إنشاء المراكز القانونية الجديدة المتعلقة بالحصول على قروض بغير موافقة أصحابها والآثار المترتبة على ذلك

إعداد / مايكل بساده اديب – المحامي بالنقض و الإدارية العليا – باحث دكتوراه بقسم القانون المدني

دراسة تحليلية في ضوء نظرية المراكز القانونية، والالتزام بالتحقق من هوية العملاء المقرر بقانون مكافحة غسل الأموال رقم 80 لسنة 2002، وقانون البنك المركزي والجهاز المصرفي رقم 194 لسنة 2020، وقانون تنظيم نشاط التمويل الاستهلاكي رقم 18 لسنة 2020

تمهيد وتقسيم

شهدت السنوات الأخيرة توسعاً لافتاً في صور الائتمان الاستهلاكي والتمويل الفوري، سواء عبر المصارف التقليدية أو عبر شركات التمويل غير المصرفي الخاضعة لإشراف الهيئة العامة للرقابة المالية، أو عبر تطبيقات الهاتف المحمول التي تمنح قروضاً صغيرة بإجراءات مبسطة لا تكاد تتجاوز إدخال الرقم القومي ورقم الهاتف المحمول ورمز تحقق عابر. وقد رافق هذا التوسع – وهو ما يعنينا هنا – نموٌّ موازٍ في ظاهرة الحصول على تمويل باسم شخص لم يطلبه ولم يفصح عن إرادة الالتزام به، سواء بانتحال هويته المدنية، أو بتزوير توقيعه على مستندات التعاقد، أو باستغلال بيانات مسرَّبة لإتمام طلب تمويل إلكتروني دون علمه البتة0

ولا يقف أثر هذه الظاهرة عند حدود المسؤولية الجنائية لمرتكبها ولا عند حدود بطلان العقد الناتج عنها، فتلك بديهياتٌ لا تحتاج بحثاً؛ وإنما يمتد – في تقديرنا – إلى صميم بنية المراكز القانونية ذاتها محدثاً مركزاً ظاهراً لا سند له، وواقعاً في الوقت ذاته اعتداءً على مركز أصيل مستقر لصاحب الهوية المنتحلة. وهذا بالضبط ما نخصص له هذا البحث، مستعينين بالمنهج ذاته الذي أثبت جدواه في دراسة سابقة تناولت ظاهرة مشابهة في مجال تسجيل خطوط الهاتف المحمول[1]، مع ما يقتضيه اختلاف محل الظاهرة هنا من تعديل في المبنى والمصطلح، بل ومع كشف – في موضعه – عن ارتباط عضوي بين الظاهرتين لم يلقَ حظه من الدراسة.

ونعرض لذلك فيما يلي على ستة فروع: نظري أولاً، ثم تمييزي بين إنشاء المركز وإظهاره، ثم تكييفي لالتزام التحقق من هوية طالب التمويل، ثم زمني في أثر مضي المدة، ثم في الاعتداء الواقع على المركز المستقر، ثم في الآثار المترتبة وما نراه لازماً من استدراك تشريعي، تعقبها خاتمة.

 

 

أولاً: الإطار النظري — القوة المُنشئة ليست وصفاً في الواقعة بل مِنحة من القانون

لا تختلف الواقعة القانونية في مجال الائتمان عن نظيرتها في سائر المجالات: فهي لا تحمل في ذاتها المادية قوة إنشاء المركز، وإنما يمنحها المشرّع هذه القوة متى تحقق فيها الشرط الذي علّقها عليه. وقد سبق تقرير ذلك في الفقه بقوله إن القانون «يتخيّر بعض هذه الوقائع ويعطيها بشروط خاصة القدرة على ذلك[2] وهو تقريرٌ ينسحب على عقد القرض كما ينسحب على غيره من التصرفات: فطلب التمويل، وتوقيع العميل عليه، وقيد بياناته في نظم الجهة المانحة، وقائعُ مادية محضة لا تكتسب صفة «الواقعة المنشئة» للمركز الدائن/المدين إلا بتحقق الشرط الذي يعلّقه القانون عليها، وهو صحة نسبة الرضا الحقيقي إلى صاحب الهوية المستعملة.

ويترتب على هذا الأصل – كما ترتب في مجال الاتصالات – أن الواقعة إذا تجرّدت من هذا الشرط ظلت واقعةً مادية محضة، عاجزةً عن الانقلاب إلى وجود قانوني. فطلب التمويل الذي يحمل بيانات شخصٍ ورقمه القومي وتوقيعه المزوَّر أو المنسوخ إلكترونياً هو واقعة موجودة فعلاً في السجلات والأنظمة، لكنها محرومة من القدرة الإنشائية؛ ومع ذلك فهي – وهنا الإشكال ذاته – تُحدث في الواقع العملي كل الآثار التي كان القرض الصحيح سيُحدثها لو انعقد: تحويل مبلغ، واستحقاق أقساط، وقيدٌ سلبي في نظم الاستعلام الائتماني، وربما اتخاذ إجراءات تنفيذية بحق شخصٍ لم يوقّع سطراً واحداً.

 

ثانياً: تمييز واجب بين إنشاء المركز وبين إظهاره

يقتضي التحليل الدقيق التفرقة بين ثلاث حالات كثيراً ما يختلط بعضها ببعض في عقود التمويل:-

الحالة الأولى: أن يتقدم الشخص بنفسه بطلب التمويل، وأن يتحقق مانح الائتمان من هويته وإرادته على الوجه الصحيح، فينشأ المركز – دائناً كان أو مديناً – صحيحاً منتجاً لآثاره.

الحالة الثانية: أن يتقدم الشخص بنفسه فعلاً، لكن يشوب رضاه عيبٌ من عيوب الإرادة كالتدليس الذي يمارسه عليه وسيط التمويل بإخفاء حقيقة الفوائد أو الشروط، أو الإكراه، أو نقص الأهلية – فينشأ المركز قابلاً للإبطال، وهو – على كل حال – قد وُجد ثم لحقه ما لحقه من عيب.

الحالة الثالثة:- وهي محل بحثنا: أن تنعدم مشاركة صاحب الهوية في الواقعة انعداماً تاماً، فلا يكون قد تقدّم بطلب، ولا وقّع مستنداً، ولا أبدى رضاً من قريبٍ أو بعيد، ومع ذلك يقوم في نظم الجهة المانحة وفي سجلات الاستعلام الائتماني مظهرٌ كاملُ الأركان الشكلية يوهم بوجود مديونية عليه.

والفارق بين الحالتين الثانية والثالثة – كما سبق تقريره – فارقٌ في الطبيعة لا في الدرجة. ففي الإبطال نحن بإزاء مركزٍ نشأ ثم أُهدر لعيبٍ لحقه، أما في الانعدام فنحن بإزاء مركزٍ لم يقم قط، ويكون الحكم بانعدام العقد[3] أو ببراءة ذمة العميل من الدين المنسوب إليه إزالةً لمظهرٍ لا إهداراً لوجود. ولذلك فإن الحكم الصادر بعدم صحة نسبة القرض إلى صاحب الهوية لا يُعدم مركزاً، وإنما يقرر أنه لم يقم في أي لحظة من لحظات الزمن[4].

على أن هذا التقرير النظري يصطدم – في مجال الائتمان بوجهٍ خاص – بحقيقة أشد قسوةً مما هي عليه في مجال الاتصالات؛ ذلك أن المركز المنعدم هنا لا يقتصر أثره على إفادةٍ أو تقريرٍ فني، وإنما يمتد إلى تحريك آلة التحصيل بكامل عدّتها: إخطاراتُ مطالبة، وإدراجٌ في سجل الاستعلام الائتماني السلبي وربما طلبٌ لاتخاذ إجراءات تحفظية. فينشأ المركز الظاهر في الظلام، ويُحتجّ به على صاحبه بغتةً في أخطر ما يملكه: حريته في التنقل وسمعته الائتمانية

ثالثاً: الالتزام بالتحقق من هوية طالب التمويل باعتباره حراسةً على “الواقعة المنشئة“0

من هذه الزاوية بالذات ينكشف الوجه العميق للالتزام المقرر بقانون مكافحة غسل الأموال والتعليمات الصادرة عن البنك المركزي المصري بشأن قواعد «اعرف عميلك» والساري بذات المنطق على شركات التمويل الاستهلاكي غير المصرفية الخاضعة لقانون تنظيم نشاط التمويل الاستهلاكي رقم 18 لسنة 2020  [5]0

وقد جرى تكييف هذا الالتزام في أغلب ما كُتب عنه بوصفه أداةً من أدوات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وهو كذلك بلا ريب، غير أنه – في تقديرنا – أعمق من ذلك وأبعد أثراً بكثير إنه في حقيقته التزامٌ بحراسة الواقعة المنشئة لعقد القرض ذاتها، وضمانةٌ تشريعية ألا يقوم في السوق الائتماني مظهرٌ لمركز دائن/مدين لم ينشأ أصلاً.

ذلك أن المشرّع، حين ألزم الجهات المانحة للائتمان بالتحقق من الهوية الحقيقية للعميل قبل التعامل معه بأي صورة من صور التعامل، إنما وضع في يدها – وحدها دون العميل ودون الغير – سلطة التحقق من توافر الشرط الذي علّق عليه القانون قدرة طلب التمويل على إنشاء المركز، وهو صحة نسبة الرضا إلى صاحبه. فالبنك أو شركة التمويل هنا ليس طرفاً في العقد المرتقب فحسب، بل هو الحارس الوحيد المخوَّل بالتحقق من أن الواقعة التي يُدخلها إلى نظامه الائتماني واقعةٌ أهّلها القانون للإنشاء0

وحين تُخلّ الجهة المانحة بهذا الواجب – سواء بقبول توقيعٍ لم تُطابقه على نموذج التوقيع المعتمد أو باكتفائها بصورةٍ ضوئية من بطاقة الرقم القومي دون تحققٍ حيّ ، أو بمنح تمويلٍ إلكتروني فوري بمجرد إدخال رقمٍ قومي ورمز تحقق يُرسل إلى خط هاتف قد يكون هو نفسه محل واقعة تسجيل غير مشروع[6]  فإن أثر إخلالها لا يقف عند حدود الجزاء الرقابي ، بل يتجاوزه إلى إحداث نتيجةٍ أخطر: إدخال مركزٍ زائف إلى دائرة التعامل الائتماني، واكتسابه – بحكم صدوره عن جهةٍ مرخَّص لها ومنظَّمة – قرينةَ صحةٍ واقعية لم يمنحها إياه القانون قط0

وهنا نلحظ – وهو ما نسجله نقداً صريحاً – أن المشرّع المصري، حين واجه ظاهرةً مشابهة في قطاع الاتصالات، أفرد لها نصاً خاصاً صريحاً يُلزم مقدّم الخدمة تحديداً بدقة البيانات، بينما اكتفى في قطاع الائتمان بنصٍّ عام مقرَّر أصلاً لمكافحة غسل الأموال، لم يُقصد به بالأساس حماية الغير من انتحال هويته، وإنما حماية النظام المالي من التمويه على مصدر الأموال. وهذا – في تقديرنا – قصورٌ تشريعي حقيقي: أن يُترك أخطر التزامٍ بحراسة الواقعة المنشئة لعقد الائتمان معلَّقاً على نصٍّ لم يوضع أصلاً لهذه الغاية، فيضطر القضاء إلى استخلاص الحماية المدنية للعميل ضحية الانتحال استخلاصاً من نصٍّ عقابي غايته أخرى.

رابعاً: الأثر الزمني — من الطور النشط إلى الطور الساكن، أو كيف يتحصّن الدين الزائف بمرور المدة

يمتد المركز القانوني [7]في الزمان – على مرحلتين: مرحلة نشطة هي مرحلة الإنشاء، ومرحلة ساكنة يُنتج فيها المركز آثاره المستمرة0

والمركز الظاهر هنا يشترك مع المركز الصحيح في هذا الامتداد الزمني ذاته: له لحظة إنشاء زائفة ثم يدخل بعدها في طورٍ ساكن يتوالى فيه استحقاق الأقساط وتراكم الفوائد والقيد السلبي، شهراً بعد شهر دون أن يعلم صاحب الهوية المنتحَل عليها غالباً بشيء من ذلك إلا حين يُفاجأ برفض طلبٍ ائتماني له هو شخصياً ، أو بإخطارٍ من جهة تحصيل0

والسبب الأعمق في تفاقم هذا الأثر أن الدليل النافي له – وهو أصل طلب التمويل ونموذج التوقيع الأصلي وسجل التحقق من الهوية إن وُجد – يخضع لمدد احتفاظ قد لا تتجاوز خمس سنوات، بينما يظل القيد السلبي قائماً في نظم الاستعلام الائتماني لمددٍ مماثلة أو أطول، وقد يظل الدين ذاته مستحقاً وفقاً لآجال التقادم المدني العادية التي تبلغ خمس عشرة سنة. وهكذا يزول الدليل الذي يملك وحده قوة نفي المركز الزائف، بينما يبقى المركز ذاته منتجاً لآثاره الكاملة.

وهذه – في تقديرنا – أخطر نتيجة يمكن أن ينتهي إليها البحث في هذا الموضوع: أن مضيّ المدة لا يُسقط حقاً ولا يرتب تقادماً في حق أحد، وإنما يُحوّل الدين المنعدم إلى دينٍ غير قابل للدحض عملياً لتعذّر إثبات نفيه بعد فوات أجل الحفظ. وهو انقلابٌ صامت من انعدامٍ قانوني إلى استقرارٍ واقعي يتم دون حكمٍ قضائي ودون سندٍ تشريعي صريح، بمجرد نفاد أجل حفظٍ لم يُوضع أصلاً لهذه الغاية0

خامساً: الاعتداء على المركز المستقر باعتباره الوجه المقابل للإنشاء الزائف

لا يُتصوَّر نشوء مركز دائن/مدين زائف منسوب إلى شخصٍ إلا وهو – في الوقت ذاته – اعتداءٌ على مركزه الأصيل المستقر؛ إذ لكل شخصٍ مركزٌ قانوني أصلي قوامه ثبوت هويته المدنية، وسلامة ذمته المالية، وحصر ما يُنسب إليه من التزاماتٍ في نطاق ما صدر فعلاً عن إرادته. وهذا المركز مستمدٌّ أصلاً من نصوصٍ دستورية كفلت حرمة الحياة الخاصة وسرية البيانات الشخصية[8].0

فإذا نشأ في مواجهة هذا المركز مركزٌ ظاهر ينسب إليه ديناً لم يلتزم به، فقد وقع الاعتداء على ثلاثة مستويات متدرجة الخطورة :-

مستوى الهوية: إذ استُعملت الهوية المدنية سنداً لتمويلٍ لم يطلبه صاحبها

مستوى الذمة المالية: إذ حُمّلت الذمة بدينٍ وفوائد لم تنشأ عن إرادة، وقد ينعكس ذلك سلباً على قدرته الائتمانية الحقيقية، فيُحرم – وهو الضحية – من الحصول على تمويلٍ يحتاجه فعلاً لسببٍ لا يد له فيه

مستوى الحرية الشخصية: إذ قد يُتخذ في مواجهته إجراءٌ تحفظي بناءً على مديونيةٍ لم يُقرّها ولم يعلم بها أصلاً، فينتقل الأثر من دائرة المعاملات المالية المحضة إلى دائرة الحرية الشخصية، حيث لا يُجبر الضرر بالتعويض وحده، ولا يُرد الاعتبار بحكمٍ يصدر بعد فوات الأوان0

والمستوى الثالث هو الأخطر بلا منازع، وهو – في تقديرنا – موضع القصور الحقيقي في المنظومة الحالية: أن تُتخذ إجراءاتٌ ماسّة بالحرية الشخصية بناءً على مجرد الادعاء بوجود مديونية، قبل أن تُتاح لصاحب الشأن فرصةٌ حقيقية لنفي نسبتها إليه أمام القضاء0

سادساً: الآثار المترتبة، وما نراه لازماً من استدراك تشريعي

يترتب على ما تقدم جملة نتائج نُجملها فيما يلي:

١ – من حيث طبيعة الدعوى

إن دعوى إنكار التوقيع أو الطعن بتزوير مستندات القرض في هذا الفرض ليست دعوى إبطالٍ ترد على رابطةٍ قائمة، وإنما هي دعوى إعدامٍ للمظهر وتقريرٍ لانعدام المركز منذ نشأته. ويترتب على ذلك أن أثر الحكم فيها كاشفٌ لا منشئ، وأنه ينسحب إلى الماضي انسحاباً تاماً، فيهدم كل ما بُني على طلب التمويل المزوَّر من قيدٍ سلبي في نظم الاستعلام الائتماني، وإجراءات مطالبة، وقرارات منعٍ من السفر أو حجز.

٢ – من حيث عبء الإثبات

نرى أن القواعد العامة في تحميل المدعي عبء إثبات دعواه تؤدي في هذا الفرض إلى نتيجةٍ غير عادلة، إذ تكلّف الطاعن بإثبات نفي واقعةٍ لم يشارك في تكوينها ولا يملك دليلها أصلاً، بينما يحتفظ مانح الائتمان بكامل ملف التعاقد وبنماذج التحقق من الهوية. والأقرب إلى العدالة – إعمالاً لفكرة قرب الدليل من حائزه – أن يقع على الجهة المانحة للتمويل عبء إثبات صحة نسبة التعاقد إلى العميل المدَّعى عليه، باعتبارها المكلَّفة أصلاً بالتحقق من هويته قبل التعاقد، والمهيمنة وحدها على أدلة هذا التحقق. فمن كُلِّف بالتحقق فقد كُلِّف ضمناً بالإثبات.

٣ – من حيث المسؤولية المدنية

إن إخلال الجهة المانحة بالتزامها بالتحقق من الهوية – وهو، في تقديرنا، التزامٌ بتحقيق نتيجة لا ببذل عناية، خلافاً لما قد يُظن من ظاهر النصوص المنظِّمة له – يقيم في جانبها خطأً ثابتاً بمجرد ثبوت عدم صحة نسبة التعاقد، دون حاجةٍ لإثبات تقصيرٍ مستقل، ولا يدفع مسؤوليتها إلا إثبات السبب الأجنبي. ويمتد الضرر الموجب للتعويض ليشمل، فضلاً عن الضرر المادي، الضرر الأدبي الناشئ عن المساس بالسمعة الائتمانية والاجتماعية، والضرر الناشئ عن أي إجراءٍ ماسٍّ بالحرية الشخصية اتُّخذ استناداً إلى الدين المنعدم0

٤ – من حيث الاستدراك التشريعي

ننتهي في هذا الصدد إلى أربعة مقترحاتٍ نراها لازمة:-

الأول: النص صراحةً على وقف تنفيذ إجراءات التحصيل كافة – وعلى رأسها الحجز التحفظي والقيد السلبي في نظم الاستعلام الائتماني – فور تقديم بلاغٍ جدي بإنكار التوقيع أو الطعن بالتزوير وإحالته إلى جهة تحقيقٍ مختصة، لحين الفصل في الدعوى؛ إذ لا يستقيم أن يُحرم شخصٌ من حريته في التنقل بناءً على مديونيةٍ هو بعينه من يطعن في وجودها أصلاً.

الثاني: تمديد مدة الاحتفاظ بمستندات التعاقد الأصلية – طلب التمويل، ونموذج التوقيع، ودليل التحقق من الهوية – لتتناسب مع آجال التقادم المدني للدين ذاته، تمييزاً لها عن سجلات الحركة اليومية التي تسوّغ ضخامتها التقنية قِصَر مدة حفظها؛ فالمساواة بين ما يُنشئ الرابطة وما يوثّق تفاصيلها اليومية مساواةٌ بين غير متماثلين 0

الثالث: فرض التزامٍ مستقل ومشدَّد على شركة الاستعلام الائتماني ذاتها بدقة البيانات المدرجة لديها، وتمكين صاحب الشأن من طلب تصحيحها أو وقف نشرها فوراً بمجرد تقديم بلاغٍ جدي بالتزوير لا انتظاراً لحكمٍ قضائي باتٍّ قد يستغرق سنوات بينما يظل القيد السلبي حائلاً دون حصوله على أي تمويلٍ آخر 0

الرابع: إلزام جهات منح الائتمان – مصرفيةً كانت أو غير مصرفية – باعتماد وسائل تحققٍ حديثة من الهوية (كالتحقق الحيوي البيومتري، والربط الفوري الآلي بقاعدة بيانات الأحوال المدنية) كشرطٍ لصحة انعقاد العقد ذاته لا كإجراءٍ تنظيمي داخلي فحسب، بحيث يترتب على تخلّفها – لا مجرد جزاءٍ رقابي – بطلانُ نسبة العقد إلى العميل عند المنازعة؛ تحقيقاً لذات الغاية التي ننادي بها في مجال تسجيل خطوط الهاتف المحمول، وتوحيداً للمعيار بين القطاعين المتصلين اتصالاً وثيقاً في هذه الظاهرة تحديداً ما دام أغلب التمويل الإلكتروني الفوري يمر أصلاً عبر رقم هاتفٍ محمول قد يكون هو نفسه غير مسجَّل بطريقةٍ صحيحة

الخاتمة

إن ما يعنينا في نهاية هذا التحليل ليس تقرير أن عقد القرض المنسوب زوراً إلى شخصٍ باطل أو منعدم، فتلك بديهةٌ لا تحتاج بحثاً، وإنما تقرير أن نظامنا القانوني يعرف – في قطاع الائتمان كما عرف في قطاع الاتصالات من قبل – صورةً لمركزٍ قانوني ينشأ بغير سبب، ويُنتج آثاراً بالغة الخطورة بغير سند، بل يمتد أثره هنا إلى حرية الشخص وسمعته الائتمانية، ويتحصّن بمرور الزمن بغير تقادم. ومواجهة هذه الصورة لا تكون بتشديد العقوبة على من زوَّر أو انتحل، فالجزاء لاحقٌ والضرر سابقٌ وقد استفحل، وإنما تكون بضبط الواقعة المنشئة في لحظة ميلادها عند الجهة الوحيدة القادرة على ضبطها، وبصون الدليل الذي يسمح بدحضها بعد ذلك، وبوقف الآلة التنفيذية فور المنازعة الجدية في وجودها. فالقانون الذي يمنح واقعةً قدرةَ إنشاء دين، ثم لا يضمن دقة التحقق من نسبته، ولا بقاء دليل نفيه، ولا وقف تنفيذه عند المنازعة فيه، يكون قد جعل من الائتمان أداةً قد تنقلب على مَن لم يطلبه أصلاً.

[1]دراسة سابقة للباحث بعنوان: «إنشاء المراكز القانونية الجديدة المتعلقة بالتسجيل غير المشروع لخطوط الهاتف المحمول بغير موافقة أصحابها والآثار المترتبة على ذلك»، دراسة تحليلية في ضوء المادتين (٦٤) و(٨١) من قانون تنظيم الاتصالات رقم ١٠ لسنة ٢٠٠٣. على الرابط الالكترونى ” https://wp.me/paDVq4-11Au

[2]د. سمير تناغو، النظرية العامة للقانون، منشأة المعارف، الإسكندرية، ١٩٩٥، ص ٦٧٣.

[3] – أرى أن قضاء محكمه النقض المتعلق بالأحكام القضائية ينطبق ايضاً على العقود في هذه الحالة حيث قضت المحكمة بأن  ” أن الأصل في تصحيح الأحكام أن يكون بطرق الطعن المقررة في القانون إلا أن مناط ذلك أن يكون الحكم قائماً مرتباً أثاره القانونية حتى ولو اعتوره شائبة تصيب صحته، أما إذا تجرد الحكم من أحد أركانه الأساسية بحيث شابه عيب جوهري جسيم يصيب كيانه ويفقده صفته كحكم ويحول دون اعتباره موجودا منذ صدوره فإنه يكون حكما منعدما لا وجود له قانونا فلا يستنفد به القاضي سلطته ولا يرتب الحكم حجية الأمر المقضي ولا يرد عليه التصحيح بأي من طرق الطعن المقررة للأحكام القائمة والتي تحوز حجية لأن المعدوم لا يمكن رأب صدعه وليس في حاجة إلى ما يعدمه فهو في القانون غير موجود أصلاً، ويكون السبيل لتقرير ذلك هو طريق الدعوى المبتدأة أو بإنكاره والتمسك بعدم وجوده عند الاحتجاج به. “[الطعن رقم 951 – لسنة 61 – تاريخ الجلسة 11 / 2 / 1999 – مكتب فني 50 رقم الجزء 1 –  رقم الصفحة 224 – القاعدة رقم 41 ] – [نقض الحكم والإحالة]

[4]وهو ما يتفق وما استقر عليه من أن الحكم الصادر بانعدام العقد أو ببراءة الذمة من الدين المزوَّر يقتصر أثره على إزالة مظهرٍ لا وجود له، دون أن يُنشئ للمدَّعى عليه مركزاً لم يكن قائماً له من قبل، ودون أن يُعدم مركزاً كان قائماً بالفعل.

[5]  – قانون رقم 18 لسنة 2020  الصادر بتاريخ 16 / 03 / 2020 نشر بتاريخ 17 / 03 / 2020 في الجريدة الرسمية و يعمل به اعتباراً من 18 / 3 / 2020

[6]راجع تحليل واقعة التسجيل غير المشروع لخطوط الهاتف المحمول في الدراسة المشار إليها بالهامش (١) ، والتي انتهت إلى أن الإخلال بالالتزام بدقة البيانات في هذا المجال ينشئ بذاته مركزاً ظاهراً قد يُستغل لاحقاً في إتمام عمليات تمويل إلكتروني منسوبة زوراً إلى الغير.

[7]د. سمير تناغو، المرجع السابق، ص ٦٧٣ وما بعدها.

[8]المادة (٥٧) من الدستور المصري الصادر سنة ٢٠١٤ وتعديلاته، فيما كفلته من حرمةٍ للحياة الخاصة وسريةٍ للمراسلات والبيانات الشخصية، وقانون حماية البيانات الشخصية رقم ١٥١ لسنة ٢٠٢٠.

زر الذهاب إلى الأعلى