
جرائم الأسانسير
مقال بقلم د. أشرف نجيب الدريني
تخيل عزيزي القارئ أنك تدخل برجا سكنيا كأي يوم عادي لا شيء في ذهنك سوى أنك ستصعد إلى شقتك تغلق الباب وتستريح من ضجيج اليوم تقف أمام المصعد تضغط الزر يفتح الباب فورًا فتدخل دون تفكير لكن في لحظة واحدة يتغير كل شيء: رجل وامرأة في وضع مخل وعيون تبحث عن مخرج لا تجده تتجمد لثوان لا لأنك طرف بل لأنك شاهد مفاجئ على فعل لم تختر أن تراه تغلق الباب وتنسحب لكنك لا تخرج من السؤال بل تدخل فيه. في تلك اللحظة تحديدا لا يعود المشهد مجرد إحراج عابر ينسى مع نهاية اليوم يتحول فجأة إلى سؤال أوسع وأكثر قسوة سؤال يطرق العقل والوجدان معا: ماذا يمكن أن يحدث داخل مساحة صغيرة كهذه حين يغيب الوعي والرقابة في آن واحد؟! هل نحن أمام مواقف فردية معزولة يمكن تجاوزها بالصمت؟ أم أمام بيئة تنتج بطبيعتها وبتركيبتها المادية ذاتها طيفا كاملا من الجرائم من أبسط صور السلوك غير اللائق إلى أخطر صور الاعتداء الجنائي الذي يهز الضمير قبل أن يهز المحاكم؟
المصعد رغم بساطته الظاهرة ورتابة حركته اليومية يجمع في مساحة لا تتجاوز بضعة أمتار عناصر نادرًا ما تجتمع في مكان واحد بهذه الدرجة من الكثافة: انغلاق تام زمن قصير لا يتيح رد الفعل غرباء في مواجهة بعضهم دون أي تاريخ أو علاقة تضبط السلوك حركة مقيدة لا تسمح بالمناورة ومخارج معدومة تماما لحظة الوقوع، وتكشف دراسات الجريمة البيئية العلاقة بين (الفضاء المادي والسلوك الإجرامي) أن هذه العناصر مجتمعة ترفع احتمالية الجريمة بصرف النظر عن شخصية الفاعل أو دوافعه المسبقة، البيئة لا تخلق المجرم لكنها تمنح الفعل المحظور فرصته وأحيانا تمنحه جرأته.
غير أن ما تغفله أغلب القراءات في هذا الموضوع وهو ما يستوقفني كثيرا ليس سيكولوجية الجاني وحدها بل سيكولوجية (الضحية) داخل تلك المساحة المغلقة، ثمة قاعدة اجتماعية صارمة غير مكتوبة يعرفها كل من ركب مصعدا مع غريب: الصمت واجب والنظر إلى الأمام فريضة والحديث تدخل في حرمة الخصوصية، هذا الصمت الاجتماعي المفروض يتحول داخل معادلة الجريمة إلى سلاح في يد الجاني لا يعلمه، فحين تتعرض الضحية لسلوك مقلق يجمد الارتباك الاجتماعي رد فعلها قبل أن يجمده الخوف. تتساءل في أجزاء من الثانية: هل أنا أبالغ؟ هل سيظنني مجنونة لو صرخت؟ هل سيُفسر الآخرون رد فعلي بشكل سلبي؟ هذا التردد بالذات وليس الجبن فلا جبن في أن توضع في موقف لم تختره، والأمر الأكثر قسوة أن الجاني الماهر يعرف هذا جيدا ويعتمد عليه بوعي أو بغريزة إجرامية متشكلة عبر تجارب سابقة.
ومن هنا تبدأ الدائرة الجنائية وهي دائرة أشد تعقيدا مما تبدو عليه حين تختزل في قوائم من الجرائم المتصاعدة. في أدناها نجد الأفعال الخادشة للحياء: نظرات مقصودة تمزق راحة البال اقتراب غير مبرر يستغل ضيق المكان ذريعة تحرش لفظي يخترق الصمت المفروض أو احتكاك جسدي عابر قد يبدو هينا في الوصف لكنه ثقيل في الأثر النفسي على من عايشه. هذه الأفعال لا تحتاج إلى تخطيط مسبق ولا إلى نية جنائية معقدة بل تحتاج فقط إلى لحظة واحدة تغيب فيها الرقابة الداخلية والخارجية معا في مساحة لا تتيح للضحية الهروب السريع ولا الاستغاثة المجدية. وهنا لا بد من توقف ضروري: ثمة فارق جوهري يجب ألا يطمس في الخطاب القانوني بين الجريمة الجنائية التي فيها ضحية واضحة وفعل اعتداء صريح وبين السلوك المحرج أو المخالفة الأخلاقية والإدارية. القانون في أغلب الأنظمة المقارنة لا يتدخل بأدواته الجنائية الكاملة في كل سلوك يسبب الانزعاج داخل مكان مغلق إلا حين تتوفر عناصر الجريمة من قصد جنائي وأثر قانوني معتد به وشاك حقيقي. الدمج المتسرع بين درجات السلوك المختلفة في سلة قانونية واحدة يربك التكييف ويضعف الحجة لا يقويها. المصعد بيئة حساسة جنائيا لكن الحساسية الجنائية لا تعني أن كل موقف محرج فيه جريمة بالمعنى الاصطلاحي الدقيق وتمييز الفارق هنا هو ما يفصل بين الخطاب القانوني والخطاب العاطفي.
ثم تتصاعد الدائرة وحين تتصاعد فإنها لا تتصاعد بخطوات صغيرة محسوبة بل تقفز أحيانا قفزات مدمرة. حين يتحول الفعل إلى تحرش مباشر أو اعتداء على العرض يدخل عنصر جديد إلى المعادلة القانونية بأكملها: الإكراه المكاني ضيق المصعد لا يعود مجرد تفصيل هندسي في تقرير المعاينة بل يتحول إلى عامل جوهري في التقدير القضائي للواقعة. فحين لا تملك الضحية مساحة حركة ولا خيار انسحاب فعلي ولا فرصة استغاثة مسموعة خارج جدران الصندوق المغلق تتحول البيئة نفسها إلى جزء من آلية الإكراه المكان لم يعد مجرد مسرح للجريمة أصبح شريكا فيها. وهذا التوصيف له أثر قانوني مباشر إذ يمكن أن يشدد العقوبة حين يثبت استغلال الجاني لطبيعة المكان وضيقه استغلالا مقصودا.
ولا يتوقف الأمر عند الجرائم ذات الطابع الجنسي المصعد يمكن أن يكون مسرحا لجرائم الاعتداء الجسدي والضرب والسطو وفي حالات وثقت في أكثر من سياق وصل الأمر إلى القتل. الجاني هنا لا يختار المصعد عشوائيا بل لأنه يعرف أن الزمن القصير والانعزال اللحظي يمنحانه هامشا من الإفلات لا تمنحه أي بيئة أخرى بهذا الشكل المكثف. وثمة بُعد آخر يغفل كثيرا: حين يتعطل المصعد أو يتم إيقافه عمدا ينتقل الإطار القانوني إلى جرائم احتجاز أو حبس غير مشروع وقد تمتد المسؤولية إلى إدارة العقار إذا ثبت الإهمال في الصيانة. وهنا يبرز سؤال دقيق: هل التزام الإدارة ببذل عناية أم تحقيق نتيجة؟ وهي إجابة تختلف لكنها لا تعفي من المسؤولية.
وثمة وجه آخر للمسألة لا يقل دقة: جرائم السب والقذف والتهديد داخل المصعد تطرح سؤال العلانية المكان مغلق لحظيا لكنه مشترك بطبيعته وقابل لدخول الغير دون إنذار وغير خاضع لسيطرة فردية مطلقة، لذلك يعتبر في كثير من الفقه في منطقة شبه علنية حيث تختلف التكييفات بحسب كل واقعة.
كل هذا يقودنا إلى السؤال الأهم: كيف يمكن منع هذا أصلا؟ هنا تبرز فكرة إلزام تركيب كاميرات داخل كبائن المصاعد. الفكرة ليست بسيطة ولا يمكن طرحها كحل ساذج لأنها تصطدم مباشرة بمفهوم الخصوصية. لكن الخصوصية لا تفهم هنا على إطلاقها لأن المصعد ليس غرفة نوم ولا فضاء خاصا بل مساحة عبور مشتركة لا يملك أحد فيها سيطرة دائمة. لذلك اتجهت أنظمة عديدة إلى قبول المراقبة بضوابط صارمة تشمل الإبلاغ بوجودها وتنظيم حفظ التسجيلات ومنع إساءة استخدامها. غير أن النقطة الأخطر ليست وجود الكاميرا بل ما بعدها: من يملك التسجيل؟ وكيف يستخدم؟ وهل يمكن أن يتحول من أداة حماية إلى وسيلة ابتزاز؟ هنا تظهر أهمية الإطار التشريعي لا مجرد الأداة التقنية، فبدون قانون صارم تتحول أدوات الحماية إلى أدوات انتهاك.
ومع ذلك تبقى القيمة الأساسية للكاميرا أنها لا تنتظر وقوع الجريمة فقط بل تعيد تشكيل سلوك الإنسان قبل وقوعها. كثير من الجرائم الانتهازية لا تُمنع بالعقاب بل تُمنع بإحساس أن الفعل مرصود. وهذا ما يجعلها أداة ردع قبل أن تكون أداة إثبات. وحين نعود إلى الصورة الأولى ندرك أن ما بدأ بلحظة حرج داخل مصعد لم يكن حادثة عابرة بل نافذة على سؤال أعمق: كيف تتصرف المجتمعات في المساحات المشتركة حين تتقاطع السرعة والاختصار والاختلاط والغياب اللحظي للرقابة؟ المصعد ليس مجرد وسيلة انتقال بين الطوابق بل مساحة اختبار صامتة لحدود السلوك الإنساني حين تضيق الرقابة ويضيق المكان. وفي هذا الاختبار تتكشف الحقيقة الأهم: أن الوقاية ليست رفاهية قانونية بل ضرورة وجودية لأن العدالة التي تأتي بعد الجريمة تظل دائما أقل قدرة من الوقاية التي تمنعها من الأساس. والله من وراء القصد.