التهديد بالانتحار عبر وسائل التواصل 

مقال بقلم د. أشرف نجيب الدريني

في الآونة الأخيرة لم يعد الحديث عن التهديد بالانتحار أو التلويح به عبر وسائل التواصل الاجتماعي محض وقائع فردية متفرقة يمكن ردها إلى سياقها الشخصي الضيق، بل أضحت الظاهرة في ذاتها تتكرر على نحو لافت حتى غدت مشاهد البث المباشر أو المقاطع المصورة التي تتضمن إيحاءً أو تصريحا أو تهديدا بالانتحار تتصدر المشهد الرقمي بين الحين والآخر، وكأنها تتحول تدريجيا إلى نمط سلوكي مستحدث يفرض حضوره على الواقع الاجتماعي وعلى مؤسسات الدولة في آن واحد. ولا مراء في أن هذا التنامي المتسارع للظاهرة لم يعد يقف عند حدود الانفعال الفردي، بل امتد أثره إلى المجال العام بما يثير حالة من الاستنفار المجتمعي المستمر ويضع أجهزة التدخل أمام واقع متكرر من التحرك العاجل لإنقاذ حالات تتباين في درجات خطورتها.

 

وفي هذا السياق يثور التساؤل الجوهري: هل نحن بصدد مجرد تعبيرات نفسية انفعالية تندرج تحت مظلة الفضفضة أو الإفصاح عن الضيق، أم أننا إزاء سلوك رقمي بات يستخدم كأداة للضغط أو الاستعطاف أو الاستثارة أو حتى الاستعراض؟ وهل يجوز -في ضوء هذا الواقع المتغير- أن يظل التعامل مع هذه الحالات مرهونا بالإطار التقليدي الضيق الذي يفصل بين الفعل غير المعاقب عليه وبين الفعل المؤثم دون اعتبار لما أحدثته الوسائط الرقمية من تحول جذري في طبيعة الفعل وأثره وامتداده؟

 

ولما كان الأصل المستقر تشريعا وفقها وقضاءً أن الانتحار في ذاته لا يعد جريمة، وأن الشروع فيه كذلك لا يندرج تحت طائلة التجريم فقد تأسس ذلك على فلسفة جنائية قوامها أن المشرع حين واجه هذا السلوك لم يتعامل معه بمنطق الردع العقابي وإنما بمنطق الحماية والرعاية إدراكا منه أن من يبلغ هذه الدرجة من الانهيار النفسي لا يكون محلا للعقاب بقدر ما يكون محلا للتدخل (العلاجي والاجتماعي) وأن إسباغ الصفة الجنائية على هذا الفعل أو مراحله قد يؤدي- لا مناص- إلى نتيجة عكسية تتمثل في الإصرار على الفعل بدلا من العدول عنه.

 

بيد أن هذه الفلسفة على وجاهتها في الإطار التقليدي كانت تفترض بطبيعتها أن الفعل يتم في نطاق خاص أو شبه خاص بعيدا عن العلانية المؤثرة. أما وقد انتقل التلويح بالانتحار أو التهديد به إلى (فضاء علني مفتوح) عبر وسائل التواصل الاجتماعي وبصورة متكررة أحيانا وممنهجة أحيانا أخرى، فقد تغيرت طبيعة الظاهرة من حيث الأثر الاجتماعي دون أن يتغير وصفها القانوني التقليدي وهو ما يخلق فجوة بين الواقع المتحرك والنصوص المستقرة.

 

وآية ذلك أن ما نشهده اليوم لم يعد مجرد لحظة انفعال فردي معزولة بل أصبح في كثير من الحالات سلوكا علنيا يبث أمام جمهور غير محدد ويصاحبه تفاعل لحظي قد يتراوح بين التعاطف والسخرية والاستفزاز، بما يؤدي إلى إعادة تشكيل (الحالة النفسية) لصاحب البث ذاته، انتقالا من التردد إلى (الإصرار) أو من التلميح إلى التقارب مع الفعل. وهنا لا يعود الأمر مجرد شأن خاص بل يمتد أثره إلى المجال العام ويستدعي تدخلا عاجلا من الجهات المختصة، بما يستنزف طاقات مؤسسية لا يستهان بها.

 

ومن ثم، فإن الإشكالية لا تنصرف إلى مساءلة فكرة الانتحار ذاتها ولا إلى إعادة تجريمها وإنما تتعلق بمدى جواز بقاء كل صور التهديد أو التلويح به في الفضاء الرقمي خارج أي إطار للمساءلة القانونية. لا سيما وأن التفرقة الدقيقة تقتضي التمييز بين صورتين متباينتين:

 

الصورة الأولى: التهديد العفوي غير المؤثر، وهو ما يصدر عن الشخص في لحظة انفعال أو ضيق نفسي، في شكل عبارات عامة غير محددة دون اقترانها بمظاهر جدية أو سلوكيات تنفيذية أو تكرار مقصود ودون أن تتخذ طابعًا علنيا مؤثرا. وهذه الصورة، لا جدال من اعتبارها في دائرة التعبير النفسي المجرد الذي لا يرقى إلى مرتبة السلوك الجنائي لانتفاء الخطورة القانونية وعدم تحقق الأثر الاجتماعي المعتبر.

أما الصورة الثانية: فهي السلوك العلني المؤثر عبر الفضاء الرقمي وهو كل استخدام لفكرة الانتحار أو التهديد به على نحو علني متكرر أو منظم أو تفاعلي بما يؤدي إلى استنفار عام أو إثارة فزع أو استدعاء تدخلات عاجلة أو إحداث ضغط نفسي ممتد على الجمهور أو توظيف هذه الفكرة كوسيلة للتأثير أو الاستقطاب أو جذب الانتباه. وفي هذه الحالة، فإن الأمر يخرج من نطاق التعبير الفردي إلى نطاق السلوك المستقل ذي الأثر العام بما لا يسوغ معه الإبقاء عليه في فراغ قانوني كامل وإلا كان ذلك إهدارا لمقتضيات السياسة الجنائية الحديثة، التي لم تعد تقف عند حد الفعل المكتمل بل تجاوزته إلى ضبط صور السلوك الخطر قبل اكتماله.

 

وليس من قبيل المبالغة القول إن الإبقاء على هذا النمط من السلوك دون إطار قانوني منضبط يؤدي إلى فراغ تشريعي غير مقبول، إذ يصبح المجتمع في حالة استنفار دائم وتتحول أجهزة الدولة إلى حالة متابعة فردية لكل واقعة بث مباشر أو تهديد علني دون وجود معيار قانوني واضح يحدد متى يكون الفعل مجرد انفعال، ومتى يصبح سلوكا خطرا قابلا للمساءلة. ومن ثم، لا يجوز الخلط بين أمرين متمايزين: أولهما عدم تجريم الانتحار والشروع فيه، تأسيسا على فلسفة حماية الإرادة المنهارة، وثانيهما الاستخدام العلني لفكرة الانتحار في الفضاء الرقمي بوصفه سلوكا مؤثرا في المجال العام. فالأول يظل محكوما باعتبارات إنسانية بحتة، أما الثاني فيرتبط باعتبارات النظام العام وحماية المجتمع من الأثر الممتد للسلوك الرقمي غير المنضبط.

 

ولا مراء -في ضوء هذا التحليل- من إعادة النظر في التكييف القانوني لهذه الصور المستحدثة، بما يسمح بتمييز دقيق بين التعبير النفسي غير المؤثر وبين السلوك العلني الذي يجاوز حدوده ليصبح فعلا ذا خطورة اجتماعية، لا من حيث النتيجة النهائية فقط ولكن من حيث أثره الممتد في الفضاء العام. أن المسألة لم تعد تدور حول تجريم الألم الإنساني أو مساءلة من تضيق به الحياة وإنما تدور حول ضبط حدود استخدام هذا الألم في المجال العام حتى لا يتحول إلى أداة ضغط أو استنفار أو تأثير غير منضبط. فالقانون -في نهاية المطاف- لا يُطلب منه أن يقسو على الإنسان بل أن يضع لكل سلوك حدوده وأن يوازن بين حماية الفرد من نفسه وحماية المجتمع من أثر الفعل حين يخرج من دائرة الخصوصية إلى فضاء العلن، حيث لا يعود مجرد صرخة مكتومة. والله من وراء القصد.

زر الذهاب إلى الأعلى