المركز القانوني للمسيحيين
المستبعدين من نطاق مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين
اعداد: الدكتور نادر الصيرفي المحامي – دكتوراه في القانون الخاص
نصت المادة الثالثة من الدستور على أن: «مبادئ شرائع المصريين من المسيحيين واليهود المصدر الرئيسي للتشريعات المنظمة لأحوالهم الشخصية، وشئونهم الدينية، واختيار قياداتهم الروحية». ومن ثم يخاطب النص الدستوري المصريين المسيحيين بديانتهم، بينما اتخذ المشروع موقفًا مختلفًا؛ فلم يُخضع جميع المسيحيين لأحكامه، وإنما حدد طوائف بعينها، ثم عاد ورتب على الانضمام إلى طائفة مسيحية مستبعدة آثارًا تصل إلى إنهاء الخطبة والتطليق والمنع من الزواج. وهنا تثور المشكلة: ما المركز القانوني لهؤلاء المسيحيين؟ وما القانون الواجب التطبيق عليهم؟
أولًا: استبعاد بعض المسيحيين من نطاق القانون
نصت المادة الأولى من مواد إصدار المشروع على أن: «تسري أحكام القانون المرافق على مسائل الأحوال الشخصية للمصريين المسيحيين أتباع الطوائف الآتية…»، ثم عددت الطوائف التي يسري عليها القانون. وبذلك لم يجعل المشروع مجرد كون الشخص مصريًا مسيحيًا كافيًا للخضوع لأحكامه، وإنما أضاف شرط الانتماء إلى إحدى الطوائف المحددة فيه.
وتظهر هنا المفارقة الأولى: المادة الثالثة من الدستور تخاطب «المصريين من المسيحيين»، بينما ضيق المشروع النطاق إلى أتباع طوائف معينة، تاركًا غيرهم خارج القانون دون أن يضع لهم تنظيمًا موضوعيًا مستقلًا.
ثانيًا: إنهاء الخطبة بالانضمام إلى طائفة مستبعدة
نصت المادة 9/6 من المشروع، ضمن أسباب انتهاء الخطبة، على: «إذا تبين تغيير أحد الخطيبين ديانته، أو انضمامه إلى غير الطوائف التي يسري عليها أحكام هذا القانون». وهكذا لم يكتف المشروع بعدم تنظيم أحوال الطوائف المستبعدة، وإنما جعل مجرد الانضمام إليها واقعة يرتب عليها القانون إنهاء الخطبة.
فالطائفة التي لا يعترف المشروع بأعضائها كمخاطبين بأحكامه يعترف في الوقت نفسه بالانتقال إليها باعتباره واقعة قانونية منتجة لأثر داخل القانون.
ثالثًا: التطليق بسبب الانضمام إلى طائفة مستبعدة
أكد المشروع الاتجاه ذاته في المادة 44/2، فأجاز طلب التطليق في حالة: «ترك أحد الزوجين الدين المسيحي إلى دين آخر، أو إلى غير الطوائف التي يسري عليها أحكام هذا القانون».
والخطورة هنا أكبر؛ لأن المشروع ساوى في سبب التطليق بين ترك المسيحية والانضمام إلى طائفة مسيحية لم تدخل في نطاق القانون.
فالشخص قد يظل مسيحيًا، ومع ذلك يصبح انتقاله من طائفة يشملها المشروع إلى طائفة مسيحية مستبعدة سببًا لإنهاء زواجه. ومن ثم لا يعود الاستبعاد مجرد تحديد للنطاق الشخصي للقانون، وإنما يتحول إلى سبب موضوعي للتطليق.
رابعًا: المنع من الزواج
نصت المادة 32 على أنه: «لا يجوز زواج من طلق لعلة زناه أو لتغيير الدين أو الانضمام إلى غير الطوائف التي يسري عليها أحكام هذا القانون».
وبذلك رتب المشروع على الانضمام إلى الطائفة المسيحية المستبعدة أثرين متتابعين: يجوز أن يكون الانضمام سببًا للتطليق، ثم يصبح الانضمام ذاته مانعًا من الزواج التالي.
وهذا يخلق مركزًا بالغ الغرابة: شخص ظل مسيحيًا، لكن انتقاله إلى طائفة مسيحية لم يشملها القانون أدى أولًا إلى إنهاء زواجه، ثم إلى حرمانه من الزواج وفق النظام الذي أنشأه المشروع.
ويؤكد ذلك أيضًا المادة 42؛ إذ جعلت طلب الزواج الكنسي التالي لمن حصل على حكم نهائي بالتطليق أو البطلان أو الانحلال المدني يقدم إلى الكنيسة التي ينتمي إليها وفق النظام الذي وضعه المشروع، بينما يكون المنتمي إلى طائفة مستبعدة خارج البناء الذي أقامه القانون أصلًا للتصريح بالزواج.
ويضاف إلى ذلك أن المادة 38/7 اعتبرت من أسباب بطلان الزواج: «انتماء أحد الزوجين إلى دين آخر أو غير الطوائف التي يسري عليه أحكام هذا القانون وقت انعقاد الزواج». ومن ثم لم يعد الاستبعاد مسألة تتعلق فقط بمن يطبق عليه القانون، وإنما أصبح الانتماء إلى طائفة مسيحية مستبعدة مؤثرًا في صحة الزواج ذاته.
دفوع الزوج في دعوى التطليق
تظهر المشكلة عمليًا إذا أقامت الزوجة دعوى تطليق استنادًا إلى المادة 44/2، وقالت إن زوجها انضم إلى طائفة مسيحية لا يسري عليها القانون. فهنا لا ينبغي أن ينحصر دفاع الزوج في نفي الواقعة ماديًا، وإنما يمكن أن يثير ثلاثة دفوع قانونية متتابعة.
أولًا: عدم ثبوت الانضمام أو عدم إنتاجه أثره القانوني
تتمثل الطوائف المستبعدة محل البحث في الطوائف التي لم تكن لها مجالس ملية منظمة وقت صدور القانون رقم 462 لسنة 1955. وكان انضمام أحد الزوجين إلى إحدى هذه الطوائف لا يؤدي إلى توافر شروط تطبيق الشريعة الإسلامية وفقًا للمادة الثالثة من مواد إصدار القانون رقم 1 لسنة 2000؛ إذ كانت الدعوى ترفض متى لم يثبت أن الانضمام قد تم وأنتج أثره القانوني، فيعتبر الشخص قانونًا باقيًا على ملته، ومع استمرار الاتحاد في الملة لا يقوم موجب تطبيق الشريعة الإسلامية.
أما مشروع القانون الجديد فقد عكس الوضع. فالزوج الذي لم يغير ملته يستطيع أن يستند إلى انضمام الزوج الآخر إلى طائفة مستبعدة باعتباره سببًا موضوعيًا للتطليق قرره المشروع ذاته. ومع ذلك، يظل للزوج الآخر أن يدفع الدعوى بالمنازعة في واقعة الانضمام نفسها، وأن يتمسك بأن هذا الانضمام، بفرض حصوله من الناحية الدينية، لم يستكمل شروط إنتاج أثره القانوني، ومن ثم يظل بالنسبة إلى القانون كأن لم يكن.
ويثير ذلك مشكلة إثبات دقيقة. فبفرض جواز إثبات واقعة الانضمام بكافة طرق الإثبات، فإن المستقر في قضاء النقض أن الانضمام إلى طائفة جديدة لا يتم ولا ينتج أثره القانوني بمجرد إرادة الشخص، وإنما يتطلب قبول الطائفة الجديدة لانضمامه.
ومن ثم يثور التساؤل: هل يتعين على المحكمة أن تستعلم من الطائفة المستبعدة ذاتها عما إذا كانت قد قبلت انضمام الشخص إليها؟
وتزداد الإشكالية أهمية لأن المشروع أوجب، في دعاوى التطليق، استطلاع رأي الرئاسة الدينية المختصة قبل الفصل في الدعوى. وهنا يثور سؤال لم يحسمه المشروع بوضوح: أي رئاسة دينية تستطلع المحكمة رأيها إذا كان سبب الدعوى ذاته هو انضمام أحد الزوجين إلى طائفة تقع خارج نطاق القانون؟ هل تستطلع رأي الطائفة القديمة التي يدعي الخصم أنه خرج منها، أم تستعلم من الطائفة الجديدة لإثبات قبولها الانضمام، رغم أنها من الطوائف التي استبعدها المشروع من نطاق تطبيقه؟
والأصل منطقيًا أنه إذا كان سبب التطليق هو الخروج من الطائفة القديمة، فلا يستقيم أن يكون رأي هذه الطائفة هو الوسيلة الحاسمة لإثبات الانضمام إلى الطائفة الجديدة؛ لأن الواقعة المطلوب إثباتها ليست الخروج وحده، وإنما تمام الانضمام وقبوله من الجهة الدينية الجديدة.
ومن ثم قد تجد المحكمة نفسها مضطرة إلى مخاطبة طائفة استبعدها القانون من نطاقه حتى تستطيع إثبات سبب للتطليق أنشأه القانون ذاته بسبب الانضمام إليها.
وهذه المفارقة تكشف فراغًا إجرائيًا حقيقيًا: المشروع رتب أثرًا موضوعيًا خطيرًا على الانضمام إلى طائفة مستبعدة، لكنه لم يضع نظامًا واضحًا لإثبات هذا الانضمام أمام القضاء ولا لتحديد الجهة الدينية التي يرجع إليها في إثباته.
ثانيًا: الدفع بشريعة العقد
يزداد هذا الدفع قوة من المشروع ذاته؛ فقد نصت المادة 10 بالنسبة إلى بعض الطوائف التي تجيز الزواج بين أتباعها وأتباع الطوائف الأخرى الداخلة في نطاق القانون على سريان أحكام الطائفة التي عقد الزواج بموجبها وتمت مراسمه بها على كل ما يتعلق بالزواج وآثاره.
فإذا كان المشروع قد اختار شريعة العقد لضمان استقرار القانون الذي يحكم الرابطة، يثور التساؤل عن مدى جواز إهدار هذا الاختيار بسبب انضمام أحد الزوجين لاحقًا إلى طائفة أخرى.
وبذلك يمكن للزوج أن يتمسك بأن الشريعة التي حكمت تكوين الزواج وآثاره لا يجوز إزاحتها بمجرد تغيير لاحق في الانتماء الطائفي متى كان المشروع نفسه قد جعل شريعة العقد ضابطًا لاستقرار الرابطة.
ثالثًا: الدفع بعدم الدستورية
إذا ثبت الانضمام وتعذر دفع أثره بشريعة العقد، يبقى السؤال الدستوري: هل يجوز أن تجعل المادة 44/2 الانضمام من طائفة مسيحية إلى طائفة مسيحية أخرى سببًا للتطليق لمجرد أن الطائفة الثانية لم تدخل في النطاق الذي اختاره المشروع؟ فالمادة الثالثة من الدستور لم تقصر حمايتها على طوائف بعينها، وإنما تحدثت عن «المصريين من المسيحيين». ومن ثم يثور الدفع بشأن وجود أساس موضوعي يبرر أن يظل الشخص مسيحيًا في مفهوم الدستور، بينما يعامله القانون، من حيث أثر انتقاله الطائفي على الزواج، معاملة قريبة من حالة ترك الدين المسيحي ذاته.
السؤال الذي تركه المشروع بلا إجابة
يبقى السؤال الأهم: لماذا لم ينظم المشروع أحوال المسيحيين المستبعدين في باب مستقل؟
لو كان المشروع قد وضع بالفعل قواعد موضوعية موحدة لجميع المسيحيين، لكان مفهومًا ألا يحتاج إلى أبواب مستقلة لكل طائفة. لكن المشروع نفسه احتفظ باختلافات الطوائف المشاركة، ووضع أحكامًا خاصة لبعضها في الزواج والتطليق والبطلان وغيرها. ومن ثم يصعب تفسير استبعاد مجموعة أخرى لمجرد اختلاف شريعتها، لأن الاختلاف الطائفي ذاته لم يكن مانعًا من إدراج الطوائف الأخرى في القانون.
ويترتب على ذلك سؤال أكثر عملية: إذا كان هؤلاء لا يخضعون للقانون الجديد، فما القانون الذي يحكم أحوالهم الشخصية؟ هل تعود المحكمة إلى المادة الثالثة من مواد إصدار القانون رقم 1 لسنة 2000، وما قد يترتب عليها عند تخلف شروط تطبيق الشريعة الخاصة؟ وهل يمكن أن ينتهي الأمر إلى تطبيق الشريعة الإسلامية عليهم؟ أم أن المادة الثالثة من الدستور تمنحهم أساسًا للمطالبة بتشريع ينظم أحوالهم الشخصية وفق مبادئ شريعتهم؟
وهنا تظهر المفارقة الأساسية في المشروع: استبعد هؤلاء المسيحيين من نطاقه، ثم اعترف بهم عندما جعل الانضمام إليهم سببًا لإنهاء الخطبة والتطليق وبطلان الزواج والمنع من الزواج التالي. ومن ثم فإن المشكلة الحقيقية ليست في وجود هذه الطوائف خارج المشروع فحسب، وإنما في أن المشروع رتب آثارًا قانونية على الانضمام إليها دون أن يحدد في المقابل النظام القانوني الذي يحكم أعضاءها.