استرداد تمثال نفرتيتي

المستشار الدكتور محمد سمير

تمهيد:

تعد مصر الدولة الوحيدة في العالم التي يوجد لها آثار ضخمة مودعة في جميع متاحف العالم تقريبًا بل إننا نجد أن معابد ومقابر كاملة نقلت من مصر إلى مختلف الدول، ورأى البعض منذ القدم أن خروج الآثار من مصر كفل لتلك الآثار الشهرة والحماية من التخريب وفي ذلك تقرر الليدي ” دوف جوردن ” التي أقامت في مصر سبع سنوات في القرن التاسع عشر في إحدى الرسائل لزوجها ورد فيها أنها تهديه تمثال أسد أثري (لقد سرقته من أحد المعابد … فقد وجدتهم يستخدمونه موطئًا لأقدامهم كي يعتلوا حميرهم )، ومازال البعض يعتقد صحة هذا الرأي، بيد أننا نرى عدم صوابه، فالشعب المصري أصبح لديه وعي كبير بأهمية الآثار وضرورة الحفاظ عليها وترميمها وصيانتها واسترداد ما سلب منها، واتضح ذلك بجلاء في عدة خطوات أبرزها تعديل قانون حماية الآثار في عام 2010، وفي ظل إنشاء وزارة للآثار في 29 يناير سنة 2011 التي أصبحت الآن وزارة السياحة والآثار، ثم في دستور 2014 الذي أكدت نصوصه على أهمية الآثار ووجوب حمايتها واسترداد ما نهب منها وهو أول دستور في مصر ينص على ضرورة الحفاظ على الآثار، ثم تعديل القانون مرة أخرى في غضون عام 2018، وكذلك في عام 2020. ويبدو من ذلك رغبة صادقة في حماية هوية الدولة المصرية وتاريخها وحضارتها.

والواقع أن استرداد الآثار يعد نوعًا من إصلاح الضرر المترتب على الجريمة، إذ أن أكثر الجرائم جسامة هي تهريب الآثار بتغريبها عن وطنها وحرمان جموع الشعب من حضارة وتاريخ أجداده، فهو أمر بالغ الأهمية إذ يتعلق بهوية الأمة وتاريخها وثقافتها. ولذلك فإن استرداد الآثار يعد أمرًا هامًا جدًا للدولة مالكة الأثر بل للإنسانية جمعاء، والتي تأبى نهب التراث الأثري والحضاري لشعب من الشعوب، فضلاً عن كون الآثار تراثًا مشتركًا للإنسانية، من حقها التمتع برؤيته في مكانه الأصلي وبيئته التي ظل فيها آلاف السنين. والاسترداد قد يتم بواسطة الطرق الدبلوماسية أو إقامة دعوى بالاسترداد أو اللجوء إلى التحكيم. ويقصد بالاسترداد بصفة عامة خاصية يتمتع بها مالك الأثر تخوله تتبع الأثر والمطالبة بإعادته إلى حوزته.

ولذلك فقد نصت المادة 12 من اللائحة التنفيذية لقانون حماية الآثار المصري رقم 117 لسنة 1983 على أن ” الآثار التي اعتبرت أموالاً عامة. سواء كانت عقارية أو منقولة. لا يجوز للغير تملكها بالتقادم أو التصرف فيها. وفي جميع الأحوال، لا يجوز إخراج الآثار المنقولة من البلاد بأية صورة كانت بالمخالفة لأحكام القانون، ويتعين على المجلس في حالة خروجها بطرق غير مشروعة استعادتها بكافة الوسائل والسبل القانونية والقضائية والدبلوماسية من خلال المجلس ولجانه الفنية القانونية، وفقًا لأحكام القانون والاتفاقيات الدولية ذات الصلة “.

وتختلف أنواع السياحة في العالم إلى سياحة ترفيهية وسياحة علاجية وسياحة دينية وسياحة ثقافية وعمادها الآثار، والنوع الأخير إذا ما تم استغلاله على النحو الأمثل كفيل بأن يجعل مصر الدولة الأولى في العالم في السياحة الثقافية نظرًا لضخامة كم الآثار الموجودة بها وتنوعها. ولاسترداد الآثار تأثير عميق على السياحة، ومن ثم على اقتصاد الدولة فاسترداد أثر هام له تأثيره البالغ على السياحة وبالتبعية على الاقتصاد، وهو ما حدث فعلاً عند استرداد مصر لمومياء الملك رمسيس الأول من الولايات المتحدة الأمريكية. وأضحى استرداد الآثار بعد صدور دستور 2014 من الحقوق الدستورية، إذ نصت المادة 49 منه على أن ” تلتزم الدولة بحماية الآثار والحفاظ عليها، ورعاية مناطقها، وصيانتها، وترميمها، واسترداد ما استولي عليه منها، وتنظيم التنقيب عنها والإشراف عليه. ويحظر إهداء أو مبادلة أي شيء منها. والاعتداء عليها أو الاتجار فيها جريمة لا تسقط بالتقادم “. ومن ثم فإن استرداد الآثار من الواجبات الملقاة على عاتق الدولة التي تلتزم بتنفيذها. ومن أهم الطرق التي يتم بموجبها استرداد الآثار هي دعوى الاسترداد، والتحكيم والطرق الدبلوماسية. والواقع أن مسألة تهريب الآثار إلى الخارج أصبحت من الأمور التي تؤرق الدولة المصرية وتهدد حضارتها، إذ ترك المصريون القدماء من الآثار والفنون المختلفة ما يفوق في قيمته وعدده سائر الحضارات الأخرى، ومن هذا المنطلق حرصت الدولة على استرداد آثارنا التي تم سرقتها وتهريبها للخارج بطرق غير شرعية، ومتابعة كل ما ينشر عن تلك الآثار بصالات المزادات العالمية والمتخصصة في بيع القطع الأثرية عن طريق الإنترنت لاتخاذ الإجراءات اللازمة لاستردادها وعودتها إلى أرض الوطن، فضلاً عن موقف الدولة الحاسم بوقف أي تعاون مع أي جهة علمية أو متاحف بالخارج تتعامل مع لصوص الآثار المصرية. وقد تم استرداد أكثر من ثلاثة آلاف وخمسمائة قطعة أثرية خلال الفترة من عام 2002 حتى عام 2006.

أهمية الموضوع:

لاسترداد الآثار أهمية بالغة إذ أن من شأنها الحفاظ على التراث الأثري والحيلولة دون ضياعه واستنزافه، ومما لا ريب فيه أنه لولا الجرائم التي ترتكب في حق الآثار والتي يتم بموجبها الاستيلاء عليها وتهريبها إلى الخارج ما كان الاسترداد، فإذا لم يغادر الأثر الوطن لا يتصور أن يكون ثمة حديث عن الاسترداد، ومن ثم فإنه يتعين اتخاذ كافة ما يلزم نحو مكافحة الجريمة الأثرية للحيلولة دون وقوعها بداءة. ومن جهة أخرى تشديد العقوبات المقررة للجرائم المذكورة حتى تحقق الردع الذي يكفل حماية حقيقية للآثار بما يحول دون مغادرتها لحدود الوطن. ومن ثم تبدو أهمية دراسة استراد الآثار من خلال بحث أسباب هذه الظاهرة وهي الجريمة بصفة أساسية والتي استفحلت في الآونة الأخيرة، ومشكلاتها ونحاول من خلالها وضع الحلول المناسبة لعلاج الظاهرة المذكورة.

شروط الاسترداد:

يلزم للمطالبة باسترداد أي أثر توافر شرطان، الأول هو خروج الأثر من حدود الوطن، والثاني أن يكون هذا الخروج قد تم على نحو غير شرعي سواء تمثل في جريمة يعاقب عليها القانون أو أي شيء يعيب الإرادة.

1 – مغادرة الأثر للوطن:

يقصد بمغادرة الأثر للوطن نقله من حدود الدائرة الجمركية للدولة الموجود بها إلى دولة أخرى بدون ترخيص بذلك. وهذه المغادرة هي التي تضفي على الاسترداد الطابع الدولي، فإذا تم نقل الأثر من مكان إلى آخر داخل حدود الدولة فإن الاسترداد لا يكتسب الطابع الدولي، ونكون بصدد جريمة نقل أثر بدون ترخيص المؤثمة بالقانون حماية الآثار رقم 117 لسنة 1983.

2 عدم مشروعية خروج الأثر:

لا يكتسب فعل مغادرة الأثر للوطن عدم المشروعية إلا في حالات معينة إذ أنه ليست كل مغادرة تعد غير مشروعة. فثمة آثار غادرت الوطن نتيجة لإهدائها من قبل المسئولين فأهدى محمد علي إحدى مسلتي معبد الأقصر إلى فرنسا، كما أهدى مسلة أخرى من مسلات معبد الشمس بهليوبوليس إلى انجلترا، وأهدى الخديوي إسماعيل مسلة أخرى إلى الولايات المتحدة الأمريكية، واستمر سيل إهداء الآثار من قبل جميع أسرة محمد علي، وهذه الحالة وما شابهها لا تتوافر فيها عدم المشروعية.

ولا يتحقق عدم المشروعية أيضاً في ظل نظام قسمة الآثار الذي تم تقنينه لأول مرة في عهد الخديوي توفيق بموجب دكريتو 17 نوفمبر سنة 1891 ومؤداه قسمة الآثار بين الدولة والمكتشف. وظل هذا الأمر سائداً في ظل القانون رقم 14 لسنة 1912 واستمر الحال على هذا المنوال بموجب القانون رقم 215 لسنة 1951 والذي حل محل القانون رقم 14 لسنة 1912 إلى أن تم إلغاء نظام القسمة بموجب القانون رقم 117 لسنة 1983. ومع ذلك فإذا كانت القسمة مخالفة للقانون أو ثمرة غش أو تدليس فإن الفعل يخرج من دائرة المشروعية إلى نطاق التجريم، وأبرز واقعة تتعلق بهذا الشأن هي الاستيلاء على تمثال نفرتيتي الذي تم اكتشافه في يوم 6 ديسمبر سنة 1912 داخل ورشة نحات البلاط الملكي تحتمس في تل العمارنة بواسطة بعثة جمعية الشرق الألمانية التي حصلت على ترخيص من الحكومة المصرية آنذاك بالتنقيب عن الآثار في منطقة تل العمارنة وقد أشرف على هذه الحفائر لودفيج بورخارت.

ووفقاً لما ورد بيوميات لودفيج بورخارت أنه لاحظ منذ اكتشاف هذا التمثال أهميته، الأمر الذي كان سيؤدي حتماً إلى حصول الحكومة المصرية عليه وفقاً لنظام القسمة المعمول به في ذلك الوقت، الأمر الذي جعله لا يكشف عن الشخصية الحقيقية لصاحبة التمثال واكتفى بالقول أنها لأميرة من الأسرة الملكية، ثم تقدمت البعثة في 20 يناير سنة 1913 تطلب نصف الآثار، وحددت نصيبها بإرسال خطاب إلى مصلحة الآثار يفيد أن ما وجدته البعثة لا يستحق التقسيم لأنه مجرد قطع مكسورة يريد خبراء المصريات الألمان دراستها في برلين، بعد اطلاع مفتش الآثار الفرنسي التابع لمصلحة الآثار المصرية على صورة فوتوغرافية للتمثال بعد وضعه في صندوق خشبي قديم بغرفة ذات إضاءة سيئة لا تبدو منها حقيقة التمثال، فوافقت المصلحة على تصدير جميع الآثار المكتشفة إلى برلين دون أن تحصل مصر على أي منها، تحت تأثير الغش والتدليس وخرجت من تل العمارنة خمس صناديق كان بينها تمثال الملكة نفرتيتي الذى أخفيت معالمه بالطين، أو الجبس وأرسل إلى ألمانيا.

وفي هذا الصدد أقامت البعثة في عام 1913 معرضين في برلين لعرض ما اكتشفته من آثار تل العمارنة، لكن لم يعرض تمثال نفرتيتي الذي تم إخفاؤه ولم يظهر في برلين إلا في عام 1920، ولم يتم كشف النقاب عن الشخصية الحقيقية لصاحبة التمثال إلا بعد عشرة أعوام من الكشف عنه عندما نشر في ليبزج أن هذا التمثال مصنوع من الحجر الجيري وهو خاص بالملكة نفرتيتي زوجة الملك اخناتون ونشر صور ملونة للتمثال.

آنذاك ثارت ضجة كبيرة في جميع الدوائر العلمية والأثرية في مصر بسبب الإخفاء المتعمد لشخصية الملكة نفرتيتي، وأخذت مصر تطالب بعودة التمثال وزادت الضغوط المصرية على ألمانيا دون جدوى، ثم جرت محاولات أخرى لاستعادة التمثال، وأوقفت مصر عمل جميع بعثات التنقيب الألمانية، وعرضت مصر مبادلة التمثال بقطع أثرية أخرى دون جدوى، على الرغم من أن التمثال خرج من مصر بطريق غير مشروع.

وبمناسبة افتتاح المتحف المصري الكبير طلبت مصر من عدد من المتاحف العالمية عرض بعض الآثار المصرية الهامة في افتتاح المتحف لمدة ثلاثة أشهر أو عند افتتاح المتحف الآتوني بالمنيا ومنها متحف برلين والذي طلبت منه رأس نفرتيتي على سبيل الاستعارة، إلا أن السلطات الألمانية رفضت ذلك على سند أن حالة التمثال لا تسمح بنقله.

والواقع إن عدم المشروعية التي تبرر استرداد الآثار ليست عدم المشروعية الجنائية فحسب أي ارتكاب الجريمة، وإنما يلحق بها أيضاً عدم المشروعية المدنية وهي الناتجة عن أي عيب من عيوب الإرادة في التعاقد يترتب عليه الحق في استرداد الأثر الذي تم الحصول عليه بإرادة معيبة. مثال ذلك الحصول على آثار في وقت كان تصديرها فيه مباحًا، والاتجار فيها بعد شرائها من البائع بإرادة معيبة كالغش أو التدليس. بيد انه لا يشترط تحقق عدم المشروعية المدنية والجنائية معاً، فيكفي وقوع احداهما.

طلب الاسترداد:

لابد حتى نكون بصدد حالة استرداد للآثار أن تطلب دولة المنشأ استرداد الآثار المسلوبة منها، فإذا لم تطلب ذلك تكون الدولة الموجود على أرضها الآثار في حل من ردها إلى الدولة المذكورة. ولا عبرة بالوسيلة التي تلجأ إليها الدولة حتى تسترد آثارها، فقد تكون بإقامة دعوى استرداد أو باللجوء إلى التحكيم أو بسلوك السبيل الدبلوماسي. وبطبيعة الحال فإن الدولة طالبة الاسترداد تقدم من الأدلة والمستندات التي تؤيد طلبها.

على الرغم من أن الدبلوماسية وسيلة هامة وفعالة في الوصول إلى استرداد الآثار في أغلب الأحيان، بيد أنه مع ذلك قد تخفق هذه الوسيلة في تحقيق الغاية المبتغاة منها، وهو ما حدث – للأسف – مع الآثار المصرية الهامة في كثير من الأحوال. ومن أهم هذه الحالات ما حدث في أوائل القرن الماضي عندما طالبت مصر ألمانيا بإعادة تمثال نفرتيتي الذي هربته البعثة الألمانية عقب إجرائها لحفائر في تل العمارنة، وخرجت بالعديد من الآثار ومنها التمثال المذكور بعد أن تم إخفاء معالمه بالطين، ورفضت الحكومة الألمانية التحكيم، فأوقفت مصر عمل جميع البعثات الألمانية لديها وفي مارس سنة 1934 وافقت السلطات الألمانية على إعادة تمثال نفرتيتي إلى مصر مقابل منح بعض التسهيلات لأعضاء البعثات الأثرية الألمانية واستئناف عملها في مصر، وعندما تولى هتلر حكم ألمانيا رفض إعادة التمثال رفضاً باتاً إلى مصر لإعجابه الشديد به. وعادت مصر تطالب باسترداد هذا التمثال حتى بعد هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الثانية، إلا أن مجلس الحلفاء الذي كان يمثل السلطة العليا في ألمانيا رفض بدوره إعادته. وبعد ثورة يوليه 1952 وجد في قصر الملك فاروق عصا مرصعة بالماس لأحد القادة الألمان فعرضت مصر على ألمانيا مبادلتها بتمثال نفرتيتي إلا أنها رفضت. وفي السبعينات من القرن الماضي تم المطالبة بإعادة التمثال وكاد الأمر أن يسبب أزمة سياسية فتراجعت مصر عن الطلب. وبمناسبة قرب افتتاح المتحف المصري الكبير والمتحف الآتوني بالمنيا فقد طالبت مصر باستعارة تمثال نفرتيتي لعرضه عقب افتتاح هذين المتحفين، إلا أن السلطات الألمانية قد رفضت وعللت رفضها بأن حالة التمثال لا تسمح بنقله من متحف برلين إلى مصر. وما بين الحين والآخر يطالب العديد من الأثرين وغيرهم من محبي الآثار المصرية عودة تمثال الملكة نفرتيتي، بيد أن ذلك الأمر يستلزم أن يتضافر معه جهد من الجهات المسئولة عن حماية الآثار. لا سيما أن المُشرّع المصري نص على عدم خضوع دعوى استرداد الآثار التي خرجت من مصر بطرق غير مشروعة إلى نظام التقادم. فتقرر المادة 13 من اللائحة التنفيذية لقانون حماية الآثار رقم 117 لسنة 1983 أنه ” لا يسقط الحق في إقامة دعوى استرداد الآثار المهربة للخارج بالتقادم. أياً كانت طريقة أو وقت خروجها من الأراضي المصرية وفقاً للاتفاقيات ذات الصلة في هذا الشأن “. والواقع أنه بالرغم من أن هذه اللائحة التنفيذية المذكورة صدرت في غضون عام 2010 أي قبل صدور الدستور الحالي إلا أن المادة 13 منها السالف سردها تتناغم تماماً مع الدستور الذي جعل الالتزام باسترداد الآثار واجب على الدولة من الناحية الدستورية، مع حظر خضوع جرائم الاعتداء على الآثار لنظام التقادم.

خاتمة:

صفوة القول أنه من الناحية القانونية لا يوجد ما يحول دون استعادة تمثال نفرتيتي ذلك التمثال الذي يمثل الوجه المشرق للحضارة المصرية القديمة فهو تمثال بديع في نحته وألوانه وذوقه الرفيع، إذ تحقق خروج التمثال المذكور خارج مصر، كما ثبت بيقين أنه خرج من مصر بطريقة غير مشروعة، وقد ورد ذلك بجلاء من خلال اليوميات التي دونها مكتشف التمثال ذاته الثابت بها عدم إفصاحه عن الشخصية الحقيقية لصاحبة التمثال، فضلاً عن الادعاء بأن ما تم العثور عليه هو قطع من الحبس التي يرغب الجانب الألماني في دراستها وتصويرها في غرفة سيئة الإضاءة حتى لا تبدو الصورة الحقيقية للتمثال وعد الإعلان عن بيانات هذا التمثال وعرضه إلا بعد مرور عشر سنوات من كشفه. بيد أنه حتى يمكن أن تتحقق العودة الفعلية لهذا التمثال الرائع يجب تضافر عدة جهود أولها الجهات المنوط بها حماية الآثار واسترداداها وهي وزارة السياحة والآثار والمجلس الأعلى للآثار ووزارة الخارجية، فضلاً عن الإعداد الجيد لملف الاسترداد من قبل رجال القانون المختصين، وأخيراً فإنه يلزم أن يتوافر الدعم الشعبي لهذه الجهود حتى تؤتي أثرها في عودة التمثال وهو قائم بالفعل إلا أن المراد من ذلك إبرازه إعلامياً. والاسترداد المذكور ليس أمراً مستحيلاً كما قد يتصور البعض، بل هو هدف يمكن بلوغه متى توافرت الإرادة السياسية واستخدمت الأدوات القانونية والدبلوماسية بكفاءة. إذ يظل هذا التمثال المعروض في متحف برلين رمزاً حياً للهوية الحضارية المصرية، وموضع تطلع دائم لاستعادته إلى موطنه الأصلي. وهو رمز قابل للاسترداد عبر مسار تفاوضي جاد، يستند إلى قواعد حماية التراث الثقافي وحق الشعوب في استعادة إرثها الحضاري، ومن ثم فإن الأمر لا يتعلق بصعوبة الاسترداد بقدر ما يرتبط بحسن إدارة ذلك الملف، لا سيما وأن السوابق الدولية تثبت أن استعادة الآثار ممكنة، خاصة عندما يدعم الطلب بحجج قانونية راسخة تبرز ملابسات خروج الأثر من موطنه الأصلي.

زر الذهاب إلى الأعلى