آداب القرآن وأحكام القانون: الهمز واللمز في الميزان القانوني دراسة في وسائل التعبير عن الإرادة

بقلم: د. مدحت طلعت

أثارت مسألة “الهمز واللمز” انتباهي، فأردت التعرف عليها ومكانتها بين طرق التعبير عن الإرادة. ولا شك أن تناول مثل هذه المسائل ليس ترفاً فكرياً، بقدر ما هو بيان لدلالة الشيء والتعرف على مكانته بين وسائل التعبير عن الإرادة.

ولا شك أن أول ما يتبادر إلى الذهن عند ذكر “الهمز واللمز” هو قوله تعالى: *(وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ) صدق الله العظيم، [سورة الهمزة: الآية 1].
فالهمز لغةً هو الطعن في أعراض الناس واغتيابهم، واللمز هو عيب الناس والإشارة إليهم بالحاجب والعين. وقد أوردهما القرآن الكريم في معرض الذم، باعتبارهما وسيلتين يستخدمهما الإنسان ليعيب على الناس ويغتابهم.

أما موقف القانون المدني المصري، فلم يتناول الهمز واللمز صراحة ضمن وسائل التعبير عن الإرادة. وإنما تناول المشرع وسائل التعبير بصورة مجملة في الفقرة الأولى من المادة 90 مدني، إذ نصت على أن: “التعبير عن الإرادة يكون باللفظ والكتابة والإشارة المتداولة عرفاً، كما يكون باتخاذ موقف لا تدع ظروف الحال شكاً في دلالته على المقصود”.

والأمر هنا يتطلب البحث في موقف كل من الهمز واللمز من اعتبارهما وسيلتين من وسائل التعبير عن الإرادة.

ولما كان الأمر كذلك، فإن التعبير عن الإرادة كي يكون صالحاً لإحداث أثر قانوني، لابد أن يُعلن عنها بمظهر خاص، وبإحدى وسائل التعبير التي قررتها المادة سالفة الذكر: القول، الكتابة، الإشارة المتداولة عرفاً، أو الفعل الدال عليها. ويشترط أن يكون هذا التعبير حراً وجاداً وواضحاً ومفهوماً، بحيث لا تدع ظروف الحال شكاً في دلالته على المقصود.

ولما كان القرآن الكريم قد بين أن الهمز واللمز من صفات الذم في الإنسان، فهما أقرب إلى النفور والبعد عن الاتفاق على الشيء، أكثر من كونهما وسيلتين للتعبير عن الإرادة. وإزاء ذلك لا يُفهم من صاحب الهمز أو اللمز انصراف إرادته إلى إحداث أثر قانوني، فلا يُؤخذ بما يقصده ولا يُقام له وزن في التعامل القانوني.

وعليه، يبقى الهمز واللمز صفتين لصيقتين بصاحبهما، حتى وإن اختلطتا ببعض وسائل التعبير. وحتى إذا اعتبرناهما وسيلتي تعبير، فهما وسيلتان تمجّهما الآداب العامة، وبالتالي ينهى عنهما القانون ولا يعتد بهما كتعبير منشئ للالتزام.

زر الذهاب إلى الأعلى