
النصب العقاري وموقف المشرع المصري
بقلم: د. مدحت طلعت _ المحامي
منذ أكثر من عشر سنوات، وقفنا أمام واحدة من أخطر قضايا النصب العقاري في تاريخ مصر الحديث. لم تكن مجرد أخبار في الصحف، بل كانت معركة قانونية كاملة خضناها سطرًا بسطر: قضية شركة «أونست للاستثمار العقاري» ومشروعاتها «سما مارينا، فالي، بيتش».
مشروعات بيعت على أنها حلم سياحي وفندقي، وانتهت بأحكام نهائية وباتة في الشقين الجنائي والمدني، وأحكام بالإدانة بالنصب وبالتعويضات.
بعد مرور عقد من الزمن، فهل تغير شيء؟ هل تدخل المشرع لينظم السوق؟ هل استرد الضحايا أموالهم؟ هل أصبح المشتري أكثر أمانًا؟
للأسف، عدنا إلى نقطة البداية، وعدنا نسأل السؤال الأخطر: إلى أين تتجه سمعة مصر الاستثمارية والعقارية؟
المشهد الثاني: المشرع المدني.. هل أصابه الإعياء؟
هنا يبرز السؤال الموجه إلى فقهاء القانون:
هل لم تعد قواعد القانون المدني وحدها قادرة على حماية مشتري اليوم؟ ولماذا لم نشهد حتى الآن تشريعًا عقاريًا متكاملًا ينظم هذه العلاقة الشائكة؟
الحقيقة أن القانون المدني بطبيعته «قانون علاجي». يتدخل بعد وقوع الضرر، ويعالج بعد أن يكون الحلم قد تحطم. لكن سوق اليوم لا يحتمل هذا التأخير؛ سوق تُدار فيه المليارات بالإعلانات والصور ثلاثية الأبعاد.
المشهد الثالث: قانون حماية المستهلك.. الحارس النائم
في المقابل، لدينا قانون آخر جاء ليغير المعادلة: قانون حماية المستهلك.
هذا القانون لم يصدر عبثًا، بل صدر لأنه اعترف بحقيقة جوهرية: أن العلاقة بين «المطور المحترف» و«المشتري العادي» ليست علاقة متكافئة. فنجد فلسفته مختلفة تمامًا؛ فلسفة وقائية. لا ينتظر أن تقع الكارثة، بل يمنعها قبل أن تحدث.
تأمل معي نص المادة 15:
«لا يجوز الإعلان عن حجز وحدات عقارية، أو التعاقد على بيعها، أو بيع الأراضي المعدة للبناء، أو تقسيمها، إلا بعد الحصول على ترخيص بالبناء وفقًا لأحكام قانون البناء الصادر بالقانون رقم ١١٩ لسنة ٢٠٠٨.
ولا يجوز أن يتضمن التعاقد أي شرط بتقاضي البائع أو خلفه نسبة أو رسومًا أو عمولة من ثمن تصرف المشتري في الوحدة العقارية، أو مقابل هذا التصرف.
ويقع باطلًا كل شرط يخالف ذلك».
وتأمل العقوبة في المادة 69: غرامة تصل إلى مليوني جنيه.
الأهم من ذلك: هذا القانون من النظام العام، أي أنه يقف فوق إرادة الأفراد. لا يجوز الاتفاق على مخالفته. أي أن لدينا في ترسانة التشريع المصري سلاحًا قادرًا على اجتثاث أغلب صور النصب العقاري من جذورها… لكنه ما زال حارسًا نائمًا.
نحن نؤمن بدورنا كقانونيين بأننا لسنا فقط مدافعين عن الحقوق بعد ضياعها، بل شركاء في بناء سوق آمنة قبل أن تضيع.
ولذلك نوجه الرسالة الأخيرة إلى المشرع: لا تنتظروا الضحية القادمة. حماية المشتري اليوم هي حماية للاقتصاد، وحماية لسمعة مصر غدًا.