هل أصبح القاتل أفضل حظا من الشروع في القتل؟

مقال بقلم د. أشرف نجيب الدريني

هذا السؤال انتشر في الآونة الأخيرة على وسائل التواصل الاجتماعي، وتناولته بعض الحسابات القانونية باعتباره مفارقة تشريعية مؤداها أن القتل العمد يجوز فيه الصلح، فيترتب عليه تخفيف العقوبة وفقا للمادة 17 من قانون العقوبات ، بينما لا يمتد هذا الأثر إلى الشروع في القتل؛ فيغدو (في بعض الفروض) من أزهق الروح أيسر مركزا من ذلك الذي اتجهت إرادته إلى إزهاقها ثم خاب أثر جريمته وبقي المجني عليه حيا.

وقبل أن نحكم على هذه المفارقة، ينبغي أن نضع النص أمام أعيننا؛ إذ قررت المادة 22 من قانون الإجراءات الجنائية رقم 174 لسنة 2025 أنه يجوز لورثة المجني عليه أو وكيلهم الخاص إثبات الصلح في الجرائم التي حددتها، ومن بينها الجرائم المنصوص عليها في المواد 230 و233 و234/1،2 و235 و236/1 من قانون العقوبات، ورتبت على الصلح تخفيف العقوبة وفقا للمادة 17 من قانون العقوبات . والتأمل في النص يكشف عن أمر لا ينبغي تجاوزه: المشرع لم يقل ((المجني عليه)) وإنما قال ((ورثة المجني عليه)) وهذه العبارة في تقديري ليست مجرد تحديد لصاحب الصفة ، وإنما تكشف عن مناط الحكم ذاته؛ فصفة (الوارث) لا تقوم إلا بقيام سببها، وهو (وفاة) المورث. ومن ثم فالمشرع في هذا التنظيم لا يتحدث عن كل جريمة استهدفت حياة الإنسان ولا عن كل اعتداء بلغ من الجسامة حد (الشروع في إزهاق الروح) وإنما يتحدث عن جرائم تحققت فيها النتيجة التي جعلها مناطا لهذا الأثر الإجرائي، وهي (وفاة) المجني عليه . ولهذا لم يكن إدراج الضرب أو الجرح المفضي إلى الموت في عداد الجرائم التي يجوز فيها الصلح أمرا مستغربا؛ إذ اختلف التكييف والقصد الجنائي، ولكن اتحدت النتيجة التي علق عليها المشرع حكمه: المجني عليه قد (مات) فلم يعد قائما بشخصه حتى يباشر إرادته، فحدد القانون من تثبت لهم الصفة في إثبات الصلح.

أما الشروع في القتل، فهنا تتغير الصورة تماما. قد يكون قصد الجاني قد اتجه صراحة إلى (إزهاق الروح) وقد يكون قد بدأ في تنفيذ الجريمة تنفيذا لا لبس فيه، ومع ذلك تخلفت النتيجة؛ فالمجني عليه لم يمت. ولذلك لا يوجد في هذه الحالة ((ورثة المجني عليه)) بالمعنى الذي افترضه النص، وإنما يوجد مجني عليه حي. ومن هنا يمكن تفسير خروج الشروع من نطاق المادة 22 دون أن نسارع إلى وصف النص بالعوار؛ فالمشرع ربط هذا التنظيم بالوفاة ، والوفاة هي التي أوجدت المركز القانوني الذي خاطبه النص. لكن أزيدك من الشعر بيتا: إذا جعلنا المقارنة العقابية وحدها معيارا للحكم على النص، فإن المفارقة لا تقف عند الشروع في القتل. ماذا عن العاهة المستديمة؟! جريمة قد تترك إنسانا حيا، ولكنها تسلبه جزءا من قدرته أو وظيفته أو سلامة جسده، وتضع أثر الجريمة في كيانه إلى آخر حياته، ومع ذلك لا يجد الجاني في المادة 22 سبيلا إلى صلح يترتب عليه الأثر ذاته الذي رتبه القانون لصلح ورثة المجني عليه في جريمة انتهت إلى الموت!! وهنا يصبح السؤال : إذا كان المشرع قد اعتد بإرادة الورثة بعد وفاة المجني عليه، فلماذا لم يعتد بإرادة المجني عليه نفسه وهو على قيد الحياة؟! في (الشروع في القتل) المجني عليه هو الذي استهدف الجاني حياته، وهو صاحب المصلحة الشخصية المباشرة في الواقعة.وفي (العاهة المستديمة) هو الذي يتحمل الإصابة ونتائجها وآثارها المستديمة.

ومن ثم، فإذا كان الصلح قد اتخذ في المادة 22 صورة من صور الاعتداد بالإرادة الشخصية وترتب عليه أثر في العقوبة الجنائية، فإن قصر هذا الأثر على الورثة، مع استبعاد المجني عليه الحي يثير (في تقديري) مسألة جديرة بالنظر من زاوية السياسة الجنائية، لا من زاوية تفسير النص فحسب. وهنا تحديدا ينبغي أن نفرق بين أمرين: أن نفهم ما أراده المشرع، وأن نوافق على ما أراده المشرع. وقد سبق أن تناولت المادة 22 بالنقد في مقال مطول نشرته تحت عنوان «الصلح في جرائم الدم» وكنت قد سجلت فيه تحفظي على أصل الاتجاه إلى ترتيب أثر في العقوبة الجنائية على الصلح في جرائم القتل العمد سواء وقع القتل في صورته المجردة أو اقترن بظرف من ظروف التشديد ؛ لأنني لا أرى أن إزهاق روح الإنسان ينبغي أن ينحصر أثره الجنائي في نطاق الخصومة بين الجاني وورثة المجني عليه أو أن يتحول الحق العام في العقاب إلى أثر تابع لإرادة أطراف الخصومة الخاصة. فالصلح قد تكون له آثاره في نطاق الحقوق الشخصية، وقد تكون له اعتبارات إنسانية واجتماعية معتبرة، لكن العقوبة الجنائية شيء آخر؛ فهي ليست حقا موروثا ينتقل إلى الورثة ، وإنما هي جزاء جنائي تتولاه الدولة حماية للمصلحة التي أسبغ عليها القانون حمايته، وفي مقدمتها الحق في الحياة. ومن هنا فإن ملاحظتي على المادة 22 لا تقف عند عدم إدخال الشروع أو العاهة المستديمة في نطاقها. بل إنني أرى أن المشرع ــ إذا كان قد اتجه فعلا إلى الأخذ بالصلح باعتباره سياسة جنائية لها أثر في العقوبة ــ كان ينبغي أن يعيد النظر في مركز المجني عليه الحي.

فليس من السهل أن يقال إن إرادة الوارث، بعد أن غاب المجني عليه بالموت، جديرة بالاعتداد إلى الحد الذي يؤثر في العقوبة، ثم لا يكون لإرادة المجني عليه نفسه، وهو حي، موقع مماثل في الشروع في القتل أو في الاعتداء الذي خلف عاهة مستديمة. إلا إذا كان المشرع قد قصد شيئا آخر ، وهو أن يجعل الصلح نظاما استثنائيا خاصا بجرائم الوفاة (دون غيرها) وأن تكون علة الأخذ به متصلة تحديدا (بوفاة المجني عليه) وما ترتب عليها من قيام مركز قانوني للورثة. فإذا كان هذا هو مقصده، أمكن تفسير النص على هذا الأساس، وإن بقي الاختيار نفسه قابلا للنقد من حيث ملاءمته للسياسة الجنائية.أما إذا كانت فلسفة الصلح أوسع، وكان مناطه الاعتداد بإرادة صاحب المصلحة الشخصية في إنهاء النزاع وترتيب أثر قانوني على العقوبة، فإن استبعاد المجني عليه الحي يصبح أمرا يحتاج إلى مراجعة تشريعية جادة .ولهذا لا أرى أن الإشكال الحقيقي في المادة 22 هو أن ((حظ القاتل أفضل من حظ الشارع في القتل)) فهذه عبارة تصف نتيجة محتملة، لكنها لا تكشف عن علة النص. الإشكال الحقيقي: لماذا اختار المشرع إرادة الورثة بعد وفاة المجني عليه، ولم يختر إرادة المجني عليه نفسه وهو حي؟!

فإن كانت الوفاة هي مناط الصلح، فالنص مفهوم في ضوء فلسفته. وإن كانت إرادة صاحب الحق الشخصي هي مناطه، فهنا يكون المشرع قد ترك مركزا قانونيا أقرب إلى الواقعة ــ وهو مركز المجني عليه الحي ــ خارج دائرة الاعتداد مع أنه اعتد بإرادة من حلوا محله بعد وفاته. وهنا تحديدا أرى أن المراجعة التشريعية ينبغي أن تتجه : لا إلى إضافة الشروع إلى المادة 22 لمجرد تحقيق مساواة حسابية بين العقوبات، وإنما إلى إعادة النظر في فلسفة الصلح ذاتها ونطاقها وأصحاب الصفة فيها وحدود أثرها على العقوبة، والتوازن الذي ينبغي أن يقيمه المشرع بين الحق الشخصي والحق العام. والله من وراء القصد.

زر الذهاب إلى الأعلى