الإبلاغ عن الجرائم عبر القنوات الرسمية.. مسؤولية مجتمعية

بقلم: عصام الدين جاد

ليست هذه السطور قراءةً قانونية فحسب، بل هي نظرة أخلاقية للتصرفات – السلوكيات الفردية الخاطئة – ، لأن ما يشغل بالنا بقوة الآن هو ما وصل إليه بعض الأشخاص من نشر الفيديوهات المختلفة، والذي يسميه البعض “بلاغات” لكن ذلك الأمر يفسد معاني الخصوصية والأمان، فضلًا عن تشويه السمعة، ونرى أن له خمسة أوجه وآثار:

أولًا: الإساءة إلى الفرد، سواء أكان فاعلًا أم مفعولًا به من وجهة نظر الناشر، وذلك من خلال نقض قرينة البراءة في حق الفاعل، والتشهير بالمجني عليه.

ثانيًا: الإضرار بأسرة الطرفين، من خلال المساس بكياناتهم الاجتماعية والاقتصادية دون أن يكون لهم يد في تلك الأفعال.

ثالثًا: التأثير على النظرة العامة للمجتمع، بما قد يُشكل صورةً عكسية عن انتشار الجرائم.

رابعًا: استمرار النزاع بين الأطراف.

خامسًا: الارتباط الطردي بين زيادة نشر الفيديوهات وارتفاع معدل الجرائم المماثلة، دون أن يكون لذلك أثر حقيقي.

 

فالمشرع الدستوري قرر حمايةً مجردةً وغير مشروطة للحياة الخاصة، من خلال نص المادة (57) من الدستور المصري، التي تنص على أن: “للحياة الخاصة حرمة، وهي مصونة لا تُمس…”

ونرى أن المُشرّع عندما صاغ الدستور، تناول هذا النص درءًا لأي خرق للخصوصيات، فقد جاء النص دقيقًا في ألفاظه.

وقد وضع المُشرّع الدستوري قرينة البراءة لكل شخص وفقًا لما للمادة (96) من الدستور التي نصت على أن: “المتهم بريء حتى تثبت إدانته في محاكمة قانونية عادلة، تكفل له فيها ضمانات الدفاع عن نفسه…”.

وأردع المُشرّع في قانون العقوبات والقانون المكمل تلك التصرفات، من خلال تجريم أفعال حددها.

فقد نصت المادة (309) مكرر على أنه: “يُعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة كل من اعتدى على حرمة الحياة الخاصة للمواطن، وذلك بأن ارتكب أحد الأفعال الآتية في غير الأحوال المُصرَّح بها قانونًا أو بغير رضاء المجني عليه:

(أ) استرق السمع أو سجل أو نقل عن طريق جهاز من الأجهزة أيًا كان نوعه، محادثات جرت في مكان خاص أو عن طريق التليفون.

(ب) التقط أو نقل بجهاز من الأجهزة أيًا كان نوعه، صورة شخص في مكان خاص…”.

وأرست المحكمة العُليا في قضائها بالطعن رقم 1955 لسنة 88 ق الصادر بجلسة 11 / 10 / 2020 ماهية المكان الخاص والقصد في تلك الجريمة بأن:

“استلزم أن يكون التقاط الصور في مكان خاص لكن المُشرّع لم يشأ أن يورد تعريفًا محددًا للمكان الخاص أو أن يقرنه بمدلول معين، وكان المكان الخاص هو المكان المغلق الذي لا يُسمح بدخوله للخارجين عنه، أو الذي يتوقف دخوله على إذن لدائرة محدودة صادر ممن يملك هذا المكان أو من له الحق في استعماله أو الانتفاع به أو يحول دون الاطلاع ممن يوجدون في خارجه على ما يجري بداخله، وكان القصد الذي يتطلبه الشارع في جريمة الاعتداء على حرمة الحياة الخاصة المنسوبة إلى الطاعن والمعاقَب عليها بنص المادة (309) مكرر من قانون العقوبات هو القصد العام الذي يتحقق بمجرد ارتكاب الفعل المادي وتستوي البواعث التي دفعت المتهم إلى فعله، وأن مجرد الاعتداء على حرمة الحياة الخاصة بالتقاط بجهاز من الأجهزة أيًا كان نوعه، صورة شخص في مكان خاص يُفترض فيه القصد إذا ما توافر عنصراه العلم والإرادة”.

أما القانون الآخر..

فقد نصت المادة (25) من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات التي نصت على أن: “يُعاقَب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر، وبغرامة لا تقل عن خمسين ألف جنيه ولا تجاوز مائة ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من اعتدى على أي من المبادئ أو القيم الأسرية في المجتمع المصري أو انتهك حرمة الحياة الخاصة، أو أرسل بكثافة العديد من الرسائل الإلكترونية لشخص معين دون موافقته، أو منح بيانات شخصية إلى نظام أو موقع إلكتروني لترويج السلع أو الخدمات دون موافقته، أو نشر عن طريق الشبكة المعلوماتية أو بإحدى وسائل تقنية المعلومات معلومات أو أخبارًا أو صورًا وما في حكمها، تنتهك خصوصية أي شخص دون رضاه، سواء كانت المعلومات المنشورة صحيحة أو غير صحيحة”.

وقد بينت محكمة النقض القصد الجنائي المعاقب عليه في المادة (25) من قانون مكافحة جرائم تكنولوجيا المعلومات في حكمها في الطعن رقم (6508) لسنة 94 ق بجلسة 11 / 2 / 2025 والذي أرسى أن: “القصد الجنائي الذي يتطلبه الشارع في جريمة انتهاك حرمة الحياة الخاصة المنسوبة إلى الطاعن والمعاقب عليها بنص المادة (25) من القانون رقم 175 لسنة 2018 بشأن تقنية المعلومات، هو القصد العام الذي يتحقق بمجرد ارتكاب الفعل المادي، وتستوي البواعث التي دفعت المتهم إلى فعله، وأن مجرد انتهاك حرمة الحياة الخاصة للمجني عليه بنشر المنشورات التي تمس الحياة الخاصة بالمجني عليه وتنتهك خصوصيته دون رضاه، وبما ينتهك خصوصيته يُفترض فيه القصد إذا ما توافر عنصراه العلم والإرادة، وإذ كان الحكم المطعون فيه قد استظهر ثبوت الفعل المادي لجريمة انتهاك حرمة الحياة الخاصة بغير رضاء المجني عليه بما مفاده نشر الطاعن المنشورات التي تمس الحياة الخاصة وتنتهك خصوصيته في شبكة التواصل الاجتماعي، وتساند في قضائه إلى أدلة منتجة من شأنها أن تؤدي إلى ما انتهى إليه، ومن ثم فإن النعي على الحكم في هذا الخصوص يكون غير سديد”.

ويتأكد أن ما ينشره بعض “عامة الناس” من خلافاتهم أو خلافات الآخرين ليست إلا أفعال تمس حياتهم الخاصة وحريات الآخرين بما يؤثر على سلامتهم وسلامة الآخرين، متناسين أن القانون أعطى لهم إمكانية الإبلاغ بنصّ قانون الإجراءات الجنائية الجديد في مادته رقم (29)، وهي المادة نفسها رقم (25) من قانون الإجراءات الجنائية -الساري حتى نهاية سبتمبر 2026- والتي نصت على أن: “لكل من علم بوقوع جريمة يجوز للنيابة العامة رفع الدعوى عنها بغير شكوى أو طلب، أن يبلغ النيابة العامة أو أحد مأموري الضبط القضائي عنها”.

وإذ كانت رغبتنا من كتابة تلك السطور من أجل ضبط التصرفات الخاصة ببعض المواطنين، الذين يظنون أن صنيعتهم من نشر المقاطع المرئية للعامة هي فعل حميد، ولكننا نرى عكس ذلك، إذ إن هذا التصرف فعل ظاهره حميد لكن باطنه مسيء، حتى إن كان فاعله لم تظهر عليه تلك البواطن، لأن من يتضرر ليس فاعل هذا التصرف وليس الجاني والمجني عليه ولا حتى أسرته فقط، بل المجتمع بأسره لما يوصم به من أفعال يراها الأجانب على أنها تصرفات اتسم بها الكثيرون في مجتمعنا، وهي في الحقيقة تصرفات فردية أو بنسب قليلة، فمجتمعنا المصري مليء بالخير وتصرفاته وإنجازاته عظيمة.

ويدل ما سبق على أن المُشرّع حاول أن يحمي المجتمع من أخطاء تصرفات البعض، فأقام الردع الكافي من خلال وضع النصوص العقابية التي تكف هذه التصرفات، فإن هذه التشريعات تصون حريات وحقوق الأشخاص.

يضاف إلى ذلك جهود الشرطة التي تؤدي واجبها على أكمل وجه من خلال ضبط الجناة وتنفيذ الأحكام بما يوفر الأمن، وكذلك الإعلام بذراعيه الصحفي والمرئي الذي يؤدي دوره في نشر الوعي عبر القنوات المختلفة.

وما نتمناه من الجهات الإعلامية هو زيادة نشر طرق الإبلاغ من خلال تقديمها إلى الشرطة أو النيابة العامة الموقرة… آملين من الله حفظ وطننا الغالي ومواطنيه من كل شر وسوء.

زر الذهاب إلى الأعلى