الإدارة الذكية للمضبوطات الجنائية

مقال للدكتور أحمد عبد الظاهر – أستاذ القانون الجنائي بجامعة القاهرة – المستشار القانوني بدائرة القضاء أبو ظبي

في يوم الثلاثاء الموافق الخامس والعشرين من شهر أغسطس 2026م، وعلى صفحتها الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، نشرت النيابة العامة المصرية بياناً بعنوان «النيابة العامة تتابع إجراءات إخلاء ساحات التحفظ على المركبات بمنطقة العامرية بمحافظة الإسكندرية». وتحت هذا العنوان، يذكر البيان أنه: «في ضوء توجيهات النائب العام المستشار/ محمد شوقي، بسرعة إنهاء إجراءات إخلاء ساحات التحفظ على المركبات، وإعادة الأراضي التي تشغلها تلك الساحات إلى الدولة، اتساقاً مع التوجيهات الرئاسية الصادرة في هذا الشأن، وفي إطار التنسيق المؤسسي بين النيابة العامة ووزارة التنمية المحلية ومحافظة الإسكندرية وجهاز مشروعات الخدمة الوطنية وهيئة المبيعات الحكومية، أُجريت زيارة ميدانية إلى ساحة التحفظ على المركبات بمنطقة البتروكيماويات بالعامرية بمحافظة الإسكندرية، التي تزيد مساحتها على اثني عشر فدانًا، وتتمتع بموقع حيوي واستراتيجي، بما يعزز أهمية سرعة إخلائها وإعادة توظيفها في الأغراض المخصصة لها». «وهدفت الزيارة إلى تفقد سير العمل، والوقوف ميدانيًا على إجراءات إخلاء الساحة، ومتابعة أعمال تسليم المركبات غير الصالحة المصادرة إلى جهاز مشروعات الخدمة الوطنية، دعمًا للصناعات الوطنية، فضلًا عن متابعة إجراءات تسليم المركبات الصادر بشأنها قرارات بالتسليم إلى مستحقيها، والوقوف على معدلات الإنجاز». «وخلال الزيارة، التقى المستشار/ ياسر حسين، رئيس الاستئناف مدير النيابات، رئيس اللجنة المشكلة لمتابعة تنفيذ التكليفات الرئاسية، بالمهندس/ أيمن عطية، محافظ الإسكندرية، بحضور المستشار/ أدهم صادق، رئيس الاستئناف القائم بأعمال المحامي العام الأول لنيابة استئناف الإسكندرية، وعدد من أعضاء النيابة العامة ومسؤولي الجهات المعنية». «وجرى خلال اللقاء التأكيد على تضافر الجهود وتذليل ما قد يواجه أعمال الإخلاء والتسليم من معوقات، بما يضمن سرعة إنجازها، وتسليم الأرض بعد إخلائها إلى الدولة للاستفادة منها في الأغراض المخصصة لها». «وعقب عرض ما آلت إليه الزيارة على السيد المستشار النائب العام، أشاد سيادته بما يبذله المهندس/ أيمن عطية، محافظ الإسكندرية، من جهود مخلصة وتعاون فاعل في تنفيذ التكليفات الرئاسية، مثمناً ما تبديه المحافظة من حرص على دعم جهود النيابة العامة والتنسيق المستمر مع مختلف الجهات المعنية، بما أسهم في تذليل العقبات ودفع وتيرة العمل، تمهيداً لاستكمال أعمال إخلاء الساحة وتسليم الأرض إلى الدولة، وإعادة توظيفها والاستفادة منها على النحو الذي يحقق الصالح العام».

 

وفي اليوم ذاته، وعبر صفحتها الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، نشرت النيابة العامة المصرية بياناً آخر تحت عنوان «النيابة العامة تُخلي ساحة التحفظ على المركبات بمنطقة أوروبا 2000 بالمعادي وتسترد أرضاً بقيمة 2.085 مليار جنيه». وتحت هذا العنوان، يذكر البيان أنه: «في ضوء توجيهات النائب العام المستشار/ محمد شوقي، بسرعة إنهاء إجراءات إخلاء ساحات التحفظ على المركبات، وإعادة الأراضي التي تشغلها تلك الساحات إلى الدولة، اتساقاً مع التوجيهات الرئاسية الصادرة في هذا الشأن، وفي إطار التنسيق المؤسسي بين النيابة العامة ووزارة التنمية المحلية ومحافظة القاهرة، تواصلت أعمال إخلاء ساحة التحفظ على المركبات بمنطقة أوروبا 2000 بالمعادي بمحافظة القاهرة». «وقد أسفرت الجهود عن الانتهاء من إخلاء الساحة وتسليم قطعة الأرض إلى محافظة القاهرة؛ لتتولى اتخاذ الإجراءات اللازمة نحو تسليمها إلى وزارة التنمية المحلية، لإعادة تخطيطها وتخصيصها واستغلالها، بما يتيح تعظيم الاستفادة منها وحسن توظيفها على النحو الذي يحقق الصالح العام. وتبلغ مساحة قطعة الأرض 14 فداناً، وتُقدَّر قيمتها بنحو ملياري جنيه وخمسة وثمانين مليوناً وثمانمائة ألف جنيه، وفقاً للتقدير الأولي، وذلك لحين استكمال إجراءات التقييم والتسعير بمعرفة الجهات المختصة». «وشملت أعمال الإخلاء التصرف في المركبات المضبوطة وفقاً لصحيح القانون، وتسليم المركبات التي تقرر تسليمها إلى مالكيها ومستحقيها، بما أسهم في سرعة إنهاء إجراءات التحفظ عليها، وصولاً إلى إخلاء الساحة وتسليم الأرض». «ويأتي إخلاء الساحة وتسليم الأرض في إطار جهود النيابة العامة لتنفيذ التكليفات الرئاسية، والتصرف في المضبوطات وفقاً لصحيح القانون، ورد المركبات إلى مالكيها ومستحقيها، واسترداد الأراضي المستغلة في ساحات التحفظ وإعادة توظيفها لصالح الدولة». «وعقب عرض ما آلت إليه إجراءات الإخلاء والتسليم على السيد المستشار النائب العام، أشاد سيادته بما تبذله الدكتورة/ منال عوض، وزيرة التنمية المحلية، من جهود حثيثة ومساندة فاعلة، وما تضطلع به الوزارة من دور محوري في دعم أعمال اللجنة وتيسير إجراءات إخلاء الأراضي وإعادة تسليمها، فضلاً عن حرصها على ترسيخ أطر التنسيق والتكامل بين الوزارة والنيابة العامة، بما أسهم في تذليل المعوقات وتسريع وتيرة التنفيذ». «كما أشاد سيادته بما بذلته محافظة القاهرة من تعاون وتنسيق في إنجاز أعمال الإخلاء والتسليم، مثمناً جهود الدكتور/ إبراهيم صابر، محافظ القاهرة، في دعم تنفيذ التكليفات الرئاسية وتذليل ما واجه إجراءات الإخلاء من معوقات، بما أسهم في إنجاز تسليم الأرض وإتاحة إعادة الاستفادة منها لصالح الدولة».

 

وبإمعان النظر في البيانين سالفي الذكر، يمكن أن نتوقف عند بعض العبارات الواردة فيهما، والتعليق عليها في إطار النقاش حول تعزيز سبل ووسائل الإدارة الاقتصادية لمنظومة التقاضي، والاستفادة من التقنيات الحديثة في تطويرها.

 

وأول ما يتعين الوقوف عنده في هذا الشأن هو أن البيانين استخدما تعبير «ساحات التحفظ على المركبات». ومن ثم، فإن التساؤل يثور عن المقصود بلفظ «التحفظ»، وبيان وجه العلاقة بينه وبين بعض التعبيرات أو المصطلحات الأخرى الشبيهة به أو القريبة منه في الطبيعة والفحوى والجوهر أو في المدلول والمعنى. كذلك، فإن التساؤل يثور عن أماكن التحفظ على المضبوطات الأخرى، ولاسيما المواد المخدرة والمؤثرات العقلية، وما هي الآلية المثلى للتعامل معها؟

 

ومن ناحية ثانية، فقد ورد في البيان الأول أن ساحة التحفظ على المركبات بمنطقة البتروكيماويات بالعامرية بمحافظة الإسكندرية تزيد مساحتها على اثني عشر فداناً، وتتمتع بموقع حيوي واستراتيجي، بما يعزز أهمية سرعة إخلائها وإعادة توظيفها في الأغراض المخصصة لها. وفي الإطار ذاته، وفي البيان الثاني، المتعلق بساحة التحفظ على المركبات بمنطقة أوربا 2000 بالمعادي بمحافظة القاهرة، يؤكد البيان أن مساحة قطعة الأرض تبلغ 14 فداناً، وتقدر قيمتها بنحو ملياري جنيه وخمسة وثمانين مليوناً وثمانمائة ألف جنيه، وفقاً للتقدير الأولى، وذلك لحين استكمال إجراءات التقييم والتسعير بمعرفة الجهات المختصة. ولعل ذلك يؤكد على أن التحفظ على المضبوطات والمركبات له تكلفته الاقتصادية على الدولة. ولذلك، ينبغي أن يكون البعد الاقتصادي حاضراً عند إعداد التشريعات وعند تفسيرها وتأويلها وتنفيذها وتطبيقها.

 

ومن ناحية ثالثة، وعلى حد العبارات الواردة في البيانين، فإن الإجراءات المتخذة بواسطة النيابة العامة قد جاءت «اتساقاً مع التوجيهات الرئاسية الصادرة في هذا الشأن». ويُحمد للقيادة السياسية إيلاء الاهتمام الواجب بكل ما يكفل استغلال كل إمكانيات الدولة في تعظيم مواردها ومداخيلها. ولكن ذلك لا ينبغي أن ينسينا أهمية أن يكون لدى كل وزارة وكل هيئة وكل مؤسسة من مؤسسات الدولة استراتيجيتها ورؤيتها الخاصة لكيفية ترشيد نفقاتها وتعظيم مواردها وأن يكون البعد الاقتصادي حاضراً دائماً في كل قرارتها وإجراءاتها وسياساتها.

 

ومن ناحية رابعة، فقد وردت في البيان الأول عبارة دالة ومعبرة تشكل أحد الأسس الرئيسية للإدارة الرشيدة، ألا وهي عبارة «الوقوف على معدلات الإنجاز». وإذا كان المقصود من هذه العبارة هو الوقوف على معدلات إنجاز إجراءات إخلاء ساحات التحفظ على المركبات، فإن هذه العبارة تشكل الأساس في كل عملية إدارية، بحيث ينبغي دائماً الوقوف على معدلات الإنجاز وقياس كفاءة المنظومة الإدارية. وهذه العبارة ينبغي أن تكون حاضرة دائماً أيضاً في قياس كفاءة المنظومة القضائية بوجه عام وفي قياس كفاءة إدارة المضبوطات الجنائية بشكل خاص.

 

ومن ناحية خامسة، فقد وردت في البيان الأول عبارة «متابعة أعمال تسليم المركبات غير الصالحة المصادرة إلى جهاز مشروعات الخدمة الوطنية». ويثور التساؤل في هذا الشأن عما إذا كانت هذه المركبات غير صالحة ابتداءً عند التحفظ عليها، أم أنها صارت كذلك أثناء التحفظ عليها. وإذا كانت غير صالحة منذ البداية، فلماذا جرى التحفظ عليها والتسبب بالتالي في أن يتم شغل مساحة في الساحة بهذه السيارات غير الصالحة؟

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى