد

علي عبدالجواد

صحفي مصري ، محرر بالمركز الإعلامي لنقابة المحامين ، حاصل على بكالوريوس في الإعلام - كلية الإعلام - جامعة الأزهر ، عمل كمحرر ورئيس قسم للأخبار في صحف مصرية وعربية.
زر الذهاب إلى الأعلى