أهم (100) قاعدة وضابط في “فن التفسير القانوني” [3]

بقلم/ الدكتور محمد عبد الكريم أحمد الحسيني – أستاذ القانون المساعد بكلية الشريعة القانون IUM والمحامي.

 

يقوم النص القانوني –بل أيُّ نص آخر- على قِوامَيْن رَئيسين:

أوَّلُهما: “القِوامُ البِنائي” وهو ما يضمُّ رموزَه اللُّغويَّة بدءًا من المفرداتِ والتراكيبِ والجملِ والعبارات والسياقاتِ.. ثم عمومُ النَّص القانوني الشَّكْلي.

ثانيهما: “القِوامُ الدِّلالي” وهو ما يعبِّرُ عنه هذا الشَّكل القانونيُّ البنائي بأنماطه وقوالبه وصيغه ومُخرجاته.

ولا سبيلَ إلى الرَّبط بين هذين القِوامَيْن إلا بإطارٍ تنظيمي مُحكم يربطُ بينهما ويُبني ناتج ثانيهما على أوَّلهما، وها نحنُ أولاء لا زلنا نسيحُ في رِحاب فنِّ التفسير القانوني من خلال هذا الإطار ومشمولاته من مبادئ نظامية وقواعد عمومية تمثِّلُ عمادَ هذا الفهم وركائز ذلك التفسير.

 

ولنكمل مباشرة ما ابتدرناه من محاولة لاستخلاص (100) قاعدة وضابط في فن التفسير القانوني من خلال هاتين القاعدتين:

القاعدة الخامسة

[تعدُّ لغةُ النص القانوني –محلَّ التفسير- المدخلَ الوجوبيَّ الأوَّلَ للوقوفِ على فَهْمِه وتفْسيرهِ واستنْباطِ أَحْكامِه].

 

ويرتبط بهذه القاعدة ما يلي من الضوابط:

  • الضابطُ الأول: يتقدَّمُ المَدخلُ اللغويُّ صحبةَ المدخل القانوني في فهم النصوص وتفسيرها على كافة المداخل الأساسية “الأصولية”، و”المنطقية”،  و”الاجتماعية”.
  • الضابطُ الثاني: المَدْخلُ اللغوي للنص القانوني إنما هو بوابة فهمه ومفتاح تفسيره المُجمعُ عليه بين المُشرَّعين والقضاةِ وفقهاءِ القانون.
  • الضابطُ الثالث: لِسانُ النص القانوني هو المهيمنُ الأوَّلُ على فهمه ووعيه واستيعابه مع المداخل الأخرى “القانونية والأصولية والمنطقية”.
  • الضابطُ الرابع: لا سبيلَ لتفسير أي نص قانوني واستخراج دلالاته واستنباط أحكامه إلا من خلال قواعد لغة النص وسننها ومتعلقاتها.
  • الضابطُ الخامس: ينْعقدُ الفهمُ الصحيحُ لأيِّ نص القانوني بحضور أدواته التحليلية ووُفور وسائله اللُّغويَّة.

 

إرشادات القاعدة وضوابطها :

  • الإرشاد الأول: جهِّز حقيبتك اللُّغويَّة أوَّلا في كلِّ عملية فهم للنصوص والأوراق القانونية .
  • الإرشاد الثاني: تتكامل الحقيبةُ اللُّغويَّة مع الحقيبة القانونية في عمليات فهم مدلولات الألفاظ اللُّغويَّة ومفهوماتها القانونية في تراكيب وتكامل معا.
  • الإرشاد الثالث: عند تفسير النصوص التشريعية ينبغي اصطحاب المداخل الأصولية حيث القواعد الأصولية اللُّغويَّة والمداخل المنطقية.
  • الإرشاد الرابع: ابْدأ أولا بإعمال أدواتك اللُّغويَّة في فهم دلالة الألفاظ الوضعية ثم ضمِّها للدلالة الاصطلاحية القانونية، ثم تغليقها بدلالتها السياقية كما وردت في النص.
  • الإرشاد الخامس: التفسير القانوني هو ناتج الفهم الصحيح للنصِّ وهو مجموع معانيه اللُّغويَّة ودلالاته القانونية وسياقاته الوظيفية.

 

وسنأتي لاحقا على شرح هذه القاعدة والتمثيل القانوني لها.

 

القاعدة السادسة

[يتوجب مراعاة “التنظيمات اللُّغويَّة القانونية العامة” وتفعيل مبادئها واتباع قواعدها في كافة مراحل فهم النصوص القانونية وتفسيرها].

 

وتدل هذه القاعدة على ما يلي من الضوابط

الضابطُ الأول: “التنظيمات اللُّغويَّة القانونية” إنما هي مجموعةٌ من المبادئ العامة والقواعد المُرشدة في عمليات فهم النصوص القانونية وتفسيرها.

  • الضابطُ الثاني: “التنظيماتُ اللُّغويَّة القانونية” محل إجماع لغوي قانوني منطقي أصولي لا تنازع فيها ولا اختلاف حولها، ومن هنا جاء وصفها بــ”العامة” أو بـــ”العمومية”.
  • الضابطُ الثالث: تنبثقُ قواعدُ فهمِ النصوص القانونية وضوابطها من جملة مبادئ “التنظيمات اللُّغويَّة القانونية” العامة.
  • الضابطُ الرابع: كلُّ فهم أو تفسير للنصوص القانونية لا مرجعية له من “التنظيمات اللُّغويَّة القانونية” العامة يعدُّ غيرَ مقبول إلا بمسوغات مكافئة وافية.
  • الضابطُ الخامس: كلُّ فهم أو تفسير للنصوص القانونية يناقضُ مبادئَ “التنظيمات اللُّغويَّة القانونية” يعدُّ ساقطا هو والعدم سواء.
[ راجع للتفصيل دراستنا : النظرية العامة للغة القانونية ، أصولها وأحكامها وواقعها المعاصر، د. محمد عبد الكريم الحسيني ، كلية الشريعة والقانون ium 2021 ]

 

من تطبيقات محكمة النقض على القواعد السابقة :

التطبيق الأول:  مدلولات لفظة “الضرب”

يمكن وضع عناوين عامة لهذا الضابطُ اللغوي القانوني فيما يلي :

1-مساق العبارة في موضع التأويل

2-السياق وأثره في المعنى اللفظي

3-ضوابط معنى الألفاظ القانونية.

4-معيار معنى اللفظ هو السياق

 

الشرح :

لفظة “الضرب” ومدلولاتها بين الضرب المادي وبين الضرب بحسب السياق ودلالته على القتل، “العبرة في تحرى حقيقة معنى اللفظ في اللغة هي بالسياق الذى ورد فيه” هذا من المبادئ التي أقرتها محكمة النقض ، وقد جاء قضاؤها مرسيا لهذا المبدأ اللغوي الأصولي ونصه :”قد تدل لفظة الضرب على القتل . كما تدل لفظة القتل على مجرد الضرب فحسب… حسب وضع الكلمة في مساق العبارة التي تكون موضع التأويل” راجع [الطعن رقم ٣٠٢٢٩ لسنة ٨٦ قضائية الصادر بجلسة ٢٠١٧/١٠/٢١ ]

 

التطبيق الثاني:الاعتداد بصحيح قواعد اللغة العربية  تطبيقا على معنى كلمة “ضِعف”

جاء في قضاء النقض لما كانت العقوبة المقررة لجريمة القذف طبقا للمادة (۳۰۳) من قانون العقوبات المعدلة بالقانون (١٤۷) لسنة ۲۰۰٦م ، والتي عومل الطاعن بها – بحسبان أنها عقوبة الجريمة الأشد – هي الغرامة التي لا تقل عن خمسة آلاف جنيه ولا تزيد على خمسة عشر ألف جنيه ، وأوجبت المادة ٣٠٧ من قانون العقوبات في حالة ارتكاب الجريمة سالفة الذكر بطريق النشر في إحدى الجرائد أو المطبوعات رفع الحدين الأدنى والأقصى لعقوبة الجريمة إلى ضعفيهما”.

وحاصل المبدأ هو ما قررته المحكمة بقولها “وكان من المقرر أن “ضعفا” الشيء في صحيح قواعد اللغة هو “مثلاه” ، مما لازمه ألا تزيد عقوبة الغرامة على خمسة وأربعون ألف جنيه. وإذ كان ذلك ، وكانت العبرة في تقدير العقوبة بما يرد به النص عليها في القانون لا بما ينطق به القاضي في الحكم ، الأمر الذي مفاده أن جريمة الطاعن تجاوز العشرين ألف جنيه ويكون الطعن المقام منه جائزاً”.

[الطعن رقم ١٨٥٤٨ لسنة ٨٣ قضائية الصادر بجلسة ٢٠٢٠/٠١/١٩]

التطبيق الثالث: القياس اللغوي في النصوص القانونية – مفهوم الموافقة أو المفهوم من باب أولى .

حاء في حكم محكمة النقض :”إذ كانت عبارة النص – وعلى ما جرى به قضاء محكمة النقض – تدل على حكم في واقعة اقتضته ووجدت واقعة أخرى مساوية لها في علة الحكم أو أولى منها ، بحيث يمكن فهم هذه المساواة أو الأولوية بمجرد فهم اللغة من غير حاجة إلى اجتهاد أو رأى، فإنه يفهم من ذلك أن النص يتناول الواقعتين، وأن حكمه يثبت لهما لتوافقهما في العلة ، سواء كانت مساويًا أو أولى ، ويسمى مفهوم الموافقة أو المفهوم من باب أولى . [الطعن رقم ٥٠٩٦ لسنة ٧٧ قضائية الصادر بجلسة ٢٠١٨/٠٦/١٠  ].

وهكذا فإن  الأصل أن “دلالة عبارة” إنما هي مصطلح لغوي أصولي  تدل على حكم وهناك واقعة مساوية لها في علة الحكم أو أولى  يثبت لهما الحكم معا ويسمى “مفهوم الموافقة” أو ” المفهوم من باب أولى” وهو من قواعد اللغة العربية الأصولية وهو ما تجري عليه الضوابط والإرشادات السابقة على تفصيل سوف نأتي عليه لاحقا.

 

تذكير بالقواعد السابقة في المقالات السالفة:

القاعدة الأولى:

تتعدد النصوص التشريعية وتتنوع الأوراق القانونية ذات الحاجة إلى الفهم العميق والتفسير القانوني الدقيق.

 

 

القاعدة الثانية:

اتصال المفسر بالنص القانوني المراد تفسيره اتصالا صحيحا يؤدي إلى نتائج دلالية قانونية صحيحة.

 

القاعدة الثالثة:

اقرأ النص القانوني المراد تفسيره قراءة جيدة ومتعددة، فعلى قدر قراءتك وتمعنك تبسط نفوذك وتمكنك إلى جوهر النص.

 

القاعدة الرابعة :

يتكون النص القانوني –مثل أي نص آخر – من مفردات ومركبات وجمل وفقرات وعبارات، ومدلوله هو جملة مدلولاتها بروابطها وتفاعلها ومقتضياتها اللازمة.

 

أشرف زهران

صحفي مصري، حاصل على بكالريوس إعلام، ومحرر بالمركز الإعلامي لنقابة المحامين، ومكتب النقيب،

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى