
مأمور الضبط القضائي وحدود الشرعية الإجرائية
بقلم د/ أشرف نجيب الدريني
في الآونة الأخيرة انتشر بودكاست يحمل عنوان «المصيدة»، يقدمه لواء شرطة فاضل، يروي من خلاله وقائع وأحداثا وقضايا عاصرها خلال فترة عمله، في إطار سرد يعتمد على الذاكرة المهنية والتجربة العملية. ومثل هذه البرامج، وإن كانت ذات طابع قصصي أو توثيقي، فإنها حين تلامس الإجراءات الجنائية، تفرض بطبيعتها ضرورة التمييز بين ما هو تجربة شخصية، وما هو حكم قانوني منضبط، حتى لا تختلط (الرواية) بالقاعدة، ولا يلتبس (السرد) بالاختصاص.
ومن هذا المنطلق، يلزم التنويه ـ دون منازعة ولا تجريح ـ إلى أن مأمور الضبط القضائي، بحسب المستقر عليه فقها وقضاء، لا يملك (الاستجواب) مطلقا، ولا سبيل إلى القول بغير ذلك. فالاستجواب عمل من أعمال التحقيق، جوهره المواجهة التفصيلية بالأدلة ومناقشة المتهم فيها، وهو اختصاص أصيل لسلطة التحقيق وحدها، ممثلة في النيابة العامة أو قاضي التحقيق، ولا يشاركه فيه غيرها بحال. أما ما يباشره مأمور الضبط القضائي فلا يجاوز حد (السؤال وسماع الأقوال)، في إطار جمع الاستدلالات، وهو إجراء تمهيدي لا يرقى إلى مرتبة (التحقيق) ولا يحل محله.
وكذلك الشأن في تحليف اليمين، إذ إن الأصل أن مأمور الضبط القضائي لا يملك تحليف المتهم أو الشهود أو الخبراء اليمين، لأن اليمين إجراء قانوني دقيق، يرتبط بضمانات التحقيق ونطاقه. ولا يخرج عن هذا الأصل إلا استثناء ضيقا، يتمثل في حالة (الندب) الصريح من سلطة التحقيق لسماع شاهد بيمين، وفي حدود هذا الندب وحده، دون توسع أو قياس، وما عدا ذلك يظل تحليف اليمين منعدم الأثر قانونا، لا يعتد به ولا بما يترتب عليه.
أما ما أثير من أن المادة (24) من قانون الإجراءات الجنائية تمنح مأمور الضبط القضائي الحق في إصدار أوامر ضبط وإحضار لمجرد الاشتباه، فذلك قول لا يستقيم مع صحيح القانون ولا مع فلسفة النص. فالمادة المشار إليها إنما تحدد صفة مأمور الضبط القضائي واختصاصه الوظيفي في مرحلة جمع الاستدلالات، ولا تنشئ له سلطة تمس الحرية الشخصية استقلالا، ولا تخوله أن يأمر بضبط شخص أو إحضاره قسرا لمجرد قيام الشبهة في ذهنه. فالاشتباه، مهما بلغ، لا ينزل بذاته منزلة الدليل، ولا يبيح المساس بحرية الأفراد.
والأصل كذلك أن الضبط والإحضار لا يكون إلا بناء على دلائل جدية أو قرائن قوية. وإذا كان المشتبه فيه حاضرا أمام مأمور الضبط القضائي وكانت الدلائل كافية، يقتصر دور المأمور على (التحفظ عليه) وجمع التحريات وتقديم (الدلائل) للنيابة العامة، وهي وحدها التي تبت في اتخاذ أي إجراء يقيد حرية المتهم. أما إذا كان المشتبه فيه غائبا، وكانت هناك تحريات جدية تشير إلى تورطه في جريمة، هنا يقوم مأمور الضبط القضائي بعد استصدار الإذن من النيابة العامة (بضبطه وإحضاره)، وفق ما يقتضيه القانون، ولا يجوز له أن يتجاوز هذا الإطار تحت أي مسمى، فدور الضبط القضائي يبقى مقتصرا على الاستدلال والتحري والتحفظ عند الحاجة، مع صون حرية المتهم حتى تصدر النيابة العامة قرارها المختص. إلا إذا كانت هناك حالة من حالات التلبس المحددة على سبيل الحصر.
خلاصة القول، دون مناص من التأكيد على أن مرحلة جمع الاستدلالات لها حدودها، وأن مأمور الضبط القضائي، مهما بلغت خبرته العملية، يظل محكوما بإطار قانوني دقيق، لا يجوز تجاوزه تحت أي مسمى. وإجلاء هذه الفوارق لا ينتقص من دور الضبط القضائي، بل يحفظ التوازن الذي أراده المشرع بين فعالية العدالة الجنائية وصون الحرية الشخصية، وهي الغاية التي من أجلها رسمت هذه الاختصاصات وحددت على هذا النحو الدقيق. والله من وراء القصد.