امتداد اتفاق التحكيم للغير في عقود المقاولات وأثره على مبدأ النسبية

بقلم الدكتور/ محمد طرفاوي محمد المحامى

يعد التحكيم من أهم مظاهر العصر الحديث حيث ساهم في مجالات التجارة الدولية في ظل الانفتاح العالمي والعولمة مما أدي إلى ضرورة إيجاد وسائل بديلة لتسوية المنازعات بدلا من المحاكم الوطنية التي يتسم عملها بالبطيء الشديد لأسباب متعددة، كما أن التحكيم ساهم في إيجاد حلول لمشكلات أخرى كالقواعد الموضوعية المطبقة فظهرت قاعدة الإسناد، ساهمت هذه الأفكار في تطور التجارة العالمية لاسيما مع سهولة تسوية المنازعات.

التحكيم كفكرة ليست جديدة فقد بدأ التحكيم منذ قديم الأزل بأشكال متنوعة بداية من التحكيم في العصور القديمة كالحضارة الاغريقية والرومانية ومروراً بالعصور الوسطي بفرنسا وانجلترا ونهاية بالعصر الحديد منذ عهد عصبة الأمم (في ذات المعني دكتور/ جمال أحمد هيكل، الاتفاق على التحكيم بين الإجراء والموضوع، دار الفكر الجامعي، الإسكندرية – سنة 2016، صفحة 21) وأكدت تلك الأهمية الأمم المتحدة بإنشاء مجموعة عمل انتهت إلى صياغة قانون نموذجي للتحكيم عام 1974 ومازالت تلك القواعد تتطور سنوياً حتى الأن (قواعد الأونسيترال للتحكيم الصادرة عن الأمم المتحدة) فقد روعي في تلك القواعد سرعة المعاملات التجارية فقد كان من صالح ازدهار التجارة الدولية أن يحتل نظام التحكيم مكانة متميزة بدلاً عن القضاء لسهولة إجراءات الدعوى التحكيمية وتوافر المرونة – للمحكم – في تحديد القانون الواجب التطبيق على النزاع إذا لم يتفق أطراف النزاع على تحديده( في ذات المعني دكتور/ محمود سمير الشرقاوي ، التحكيم التجاري الدولي، دار النهضة العربية، القاهرة، سنة 2011، صفحة 4،5).

تقوم فكرة التحكيم على اتفاق بين أطرافه على اللجوء إليه كوسيلة لتسوية النزاع بديلاً عن القضاء الوطني ومن هذا المنطلق ظهرت قاعدة نسبية أثر شرط التحكيم فلا ينفع ولا يضر إلا عاقديه كالعقد تماما، فقد نصت المادة رقم (1) من القانون النموذجي على أنه” إذا اتفق الأطراف على إحالة ما ينشأ بينهم من منازعات بشأن علاقة قانونية محددة، تعاقدية كانت أم غير تعاقدية، إلى التحكيم بمقتضى قواعد الأونسيترال للتحكيم، سويت تلك المنازعات عندئذ وفقا لهذه القواعد رهناً بما قد يتفق عليه الأطراف من تعديلات”؛ (وقد سايرت معظم التشريعات الوطنية للتحكم هذا الاتجاه في تحديد ونشأة شرط التحكيم) ولكن أجبرت التطورات العالمية في مجال التجارة الدولية على خرق هذه القاعدة فظهر استثناءً مفاده أن شرط التحكيم قد يمتد إلى الغير في حالات ظهرت نتيجة لتنفيذ بعض العقود، ففي حالة مجموعة العقود يمكن أن يرد شرط التحكيم في واحد منها ولكنه لا يرد في الأخر ومن هنا ظهرت فكرة الامتداد كاستثناء على الأصل العام المقرر بنسبية أثر شرط التحكيم.

تواترت المشكلات الناتجة عن نسبية أثر اتفاق التحكيم فالنسبية تعني أن الالتزام لا ينصرف إلا إلى العاقدين ولا يحتج به على الغير ، ورغم محاولة هيئات التحكيم للتصدي لهذا الأثر السالب لاختصاص التحكيم إلا أن الموضوع لم يحصل على أهمية علمية في البحث والتدقيق بدراسات تأصيلية للوقوف على حالا قبول أو رفض أو أدخال خصوم جدد بالدعوى التحكيمية.

وقد تطورت العقود بشكل متسارع وأدي ذلك إلى احتمالية دخول الغير في عقد دون أن يكون طرفاً فيه فقد يرتبط بأحد طرفي العقد بعقد تابع أو ناتج عن العقد الأصلي، كعقد المقاولة فحال الاتفاق بين رب العمل والمقاول الأصلي بموجب عقد المقاولة على تسوية المنازعات من خلال التحكيم وهنا لا تثور أي مشكلة في تحديد أطراف التحكيم إلا أن المقاول الأصلي قد يتعاقد مع مقاول من الباطن بموجب عقد مقاولة من الباطن ومن ثم فتنفيذ العقد التابع (المقاولة من الباطن) جزء من تنفيذ العقد الأصلي كذلك تابع لهذا العقد كما أن المقاول من الباطن يلتزم تجاه رب العمل بالتزامات وقد لا يتم الاتفاق على التحكيم في هذا العقد فهل يلتزم المقاول من الباطن باتفاق التحكيم رغم كونه من الغير ولم يكن ممثلاً بالعقد الأصلي؟

نطرح في هذا المقال فكرة عقد المقاولة كونه يرتبط بعقود الانشاءات الدولية ومجال البحث في فكرة امتداد اتفاق التحكيم إلى الغير أوسع وبه أفكار أخرى متعددة إلا أن هذه الصورة الأكثر انتشاراً في الوقت الحالي.

أورد استاذنا الدكتور فتحي والي في كتابه قانون التحكيم أنه” اذا حدث حلول في الالتزام فإن الحلول يتضمن حلولاً في شرط التحكيم ولهذا فإنه ان قام شخص من الغير بوفاء الدين وحل محل الدائن المستوفى حقه في دعواه ضد المدين، فإن هذا الغير سواء كان حلوله بنص القانون أو باتفاق بينه وبين الدائن أو المدين يتقيد باتفاق التحكيم بين الدائن والمدين، فيحل محل الدائن في هذا الاتفاق عند رجوعه بالحق على المدين حالّا محل الدائن في حقه” )الدكتور فتحي والي، قانون التحكيم في النظرية والتطبيق، الطبعة الأولى 2007، منشأة المعارف بالإسكندرية، ص 167-168( وفي موضع أخر أكد أنه” لا مشكلة اذا كان رجوع أحد طرفي العقدين على الطرف في العقد الآخر بالدعوى غير المباشرة، وكان العقد الآخر يتضمن شرط تحكيم، إذ عندئذٍ يكون الدائن مستعملاً حق مدينه الناشئ عن عقد يتضمن شرط تحكيم، ويلتزم الدائن بهذا الشرط الذي يقيد حق مدينه.” (الدكتور فتحي والي، الوسيط في التحكيم الوطني والتجاري الدولي، المرجع السابق، ص 317 ).

مفاد ما تقدم أننا نقف أمام حالتين مختلفتين:

الحالة الاولي: حالة استعمال حقوق المدين بموجب الدعوى غير المباشرة في عقد المقاولة.

يمكن تعريف الدعوى غير المباشرة بأنها سلطة مقررة للدائن في استعمال حقوق مدينه باسم هذا المدين، والهدف من الدعوى غير المباشرة حماية الدائنين من إهمال المدين في المطالبة بحقوقه فيتقرر لهؤلاء الدائنين –بمقتضى الدعوى غير المباشرة- نيابة قانونية في المطالبة بحقوق مدينهم وما يترتب على ذلك من إدخال هذه الحقوق في الذمة المالية لمدينهم وزيادة ضمانهم العام.( د/ محمد طرفاوى محمد، شرط الاحتفاظ بالملكية في البيوع العقارية، رسالة دكتوراه، كلية الحقوق جامعة القاهرة، سنة 2021، صفحة 273 وما بعدها).

تقوم الدعوى غير المباشرة على شروط متعلقة بالدائن وشروط متعلقة بالمدين وشروط متعلقة بالحق محل الدعوى، والفكرة الأساسية التي ترد إليها هذه الشروط جميعا هي وجود مصلحة مشروعة للدائن؛ ومصلحة الدائن المشروعة هي التي تبرر نيابته عن المدين، وهذه هي الفكرة الأساسية الأخرى التي تُرَدُ إليها آثار الدعوي غير المباشرة؛ فعلي هاتين الفكرتين الأساسيتين – وجود مصلحة مشروعة للدائن ونيابة الدائن عن المدين – تدور جميع القواعد المتعلقة بالدعوي غير المباشرة. (د/ عبدالرزاق أحمد السنهوري- الوسيط في شرح القانون المدنى- تنقيح المستشار/ أحمد مدحت المراغى- الجزء الثانى أحكام الالتزام- طبعة دار الشروق- سنة 2010- فقرة 529-ص 930) .

وعطفاً على ما تقدم فلا تثور أي مشكلة في هذه الحالة إذ أن الدائن (المقاول من الباطن) يستعمل حقوق مدينه من أجل الحفاظ على الضمان العام وفي النهاية يستعمل تلك الحقوق في إطار الالتزامات المتبادلة بين المدين (المقاول الأصلي) والغير (رب العمل) وحال استعمال تلك الحقوق بموجب أحكام عقد المقاولة الأصلي المتضمن لاتفاق التحكيم فلا فإن سلطة مقاول الباطن تتقيد بهذا العقد ومن ثم ينتقل إليه شرط التحكيم ويلتزم به كونه في الأساس لا يستعمل حقاً مقرراً له بل يحاول حماية الضمان العام.

كذلك الحال حال حلوله محل المقاول الأصلي فالحق ينتقل بضوابطه كما عرض استاذنا الدكتور/ فتحي والي فلا يجوز للمقاول من الباطن حال انتقال حقوق المقاول الأصلي إليه أن يتحلل من اتفاق التحكيم لكون العقد ينتقل إلى المقاول من الباطن من المقاول الأصلي بما له من حقوق وما عليه من التزامات وبذات الشروط الواردة فيه ومن ثم يلتزم المقاول من الباطن في هذه الحالة باتفاق التحكيم.

الحالة الثانية: حالة استعمال المقاول من الباطن لحق شخصي (الدعوى المباشرة):

الدعوى المباشرة هي استعمال الدائن (المقاول من الباطن) لحق شخصي له في ذمة مدين مدينه (رب العمل) نظراً للطبيعة الاستثنائية لهذه الدعوى فالأصل أن العقود لا تسرى إلا في مواجهة طرفيها فهي وسيلة لا تقرر إلا بنص قانوني ذلك لأن دعوى الدائن في هذه الحالة تعود بالنفع عليه دون جماعة الدائنين ذلك أن العقد (خروجاً على القواعد العامة) أنشأ حقاً للدائن في ذمة مدين مدينه وجعل له سبيلاً مباشراً إلى هذا الحق دون أن يكون طرفاً في العقد ونتيجة لما تقدم فإن الضرورة تقدر بقدرها وعليه أورد المشرع في القانون المدني المصري حالات محددة للدعوى المباشرة لا يجوز القياس عليها ولا التوسع فيها إذ وردت على سبيل الحصر. (د/ عبدالرزاق أحمد السنهوري – المرجع السابق – الجزء الثاني – فقرة 555 ص 910)

تنص المادة (662) من القانون المدني على أن”  1ـ يكون للمقاولين من الباطن وللعمال الذين يشتغلون لحساب المقاول في تنفيذ العمل، حق مطالبة رب العمل مباشرة بما لا يجاوز القدر الذي يكون مدينا به للمقاول الأصلى وقت رفع الدعوى، ويكون لعمال المقاولين من الباطن مثل هذا الحق قبل كل من المقاول الأصلى ورب العمل.

٢ – ولهم في حالة توقيع الحجز من أحدهم تحت يد رب العمل أو المقاول الأصلي امتياز على المبالغ المستحقة للمقاول الأصلي أو للمقاول من الباطن وقت توقيع الحجز، ويكون الامتياز لكل منهم بنسبة حقه.

ويجوز أداء هذه المبالغ إليهم مباشرة.

٣ – وحقوق المقاولين من الباطن والعمال المقررة بمقتضى هذه المادة مقدمة على حقوق من ينزل له المقاول عن دينه قبل رب العمل.

ناقش العلامة الأستاذ الدكتور عبدالرزاق أحمد السنهوري شرحاً تفصيلياً لذلك فأورد أن” هذا النص يعطي الحق لعمال المقاول والمقاولين من الباطن في المطالبة بما لهم في ذمة المقاول الأصلي من رب العمل ويكون ذلك في حدود ديون المقاول الأصلي لهم فإن كانت مساوية لما له في ذمة رب العمل أُخذت كاملة ولو كانت أقل أخذ المدعون بنسبة دين كل منهم وإن كانت أكثر لا يحق لهم إلا المطالبة بما لهم فقط وهذا الحق مقرر بنص قانوني ومن ثم تكون المطالبة به في هذا الإطار فلئن كان العقد هو سبب الالتزام إلا ان مصدره الأصلي جاء من القانون بحق مباشر للدائن وعليه لا يتقيد باتفاق التحكيم ويجوز له المطالبة بموجب دعوى أمام القضاء إذ لا ينتقل اتفاق التحكيم في هذه الحالة ولا يقبل من رب العمل التمسك به.

ويتساند ذلك مع استقلالية اتفاق التحكيم فهو اتفاق يلزم أطرافه ويستقل عن العقد الأصلي والعقود الأخرى ولو كانت تابعة له، وفي ذلك قضت محكمة النقض المصرية بأن ” المقرر – في قضاء محكمة النقض – أن النص في المادة 23 من قانون التحكيم رقم 27 لسنة 1994 بأن “يعتبر شرط التحكيم اتفاقا مستقلا عن شروط العقد الأخرى ولا يترتب على بطلان العقد أو فسخه أو إنهائه أي أثر على شرط التحكيم الذي يتضمنه إذا كان هذا الشرط صحيحا في ذاته” يدل على أنه أحد القواعد الأساسية التي تعتبر من ركائز التحكيم، وهي استقلال شرط التحكيم الذي يكون جزءا من عقد عن شروط هذا العقد الأخرى، بحيث لا يعيبه ما قد يصيب العقد من جزاء الفسخ أو أسباب البطلان أو إنهائه، ومن ثم ففسخ العقد الأصلي أو بطلانه أو إنهاؤه لا يمنع من إنتاج شرط التحكيم لآثاره طالما هو صحيح في ذاته، ومؤدى ذلك أن اتفاق التحكيم سواء كان منفصلا في هيئة مشارطة التحكيم أو في بند من بنود العقد الأصلي فإنه يتمتع باستقلال قانوني بحيث يصبح بمنأى عن أي عوار قد يلحق الاتفاق الأصلي يترتب عليه فسخه أو بطلانه، وإذ خالف الحكم المطعون فيه هذا النظر وانتهى في قضائه إلى بطلان حكم التحكيم لانتهاء عقدي النزاع وعدم وجود اتفاق جديد على التحكيم، في حين أن شرط التحكيم الوارد بهذين العقدين صحيح في ذاته، وبالتالي يكون بمنأى عن أي عوار قد يلحق الاتفاق الأصلي، بما يعيبه بمخالفة القانون والخطأ في تطبيقه“. (الطعن 15364 لسنة 82 ق جلسة 14 / 6 / 2015 مكتب فني 66 ق 132 ص 872)

خاتمة القول:

أن اتفاق التحكيم مُلزم لأطرافه ولا ينتقل إلى الغير إلا في حالات استثنائية وفي حالة عقد المقاولة فلا ينتقل اتفاق التحكم إلى الغير إلا في حالة استعمال الدعوى غير المباشرة كونه المدعى فيها يستعمل حقوق مدينه لصالح الضمان العام ويتقيد بالعقد كذلك في حالة انتقال الحقوق إلى المدعى حيث ينتقل الحق محملاً بأحكامه وشروطه، امام في حالة الدعوى المباشرة فلا يتقيد المقاول من الباطن باتفاق التحكيم لاستقلالية اتفاق التحكيم ولاعتبار القانون هو مصدر المسئولية لحقه في المطالبة عملاً بنص المادة (662) من القانون المدني.

وبالأخير فإن مسألة أثر اتفاق التحكيم على الغير متشعبة ومتعددة الفروض والحالات وقد حاولت في هذا المقال طرح أحد الصور على أن يتم طرح صور أخرى في مقالات قادمة كحالة المجموع من العقود وحالة اتحاد الكونسورتيوم وحالة الاشتراط لمصلحة الغير والتعهد لحساب الغير وجميعها حالات تفرض نفسها على بساط البحث في مسألة انتقال أثر اتفاق التحكيم.

 

 

 

 

 

 

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى