إشكاليات اختصاص المحاكم الجنائية الاقتصادية

بقلم / المستشار الدكتور محمد سمير

إنشاء المحاكم الاقتصادية:

إن المُشرّع حينما اتجه إلى إعمال مبدأ التخصص القضائي، إيماناً منه بأهميتة الكبيرة في جودة العمل القضائي من حيث الإنجاز المتقن والسريع للدعاوى وتمخض ذلك بإنشاء المحاكم الاقتصادية لتختص دون غيرها بالدعاوى الاقتصادية، سواء من الناحية المدنية أو الوجهة الجنائية، وقد جعل المُشرّع اختصاصاً عاماً وشاملاً في جميع صور الحماية القضائية. ويرجع إنشاء المحاكم الاقتصادية إلى ضمان سرعة الفصل في هذه المنازعات بواسطة قضاة مؤهلين ومتخصصين يتفهمون دقة المسائل الاقتصادية وتعقيداتها في ظل نظام العولمة وتحرير التجارة محلياً وعالمياً بما يحقق وصول الحقوق لأصحابها على نحو ناجز مع كفالة حقوق الدفاع كاملة.

وقد ورد في المذكرة الايضاحية لمشروع قانون إنشاء المحاكم الاقتصادية أنه ” يقوم علي عدة محاور هي إنشاء قضاء متخصص تحت مسمي ” المحاكم الاقتصادية ” وتنظيم القضاء المستعجل وقضاء الامور الوقئية وأوامر الأداء في نطاق المحاكم الاقتصادية وبيان اختصاص هذه المحاكم وتطبيق نظام التحضير والصلح وتجهيز المحاكم بأعداد وفيرة من الخبراء وتنظيم الطعن في الاحكام “.

ولذلك فقد تخير المُشرّع عدد من القوانين ارتأى أنها تتضمن الجرائم الاقتصادية التي تحتاج إلى دراية فنية واسعة من القاضي وتركيز أدق في تلك النوعية، بما ينعكس على جودة قضائه فيها نص عليها في المادة 4 من القانون رقم 120 لسنة 2008 بإنشاء المحاكم الاقتصادية. والمحاكم الاقتصادية هي بهذه المثابة محاكم متخصصة تختلف جملة وتفصيلاً عن المحاكم الخاصة كالمحاكم العسكرية أو محاكم أمن الدولة، فالأولى تتميز بأنها تنهض على تخصص قضاتها من الناحية الفنية مع تطبيق كافة الضمانات المقررة قانوناً المتعلقة بالمتهمين وحقهم في الدفاع. أما الثانية فقد ترجع إلى الطبيعة الخاصة للجرائم التي تنظرها أو طبيعة مرتكبيها.

الاختصاص في حالتي التعدد المعنوي والارتباط:

قد ترتبط جريمة من الجرائم على نحو لا يقبل التجزئة بأخرى، وذلك لوحدة الغرض، أو الزمان أو المكان، أو الحق المعتدى عليه، أو الجاني أو المجني عليه، بحيث يشكلان مشروعاً إجرامياً واحداً. أو يوجد بينهما تعدد معنوي بحيث يكون للواقعة أكثر من وصف. وفي حالة اختصاص المحكمة الاقتصادية بالجريمتين، فلا تثور أدنى مشكلة لأنها تختص بنظر الجريمتين بطبيعة الحال. أما إذا كانت تختص بأحدهما ولا تختص بالأخرى، فإن الأمر لا يخرج عن فرضين الأول أن تكون الجريمة الأشد هي التي من اختصاص المحكمة الاقتصادية، وهنا أيضاً لا توجد مشكلة فتختص المحكمة الاقتصادية بنظرهما معاً، باعتبار أن الجريمة الأخف تندمج في الجريمة الأشد ويكونان في نظر القانون جريمة واحدة هي الأشد، وذلك تطبيقاً للمادة 32 من قانون العقوبات. أما إذا كانت المحكمة الاقتصادية لا تختص بالجريمة الأشد وإنما تختص بالأخف فقط فإن الفقه والقضاء قد اختلف في هذا الأمر. ونبين أهم الأراء التي تبناها الفقه في هذا الصدد.

الرأي الأول: تطبيق القواعد العامة في الارتباط:

يرتكز هذا الرأي إلى أنه في حالة ارتباط الجريمة الأخف التي تدخل في اختصاص المحاكم الاقتصادية بجريمة أشد تدخل في اختصاص المحاكم العادية يكون الاختصاص للمحاكم الأخيرة. وذلك عملاً بالمادة 32 من قانون العقوبات والمادة 159 من قانون الإجراءات الجنائية، فالجريمة الأخف تندمج في الجريمة الأشد بقوة الارتباط القانوني بين الجريمتين، فضلاً عن أن قانون المحاكم الاقتصادية لم ينص على انفراد المحاكم الاقتصادية وحدها بالنظر في الجرائم المرتبطة بالجرائم التي تختص بها. وتطبيقاً لذلك قضت محكمة النقض أن القواعد المتعلقة بالاختصاص في المسائل الجنائية كلها من النظام العام بالنظر إلى أن الشارع في تقديره لها قد أقام ذلك على اعتبارات عامة تتعلق بحسن سير العدالة. لما كان ذلك، وكانت مدونات الحكم المطعون فيه قد أفصحت عن أن الجرائم المسندة إلى الطاعن قد ارتبطت ببعضها ارتباطاً لا يقبل التجزئة مما يوجب معاقبته بعقوبة الجريمة الأشد إعمالاً لنص المادة 32 من قانون العقوبات. لما كان ذلك، وكانت جريمة عرض سلعة مجهولة المصدر للبيع والمؤثمة بقرار وزير التموين والتجارة الداخلية رقم 113 لسنة 1994 هي الجريمة الأشد في عقوبتها من الجريمتين المؤثمتين بمقتضى مواد القانونين رقمي 82 لسنة 2002 بشأن حماية الملكية الفكرية والقانون رقم 67 لسنة 2006 بشأن حماية المستهلك، ومن ثم تكون عقوبة هذه الجريمة هي الواجبة التطبيق، وكانت تلك الجريمة تختص بنظرها المحاكم العادية ومن ثم فإن الاختصاص بمحاكمة الطاعن ينعقد للقضاء الجنائي العادي وهو الأمر الذي يتفق مع قواعد التفسير الصحيح للقانون والتي تستوجب بحكم اللزوم العقلي أن تتبع الجريمة ذات العقوبة الأخف الجريمة ذات العقوبة الأشد المرتبطة بها في التحقيق والإحالة والمحاكمة وتدور في فلكها، بموجب الأثر القانوني للارتباط بحسبان أن عقوبة الجريمة الأشد هي الواجبة التطبيق على الجريمتين وفقاً للمادة 32 من قانون العقوبات، ويؤيد هذا أيضاً ما نصت عليه المادة 214 من قانون الإجراءات الجنائية في فقرتها الأخيرة – المقابلة للمادة 159 من قانون الإجراءات الجنائية الحالي – من أنه في أحوال الارتباط التي يجب فيها رفع الدعوى عن جميع الجرائم أمام محكمة واحدة إذا كانت بعض الجرائم من اختصاص المحاكم العادية وبعضها من اختصاص محاكم خاصة يكون رفع الدعوى بجميع الجرائم أمام المحاكم العادية ما لم ينص القانون على غير ذلك، وإذ كان قانون إنشاء المحاكم الاقتصادية الصادر بالقانون رقم 120 لسنة 2008 بإحالة بعض الجرائم إلى المحاكم الاقتصادية قد خلا، كما خلا أي تشريع آخر من النص على انفراد المحاكم الاقتصادية بالفصل وحدها دون غيرها في الجرائم المرتبطة بتلك التي تختص هي بنظرها، ومن ثم كان على محكمة ثاني درجة أن تقضي بتأييد الحكم المستأنف فيما قضى به من عدم اختصاص محكمة الجنح الاقتصادية نوعياً بنظر الدعوى، إعمالاً لصحيح القانون، أما وهي لم تفعل وقضت بإلغائه وإعادة الدعوى إلى محكمة أول درجة للفصل في الموضوع ثم نظرت من بعد موضوع الاستئناف فإنها تكون قد أخطأت في تطبيق القانون.

الرأي الثاني: الاختصاص الاستئثاري للمحاكم الاقتصادية:

اتجه هذا الرأي إلى اختصاص المحاكم الاقتصادية بهما بالجريمة الاقتصادية المرتبطة بغيرها سواء كانت هي أشد أم الأخف، بحسبان أن المُشرّع قد منح تلك الأخيرة اختصاصاً استئثارياً يجعلها تختص بنظر أي جريمة نصت عليها المادة الرابعة من قانون إنشاء المحاكم الاقتصادية ويحول دون أن تنظر أي محكمة أخرى هذه الجرائم ولو ارتبطت بأخرى أشد منها، بالإضافة إلى أن المحاكم الاقتصادية من المحاكم المتخصصة وينطبق عليها قاعدة الخاص يقيد العام. وتحقيقاً لغرض المشرع من إنشاء المحاكم الاقتصادية التي أراد المشرع أن تختص بصنف خاص من الجرائم يتصل بالاقتصاد، وأن القول بألا ينعقد الاختصاص للمحاكم الاقتصادية بالجرائم المرتبطة يترتب عليه أن ينحسر اختصاص المحاكم المذكورة عن الجرائم التي نص المشرع على أن تختص بنظرها المحاكم الاقتصادية دون غيرها بحسبان أنها في الكثير من الأحوال حال ارتباطها بجرائم أخرى تكون هي الجريمة الأخف مما يترتب عليه إذا طبقنا القواعد العامة أن لا تختص بالجرائم التي نصت عليها المادة 4 من قانون المحاكم الاقتصادية إذا ما ارتبطت بغيرها من الجرائم الأشد وهي نتيجة لم يردها المشرع ولا تتفق مع نص المادة 4 من القانون 120 لسنة 2008 سالفة البيان.

الرأي الثالث: اختصاص المحاكم العادية:

ارتكز هذا الرأي على نص الفقرة الأخيرة من المادة 159 من قانون الإجراءات الجنائية التي قد جرى نصها على أن: ” … وفى أحوال الارتباط التي يجب فيها رفع الدعوى عن جميع الجرائم أمام محكمة واحدة، إذا كانت بعض الجرائم من اختصاص محاكم عادية، وبعضها من اختصاص محاكم خاصة يكون رفع الدعوى بجميع الجرائم أمام المحاكم العادية، ما لم ينص القانون على غير ذلك “. وقد فسر البعض هذا النص بأنه إذا كانت بعض الجرائم من اختصاص المحاكم العادية وبعضها من اختصاص محاكم خاصة يكون رفع الدعوى بجميع الجرائم أمام المحاكم العادية ما لم يوجد نص صريح يخالف ذلك.

وهو ما قضت به محكمة النقض في بعض أحكامها الحديثة إذ قضت بأن النيابة العامة كانت قد أقامت الدعوى العمومية ضد المطعون ضده بوصف أنه قام بتهديد المجني عليها كتابةً- عن طريق موقع التواصل الاجتماعي – بإفشاء أمور تخدش الشرف عن كريمتها مصحوبة بطلب التنازل عن دعوي دون وجه حق والشروع في الحصول عليه بطريق التهديد، اعتدى على المبادئ والقيم الأسرية في المجتمع المصري، وانتهك حرمة الحياة الخاصة للمجنى عليها / … بأن أرسل لها بمحادثة خاصة باستخدام وسائل تقنية المعلومات صورا فوتوغرافية ومقاطع مرئية خاصة لكريمتها / … مخلة بالشرف عبر شبكة الإنترنت على تطبيق الواتس آب والتي تسئ لسمعتها وسمعة كريمتها وتخدش شرفهم، استعمل في غير علانية الصور والمقاطع المرئية الخاصة بالمجني عليها / … وكان ذلك بغير رضائها بأن أرسلها بمحادثة خاصة عبر تطبيق الواتس آب، وكان الحكم المطعون فيه قد أفصح عن أن هذه الجرائم مرتبطة ببعضها ارتباطاً لا يقبل التجزئة مما يوجب معاقبة المتهم بعقوبة الجريمة الأشد إعمالاً لنص المادة 32 من قانون العقوبات، وكانت الجريمة المنصوص عليها في المادة 309 مكرراً “أ” / 2 من القانون المار ذكره تعد هي الجريمة الأشد من الجرائم الأخرى المؤثمة بمقتضى مواد القانون رقم 10 لسنة 2003 بشأن تنظيم الاتصالات والقانون رقم 175 لسنة 2018 في شأن مكافحة تقنية المعلومات. لما كان ذلك، وكان قانون إنشاء المحاكم الاقتصادية رقم 120 لسنة 2008 وأي تشريع آخر قد خلا من النص على انفرادها بالفصل وحدها دون غيرها بالجرائم المرتبطة بتلك التي تختص بنظرها، فإن الحكم المطعون فيه إذ قضی بعدم الاختصاص نوعياً بنظر الدعوى يكون قد أخطأ في القانون بما يوجب نقضه، وكان هذا الخطأ قد حجب المحكمة عن نظر الموضوع، فإنه يتعين أن يكون مع النقض والإعادة إلى محكمة جنايات … المختصة بنظر الدعوى عملاً بنص المادة 44 من القانون رقم 57 لسنة 1959 بشأن حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض.

الرأي الرابع: اختصاص المحكمة الأعلى درجة:

يستند هذا الرأي إلى أن الفقرة الأولى من المادة 159 من قانون الإجراءات الجنائية قد قررت قاعدة عامة أصلية من قواعد تنظيم الاختصاص مؤداها أنه إذا اشتمل التحقيق أكثر من جريمة واحدة من اختصاص محاكم من درجات مختلفة تحال جميعاً إلى المحكمة الأعلى درجة تغليب لاختصاص الأخيرة على غيرها من المحاكم الأدنى منها درجة. وقد أخذت محكمة النقض بهذا الرأي في بعض أحكامها. وتطبيقاً ذلك تقرر محكمة النقض أنه ” لما كان ذلك، وكانت محاكم الجنح الاقتصادية وفقاً لتشكيلها الموضح بالقانون رقم 120 لسنة 2008 الصادر بإنشائها هي محاكم ابتدائية، ومن ثم فهي أعلى من محكمة جنح … الجزئية وكان الاتهام المسند إلى المتهم قد شمل الجريمتين الثانية والثالثة الخاضعتين لاختصاص المحكمة الاقتصادية والمنطبق عليها قانوني حقوق الملكية الفكرية وحماية المستهلك، ومن ثم فإنها تختص كذلك وفقاً للمادة 214 المار ذكرها بنظر الجريمة الأولى وذلك تغليب لاختصاصها على المحكمة الأدنى منها درجة، أياً كانت القوانين التي تحكمها وبصرف النظر عن وجود ارتباط بين الجرائم المسندة إلى المتهم أو عدم وجود هذا الارتباط ومن ثم فإن الاختصاص ينعقد لمحكمة الجنح الاقتصادية بالقاهرة ومن ثم يتعين قبول الطعن المقدم من النيابة العامة والحكم بتعيين المحكمة الاقتصادية بالقاهرة محكمة لنظر الدعوى.

اتجاه محكمة النقض:

تبنت محكمة النقض في أغلب أحكامها الرأي الثاني إذ قضت أن ” ولاية المحاكم العادية للحكم في الجرائم التي تقع هي ولاية عامة أصلية وكان ما يحد من سلطتها في هذا الشأن جاء على سبيل الاستثناء، والاستثناء يجب أن يبقى في حدوده الضيقة ولا يصح التوسع فيه أو القياس عليه، فمتي رفعت للمحاكم العادية قضية بوصف جنائي يدخل في اختصاصها العام وجب عليها النظر فيها وعدم التخلي عن ولايتها، وعلى ذلك فلا يجوز للمحاكم العادية أن تحكم بعدم اختصاصها إلا إذا كان الوصف الجنائي الذي رفع إليها يخرج عن ولايتها بموجب نص صريح خاص، لما كان ذلك، وكان البين من استقراء المادة الرابعة من قانون إنشاء المحاكم الاقتصادية سالفة البيان أن الشارع خص المحاكم الاقتصادية – دون غيرها – نوعيا ومكانيا بنظر الدعاوى الجنائية الناشئة عن جرائم أشار إليها في قوانين عددها، ومنها قانون حماية المستهلك، فإذا قدمت للمحاكم العادية جريمة بهذا الوصف فيجب عليها أن تحكم بعدم اختصاصها بنظرها ولا يغير من ذلك أن تكون تلك الجريمة ارتبطت بها جريمة ذات عقوبة أشد تدخل في اختصاصها وذلك عملاً بما ورد بنص المادة الرابعة من قانون إنشاء المحاكم الاقتصادية سالفة البيان. لما كان ذلك، وكان قضاء المحكمة الاقتصادية بعدم اختصاصها نوعيا بنظر الدعوى باعتبار الفعل محل الجريمة مؤثم بالقانون 453 لسنة 1945 المعدل والمرسوم بقانون 95 لسنة 1945 قد جانبه الصواب إذ أن الفعل الذي قارفه المتهم – عملا بوصف النيابة العامة – مؤثم بالمواد 1، 2، 3، 4 من قرار وزير التموين رقم 113 لسنة 1994 بشأن حظر تداول السلع مجهولة المصدر وكذا المواد 6/3، 13، 14، 16 من القانون 163 لسنة 1950 بشأن شئون التسعير الجبري فضلاً عن المواد رقم 2، 3/2، 24 من القانون رقم 67 لسنة 2006 بإصدار قانون حماية المستهلك ومن ثم يكون الحكم الصادر من محكمة القاهرة الاقتصادية الابتدائية بعدم اختصاصها نوعياً بنظر الدعوى وإحالتها إلى النيابة العامة لاتخاذ شئونها فيها يكون قد صدر على خلاف القانون “( ). كما قضت أن القانون رقم 120 لسنة 2008 بإنشاء المحاكم الاقتصادية نص في مادته الرابعة على أن تختص الدوائر الابتدائية والاستئنافية بالمحاكم الاقتصادية دون غيرها نوعياً ومكانياً بنظر الدعاوى الجنائية الناشئة عن الجرائم المنصوص عليها في القوانين الآتية.. قانون تنظيم الاتصالات.. فقد دل بصريح العبارة على اختصاص المحاكم الاقتصادية المنشأة طبقاً لأحكامه بنظر الجرائم الواردة بقانون تنظيم الاتصالات اختصاصاً استئثارياً انفراديا لا تشاركها فيه أية محكمة أخرى، لما كان ذلك، وكانت جنحة السب والقذف بطريق إرسال رسائل من خلال التليفون المحمول موضوع التهمة قد أصبح من اختصاص المحكمة الاقتصادية دون غيرها بموجب الفقرة الثانية من المادة 76 من القانون رقم 10 لسنة 2003 بشأن تنظيم الاتصالات، ومن ثم كان على محكمة ثاني درجة ألا تقضي بإدانة الطاعنة في الموضوع بل تقضي بإلغائه وبعدم اختصاص محكمة الجنح الجزئية العادية بنظر الدعوى إعمالاً لصحيح القانون أما وهي لم تفعل وقضت بالإدانة فإنها تكون قد أخطأت في تطبيق القانون( ).

بيد أن محكمة النقض وإن كانت قد قضت بهذا الرأي في معظم أحكامها إلا أنها قضت في بعض أحكامها الأخرى برأي مغاير على النحو الذي سبق بيانه عند التعرض للاتجاهات المختلفة بشأن اختصاص المحاكم الاقتصادية في حالتي الارتباط والتعدد المعنوي.

جميع الأحكام التي تم استعراضها سلفاً تتعلق بالجنح دون الجنايات، إلا أن محكمة النقض لم تستقر على رأي معين في الجنايات أيضاً.

رأينا في الموضوع:

يتبين من الأحكام سالفة البيان أن محكمة النقض لم تستقر على رأي قاطع في مسألة الارتباط، كما لم تنعقد الهيئة العامة لترجح فيما بين الآراء والاتجاهات القضائية السالف سردها. فثمة رأي يستند إلى الاختصاص الاستئثاري الذي تتمتع به المحاكم الاقتصادية والذي يحول دون أن تنظر أي محكمة عادية لجريمة اقتصادية ولو كانت الجريمة الأشد لا تختص بها أصلاً المحاكم الاقتصادية سواء في حالة التعدد الصوري (المعنوي) أو الارتباط الذي لا يقبل التجزئة. ويبدو أن محكمة النقض استقرت على هذا الرأي بالنسبة للجنح، في حين أنها اتجهت إلى رأي مغاير بخصوص الجنايات. وبالإضافة إلى ما تقدم، اتجه رأي آخر إلى الاستناد إلى القواعد العامة في الارتباط والمنصوص عليها في المادة 32 من قانون العقوبات، والتي مؤداها أن الجريمة الأخف تذوب في الجريمة الأشد وفي هذه الحالة لا يعتد المُشرّع إلا بالجريمة الأشد فهي التي تقوم دون غيرها في نظر القانون رغم تعدد الأوصاف التي يخضع لها الفعل. كما أن هذا القضاء بدوره عول على المادة 159 من قانون الإجراءات الجنائية والتي تمنح الاختصاص إلى المحكمة ذات الدرجة الأعلى. ولعل الصحيح أن المُشرّع عندما دار بخلده إنشاء المحاكم الاقتصادية أراد أن يكون هذا القضاء المتخصص حافزاً لتنمية الاقتصاد الوطني وتحسين الحالة الاقتصادية في مصر عن طريق تشجيع المستثمر الوطني والأجنبي بالاستثمار في مصر وبث الطمأنينة بوجود قضاء متخصص في المنازعات الاقتصادية الجنائية وغير الجنائية على دراية وخبرة بهذه المنازعات الشائكة وما تثيره من مسائل فنية معقدة، يحقق عدالة ناجزة. وإزاء ذلك أناط بالمحاكم الاقتصادية اختصاص استئثاري لا يشاركها فيه أي من المحاكم الأخرى، وقد جاء بالكتاب الدوري رقم 26 لسنة 2008 الصادر من النائب العام أنه ” تختص المحاكم الاقتصادية بنظر الجرائم سالفة البيان – هي الجرائم المنصوص عليها بالمادة الرابعة من قانون إنشاء المحاكم الاقتصادية – اختصاصاً استئثارياً انفراداً لا تشاركها فيه أية محكمة أخرى، ومن ثم لا يجوز إحالة هذه الجرائم إلى محاكم الجنايات أو محاكم الجنح العادية، أو محاكم أمن الدولة “.

وعلى الرغم من أن الكتاب الدوري المذكور لا يرقى إلى مرتبة التشريع، بيد أنه مما لا ريب فيه يعد تفسيراً له وإن كان بدوره غير ملزم، إلا أنه يبدو لنا في هذه الحالة أنه يتوافق مع ارادة المُشرّع، وبموجب ذلك تختص المحاكم الاقتصادية بالفصل في جرائم محددة، فإذا ما انتهينا إلى عدم اختصاصها بهذه الجرائم لخالف ذلك قصد المُشرّع. ولترتب على ذلك خروج بعض الجرائم من حوزة المحاكم الاقتصادية على الرغم من كونها منصوص عليها في المادة الرابعة من قانون المحاكم الاقتصادية. ومن ثم فإننا نرى ترجيح الرأي الثاني الذي يعول على الاختصاص الاستئثاري للمحاكم الاقتصادية، وذلك للاعتبارات القانونية والعملية السابق سردها وهذا الرأي هو الذي عولت عليه محكمة النقض أيضاً في جميع أحكامها عدا عدد محدود جداً في مواد الجنح، وتواترت بعده أحكامها على الأخذ بهذا الرأي.

أما في الجنايات فيبدو أن محكمة النقض لم تتواتر أحكامها بعد على اتجاه معين، والواقع أننا لا نرى مبرراً للتفرقة ما بين الجنايات والجنح في هذه المسألة. ومع ذلك فإنه لا يسعنا إلا القول بوجوب إجراء تعديل تشريعي – وذلك على غرار ما فعله المشرع الفرنسي – ينص على اختصاص المحاكم الاقتصادية بالجرائم سالفة البيان – حتى لو كانت الجريمة الأشد لا تختص بنظرها المحاكم الاقتصادية بحسب الأصل والجرائم المرتبطة بها على نحو لا يقبل التجزئة سـواء في الجنايات أو الجنـح. ونرى في ضوء ما تقدم، وجوب تعديل المادة الرابعة من قانون المحاكم الاقتصادية ليكون نصها على النحو التالي “مع عدم الإخلال بالاختصاصات المقررة للمحاكم الاقتصادية المنصوص عليها في أي قانون آخر، تختص المحاكم الاقتصادية بدوائرها الابتدائية والاستئنافية، ودوائر الجنايات الاقتصادية بدرجتيها، دون غيرها نوعياً ومكانياً بنظر الدعاوى الجنائية الناشئة عن الجرائم المنصوص عليها في القوانين الآتية وما يرتبط بها من جرائم”.

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى