نقد النص الجنائي

مقال بقلم د. أشرف نجيب الدريني

قبل أن تبدأ القراءة أود أن أتوجه إلى القارئ الكريم بكل تقدير واحترام: هذا المقال ليس للقراءة السريعة أو العابرة فهو يحتاج ذهنا حاضرا وهدوءا يسمح بالتفكير العميق. فإن كنت منشغلا الآن أو ذهنك مثقلا فربما يكون من الأفضل أن تعود إليه في وقت أكثر صفاء. هذا النص لا يقدم إجابات جاهزة بل يحاول أن يفكر (معك) في أسئلة تمس جوهر النص الجنائي باعتباره انعكاسا لوعي المجتمع بذاته وحدوده ومسؤوليته. فإذا كنت تبحث عن الفكرة قبل المعلومة فمرحبا بك في هذه الرحلة الفكرية.

فهل يمكن أن يكون النص الجنائي أخطر من الجريمة التي جاء لمواجهتها؟ وهل يتحول النص من وسيلة لحماية المجتمع إلى عبء يعيق توازنه؟! ومتى يمكن القول إن النص حي ويخاطب البيئة التي شرع من أجلها؟ وهل النص الجنائي غاية في ذاته أم مجرد وسيلة لحماية قيمة أعلى؟ ومتى يبلغ النص الجنائي الغاية التي شرع من أجلها؟ هذه التساؤلات جوهر أي نقاش صادق حول العدالة الجنائية فهي ترصد اللحظة التي يختبر فيها المجتمع نفسه من خلال نصوصه وتكشف الفجوة بين ما هو مكتوب وما هو مطبق فعليا!

القانون الجنائي ليس مجرد منظومة عقابية بل هو فلسفة منظمة لإدارة الخوف المشروع داخل المجتمع الخوف الذي يمنع الاعتداء دون أن يخنق الحرية. التجربة الإنسانية أثبتت أن النص الذي يقوم على الردع وحده يفقد قدرته على الاستمرار لأن الإنسان لا يلتزم بالقانون خوفا فقط بل يلتزم به حين يشعر بعدالته وهذه حقيقة يكاد ينعقد عليها اتفاق فقهي لا مراء فيه. المشرع حين يكتب نصا جنائيا لا يكتب قاعدة قانونية فحسب بل يصوغ تصورا عن الإنسان ذاته يحدد إلى أي مدى يمكن الوثوق به وأين يجب أن تتدخل الدولة لحماية المجتمع. ولهذا فإن النص الجنائي الناجح ليس الأكثر شدة بل الأكثر فهما للطبيعة البشريةفالنص الذي يبنى على صورة (مثالية) للمجتمع يصطدم سريعا بالواقع وليس في الاعتراف بقابلية النص للمراجعة ما لا يقدح في قوته بل يؤكد نضجه.

الزمن يظل الاختبار الأكبر للنصوص الجنائية فالمجتمعات تتغير أسرع من التشريعات والتكنولوجيا تعيد تشكيل الجريمة والتحولات الثقافية تعيد تعريف المقبول والمرفوض. النص الذي لا يملك قدرة التكيف يتحول تدريجيا إلى نص شكلي، موجود في الأوراق أكثر مما هو موجود في الحياة، وقد يتحول إلى عبء على الممارسة القضائية ويستنزف الموارد دون جدوى فعلية. القاضي حين يطبق النص لا يواجه كلمات مجردة بل يواجه إنسانا وظروفا معقدة، ولذلك فإن التفسير الجنائي ليس تمرينا لغويابل ممارسة إنسانية. النص بلا قضاء واعٍ يظل مجرد صياغة والقضاء بلا نص متوازن يتحول إلى اجتهاد منفلت ومن هنا تظهر أهمية الفكر القانوني المقارن حيث ربطت بعض النظم الأوروبية النص ببيئته الاجتماعيةبينما ركزت نظم أخرى على مرونة التفسير القضائي وهو اتجاه يزداد أهمية لا سيما في المجتمعات المتغيرة بسرعة.

النص الجنائي الناجح هو النص الذي ينسجم مع الضمير الجمعي، فالقانون لا يعيش في الجريدة الرسمية فقط بل في وعي الناس. فإذا شعر المجتمع بعدالة النص احترمه طواعية وإذا شعر أنه مفروض عليه بدأ في مقاومته بصمت وهذه المقاومة الصامتة هي أخطر مراحل تآكل النصوص لأنها لا تظهر في الإحصاءات الرسمية لكنها تظهر في السلوك الاجتماعي اليومي وقد ران على بعض النصوص عبر الزمن ما أفقدها قدرتها على التعبير عن روح المجتمع.

ومن أخطر الأوهام الاعتقاد أن القانون الجنائي قادر على صناعة المجتمع، فالقانون لا يصنع القيم بل يحميها وإذا حاول النص فرض منظومة أخلاقية لا يعيشها المجتمع دخل في صراع يومي مع الواقع، وآية ذلك أن التاريخ القانوني مليء بنصوص سقطت عمليا رغم بقائها شكليا، لأنها فقدت اتصالها بالضمير الجمعي. النص الجنائي ليس (غاية) في ذاته فإذا تحول إلى غاية فقد فقد مبرر وجوده. هو وسيلة لحماية قيمة أعلى: الإنسان ذاته، كرامته واستقرار المجتمع، وتوازن الحرية مع المسؤولية.

قوة النص لا تقاس بعدد العقوبات بل بقدرته على تقليل الحاجة إليها والنظام الجنائي الناضج لا يقاس بعدد من عاقبهم بل بعدد من لم يحتاجوا إلى عقاب. أخطر لحظة في حياة أي نص جنائي ليست لحظة صدوره بل اللحظة التي يبدأ فيها الناس في التعامل معه باعتباره (عبئا) لا يعبر عنهم عندها لا يسقط النص فجأة بل يبدأ في الذبول البطيء يبقى في الأوراق لكنه يغيب عن الحياة يبقى في النصوص لكنه يفقد روحه.

ويبقى السؤال الذي بدأنا به لكنه الآن يعود بصورة أعمق: هل نكتب النصوص لنفرض النظام على الناس أم نكتب النصوص لنحمي الإنسان من أسوأ ما يمكن أن يفعله الإنسان بالإنسان؟! الجواب الحقيقي لا يظهر في النصوص وحدها بل في الطريقة التي ينظر بها المجتمع إلى عدالته. إذا شعر الإنسان أن القانون يحميه حتى حين يعاقبه فذلك اليوم يثبت أن النص لم يكن مجرد أداة سلطة بل كان تعبيرا صادقا عن ضمير إنساني يخشى الظلم أكثر مما يخشى الجريمة. في تلك اللحظة العدالة لم تعد شعارا يرفع بل قيمة تعاش والقانون لم يعد نصا يطبق بل عهدا أخلاقيا يلتزم به المجتمع مع نفسه حتى في أكثر لحظاته ظلمة. والله من وراء القصد.

زر الذهاب إلى الأعلى