
المسؤولية المجتمعية للأندية الرياضية
مقال للدكتور أحمد عبد الظاهر – أستاذ القانون الجنائي بجامعة القاهرة – المستشار القانوني بدائرة القضاء – أبو ظبي
ينشغل الوسط الرياضي والإعلام الرياضي والمجتمع المصري بأكمله في الوقت الحالي بموضوع تخلف اللاعب إمام عاشور، لاعب الفريق الأول لكرة القدم بالنادي الأهلي، عن مرافقة بعثة الفريق المتجهة إلى تنزانيا، استعداداً لمواجهة نادي يانج أفريكانز، ضمن منافسات الجولة الرابعة من دور المجموعات لبطولة دوري أبطال أفريقيا، حيث امتنع اللاعب عن الذهاب إلى مطار القاهرة في الموعد المحدد لانطلاق الرحلة، رغم إدراجه ضمن قائمة الفريق المسافرة إلى تنزانيا.
والواقع أن أخبار اللاعبين والأندية الرياضية في بلادنا تسير دائماً على النحو ذاته، من مظاهر عدم الانضباط والفوضى والانفلات الهائل في عقود بيع اللاعبين وتمردهم على أنديتهم وتبادل الشماتة بين جماهير الأندية في الأزمات التي تلحق بهذه الأندية أو بأحد من لاعبيها.
وفي الوقت ذاته الذي ينشغل فيه الرأي العام والإعلام الرياضي المصري بتخلف إمام عاشور عن السفر مع ناديه، وجدت خبراً منشوراً في إحدى وسائل الإعلام العربية عن استعداد يورجن كلوب للعودة إلى ملعب أنفيلد، لأول مرة منذ رحيله عن ليفربول (راجع: موقع سكاي نيوز عربية، 29 يناير 2026م، خبر تحت عنوان: لأول مرة منذ رحيله عن ليفربول.. كلوب يستعد للعودة إلى أنفيلد). وصياغة عنوان الخبر على هذا النحو قد توحي للقارئ العربي بأن الأمر يتعلق بعودة المدرب السابق للريدز إلى تدريب النادي مجدداً. والحقيقة أن الأمر على خلاف هذا الاعتقاد الذي قد يتسرب إلى القارئ بمجرد مطالعة عنوان الخبر. ولعل ذلك يبدو جلياً من خلال قراءة فحوى ومضمون الخبر. إذ يستعد المدرب الألماني يورغن كلوب للعودة إلى ملعب «أنفيلد» مجدداً، ولكن هذه المرة في مناسبة استثنائية وبطابع إنساني، بعدما تقرر مشاركته ضمن الطاقم الفني في مباراة خيرية تجمع أساطير ليفربول بأساطير بوروسيا دورتموند، لصالح المؤسسة الخيرية الرسمية لنادي ليفربول. ومن المقرر أن تُقام المباراة في الثامن والعشرين من شهر مارس 2026م، خلال فترة التوقف الدولي، حيث يقود فريق أساطير ليفربول النجم السابق ستيفن جيرارد، على أن تذهب جميع عائدات اللقاء لدعم أنشطة مؤسسة نادي ليفربول، وفقا لما أورده موقع «ليفربول إيكو». ويشغل كلوب حاليا منصب السفير الفخري للمؤسسة الخيرية، وسيشارك في الجهاز الفني خلال اللقاء، في امتداد لعلاقته الطويلة مع المبادرات المجتمعية للنادي، إذ يُعد من أبرز الداعمين للمؤسسة، وكان المتحدث الرئيسي في حفل العشاء السنوي الذي أقيم في مايو 2025م.
وتحمل المباراة طابعاً رمزياً خاصاً لكلوب، نظراً لارتباطه الوثيق بالفريقين، حيث سبق له تدريب بوروسيا دورتموند لعدة سنوات، قاده خلالها إلى استعادة مكانته في صدارة كرة القدم الألمانية، محققاً ألقاب الدوري والكأس، قبل أن يكتب واحدة من أنجح الفترات في تاريخ ليفربول الحديث على مدار تسعة مواسم في «أنفيلد». وستُخصص عائدات المباراة لدعم برامج المؤسسة في مجالات التشغيل والتوظيف، ومساعدة أفراد المجتمع على إيجاد فرص عمل واكتساب مهارات مهنية عبر الإرشاد والتدريب، ضمن هدف طويل الأمد تسعى المؤسسة من خلاله إلى دعم نصف مليون شخص في كل موسم بحلول عام 2030م.
وتعيد هذه العودة كلوب مجدداً إلى أجواء «أنفيلد»، لكن بعيداً عن ضغوط المنافسة، وفي مشهد يجمع بين كرة القدم والبعد الإنساني، ويؤكد استمرار تأثير المدرب الألماني داخل أسوار النادي حتى بعد رحيله عن منصبه الفني. ولعلنا جميعاً قد رأينا صور الأيقونة المصرية ونجم نادي ليفربول الإنجليزي والمنتخب الوطني، محمد صلاح، وهو يقوم بزيارة كبار السن وبعض الأسر في مدينة ليفربول.
وفي المملكة العربية السعودية، شهد الموسم الرياضي 2018- 2019م تدشين «جائزة المسؤولية الاجتماعية للأندية الرياضية»، وهي جائزة أطلقتها «لجنة المسؤولية الاجتماعية والمشاركة الجماهيرية» في الاتحاد السعودي لكرة القدم، وتكرم الجائزة أفضل ثلاث مبادرات في المسؤولية الاجتماعية في نهاية الموسم الرياضي، وتختارها اللجنة وفق معايير حددتها لائحة الجائزة. وشهد الإعلان عن الأندية الفائزة بجوائز المسؤولية الاجتماعية للأندية للموسم الرياضي 2020 – 2021م، اعتماد رفع عدد الأندية الفائزة بالجائزة من ثلاثة إلى خمسة فائزين، بدءاً من النسخة الثالثة.
وترمي الجائزة إلى تحقيق جملة من الأهداف، منها: زيادة التنافسية بين الأندية والرفع من حجم تأثيرها الاجتماعي، وحث الأندية على بناء الشراكات المجتمعية مع كافة الجهات لخدمة المجتمع، وتعزيز قيم الاستدامة والتأثير والإبداع في المبادرات التي تنفذها الأندية. كما تهدف الجائزة إلى إيجاد محفز دائم للعمل في مجالات مبادرات المسؤولية الاجتماعية، وإبراز مبادرات الأندية ذات الجودة العالية في فترات مستمرة خلال العام، وإيجاد مصدر دعم مستمر يمكن استخدامه لتغطية تكاليف بعض المباريات.
وتعتمد الجائزة معايير عدة للتقييم، منها: تماشي المبادرات مع أجندة البرامج الوطنية، والفكرة الإبداعية، ووضوح مؤشرات قياس الأداء، وتوفير وإدارة الموارد، إضافة إلى عمق تأثير المبادرات واستدامة منفعتها، وكذلك جودة التنفيذ وفق نتائج المستفيدين.
ويحصل النادي الذي يحقق المركز الأول لجائزة المسؤولية الاجتماعية على مبلغ خمسمائة ألف ريال، وأربعمائة ألف ريال للمركز الثاني، وينال الفائز بالمركز الثالث مبلغ ثلاثمائة ألف ريال، أما صاحب المركز الرابع فينال مائتي ألف ريال، ويحصل المركز الخامس على مبلغ مائة ألف ريال.
وفي شهر أغسطس من العام 2021م، أعلنت لجنة المسؤولية الاجتماعية في الاتحاد السعودي لكرة القدم عن استحداث جائزة الجمهور المثالي، تقديراً للدور الذي تقوم به الجماهير عبر مؤازرتها ودعمها المنتخبات والأندية، وللرفع من حجم التنافس والتشجيع المثالي بين الجمهور. وتستند جائزة الجمهور المثالي على خمسة معايير، أبرزها: الحضور الجماهيري، وانضباط الجمهور طبقاً لعدد المخالفات الانضباطية الصادرة من لجنة الانضباط والأخلاق بحق جماهير كل ناد طيلة الموسم، وتقديم النادي مبادرة واحدة استفاد منها الجمهور أو أسهم في تنفيذها بالتعاون مع الأندية في مجالات المحافظة على بيئة الملاعب أو المساعدة في التنظيم وخدمات التطوع أو دعم الانضباط والتشجيع المثالي، وتصويت عام يتم نشره لمدة 24 ساعة عبر موقع الاتحاد الرسمي، ويشارك فيه الجميع لاختيار أفضل جمهور نادٍ فعَّال ومؤثر، ومجالس الجمهور وارتباطها التنظيمي بالأندية، واعتراف الأندية بممثلي تلك المجالس، وتقديم قائمة بأسماء رؤسائها. ويحصد جمهورُ النادي الذي حصل على المركز الأول في جائزة الجمهور المثالي مبلغ مائة وخمسين ألف ريال، في حين يحصل جمهورُ النادي الفائز بالمركز الثاني على مائة ألف ريال، فيما ينال جمهور نادي المركز الثالث خمسين ألف ريال.
وفي موسم 2021- 2022م، واعتباراً من النسخة الرابعة، استحدثت لجنة المسؤولية الاجتماعية في الاتحاد السعودي لكرة القدم، ثلاث جوائز في المسؤولية الاجتماعية؛ الأولى، جائزة المسؤولية الاجتماعية للأندية، وتضم أندية دوريات: روشن، ويلو، والدرجتين الثانية والثالثة، وتم رفع قيمة جوائزها من 265 ألف ريال إلى 1.5 مليون ريال، بواقع 500 ألف ريال للمركز الأول، و400 ألف ريال للمركز الثاني، و300 ألف ريال للمركز الثالث، و200 ألف ريال للمركز الرابع، و100 ألف ريال للمركز الخامس.
كما تم استحداث جائزة نجوم المسؤولية الاجتماعية للموسم الرياضي 2023 – 2024م، زتستهدف لاعبي كرة القدم المعتزلين والحاليين في أندية دوريات: روشن، ويلو، والدرجتين الثانية والثالثة، ويبلغ إجمالي جوائزها 225 ألف ريال. كذلك استحدثت اللجنة جائزة المسؤولية الاجتماعية الدورية للموسم الرياضي 2023 – 2024، وتستهدف أندية الدوريات الأربعة (روشن، ويلو، والثانية والثالثة)، وتُقدم ثلاث مرات خلال الموسم الرياضي بإجمالي جوائز 350 ألف ريال.
هذه هي الرياضة الحقيقية كما نريد أن نراها في بلادنا، وهذا هو الدور المأمول من الأندية الرياضية المصرية والعربية. فإذا كانت الأندية الرياضية المحترفة الحقيقية التي تعتمد على مصادر تمويلها الذاتية لا تغفل الدور الإنساني لها، فما بالنا نعيش هذا المشهد العبثي من أندية رياضية ما زالت تعتمد على التمويل الحكومي وعن تبرعات رجال الأعمال لها. بل إن الدعوات تتجه بين الحين والآخر لفتح الباب أم الجماهير لدعم الأندية الرياضية والتبرع لها بالأموال اللازمة لشراء اللاعبين. وكما يقولون فإن الآية مقلوبة فعلاً في بلادنا. وبدلاً من أن تبادر الأندية الرياضية إلى القيام بمساهمات مجتمعية، نجد أن هذه الأندية تنتظر من الجماهير أن تتبرع بالأموال لها.
قد يقول قائل إن الساحة الرياضية المصرية قد شهدت في الماضي والحاضر بعض المبادرات المجتمعية الإنسانية. ففي العام 1987م، وفي إطار حملة «في حب مصر»، أقيمت مباراة ودية بين قطبي الكرة المصرية، الأهلي والزمالك، بهدف جمع أموال لمساعدة البلاد على حل أزمة الديون. وشهدت هذه المباراة ارتداء محمود الخطيب، رئيس مجلس إدارة النادي الأهلي الحالي، قميص نادى الزمالك، وارتداء حسن شحاتة وفاروق جعفر لاعبي نادى الزمالك للقميص الأحمر. وأثارت تلك الخطوة ردود فعل إيجابية بين جماهير القطبين، حيث أسهمت في تخفيف حدة التعصب بينهما بشكل كبير. كما تسابقت الشركات والهيئات والمؤسسات المصرية في شراء التذاكر التي رفع ثمنها خصيصاً، لجمع أكبر قدر من الأموال، ليظهر استاد القاهرة ممتلئ عن آخره بأكثر من مائة ألف متفرج. ولن نقول هنا من النادي الذي فاز بهذه المباراة، فما يهم هو انتصار الوطنية والانتماء والروح الرياضية والمساهمة المجتمعية في حب الوطن.
وفي يوم الأحد الموافق التاسع والعشرين من شهر مارس 2015م، بناء على توجيه من مجلس إدارة النادي الأهلي، قام أعضاء الجهاز الفني للفريق الأول بالنادي الأهلي، وعدد من لاعبي الفريق بزيارة مستشفى «بهية» لعلاج سرطان الثدي. وضم وفد الأهلي الإسباني جاريدو، المدير الفني للفريق، وعلاء بعد الصادق، المشرف العام على الكرة، ووائل جمعة، مدير الكرة، وطارق سليمان، مدرب حراس المرمى، ومن اللاعبين شريف إكرامي، ومحمود تريزيجية، وسعد سمير وحسين السيد، ورمضان صبحي، وعماد متعب وحسام غالى، وعبد الله السعيد، ومؤمن زكريا. واستغرقت الزيارة قرابة الساعة، وتجول وفد الأهلي داخل المستشفى، للوقوف على سير العمل والاطمئنان على المرضى، وحرص عمال المستشفى وطاقم التمريض على التقاط صور تذكارية مع نجوم الأهلي.
وتنهض هذه الزيارة دليلاً وشاهداً على الدور الوطني والاجتماعي الذي يمكن أن تلعبه الأندية الرياضية، وبحيث تسير على خطى الأندية الرياضية العالمية، ويكون لها دور رائد في الأعمال الخيرية ودعم كل مؤسسات الدولة، ورفع الروح المعنوية للمرضى والفئات الضعيفة، والمشاركة في الأعمال التي تخدم المجتمع. وما دمنا نتحدث عن الدور الإنساني للأندية والشخصيات الرياضية، تجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن اختيار اسم المستشفى «بهية» نسبةً لاسم السيدة «بهية وهبي»، حرم المهندس حسين احمد عثمان، والتي أصيبت بمرض السرطان، وخلال فترة علاجها لاحظت عائلتها مدى معاناة السيدات من الأسر الفقيرة في تحمل نفقات العلاج الباهظة، لذا قاموا ببناء مستشفى متخصص في علاج سرطان الثدي للسيدات دون مقابل أو دون أي تفرقة على أرض منزلها.
وفي يوم السبت الموافق الحادي عشر من شهر مايو 2019م، قام أحمد مرتضى منصور، عضو مجلس إدارة الزمالك السابق، بزيارة إلى طفل مريض بالمستشفى، حاملاً قميص الزمالك وكرة وسيارة بالريموت. وخلال خروجه من غرفة الطفل المريض، قابل الطفل يوسف الذي يعمل والده عامل زراعي بالبحيرة، وكان الطفل خائفاً من الجلوس بمفرده في غرفته حتى يعود والده من أداء صلاة العصر. وللتخفيف من روعه، استمر أحمد مرتضى منصور مع الطفل يوسف وجلس يلعب معه، حيث أفصح له أنه أهلاوي، ويتمنى رؤية حسين الشحات وعلى معلول وأزارو. وعندما علم الدكتور شريف أبو النجا بذلك، وحرصاً على تحقيق رغبه الطفل، وإسهاماً منه في تحقيق هذه الرغبة، قام بتوجيه الدعوة للاعبين الثلاثة لزيارة الطفل يوسف.
وبالفعل، وفي يوم السبت الموافق الثامن عشر من شهر مايو 2019م، حرص عدد من لاعبي فريق الأهلي، على زيارة مستشفى الأطفال 57357، بحضور حسين الشحات، والأنجولي جيرالدو، والمغربي وليد أزارو والتونسي علي معلول. ووزع لاعبو الأهلي بعض الهدايا على الأطفال وخاصة الطفل يوسف، كما التقطوا صوراً تذكارية معهم. ونشرت مؤسسة مستشفى سرطان الأطفال 57357، عبر صحفتها الرسمية، صوراً لزيارة لاعبي الأهلي للمستشفى، موجهة الشكر لهم، قائلة: شكراً على زيارتكم ودعمكم.
ولكن، يبقى أن الأمر يتعلق بمبادرات غير منتظمة، وتتعلق في معظمها بزيارة المرضى في المستشفيات العامة، ويبقى أن كأس حب مصر أقيمت مرة واحدة فقط. ومن ثم، ينبغي التأكيد على أن المسؤولية المجتمعية للأندية الرياضية ليست قاصرة على زيارة المستشفيات. والمأمول هو أن تقوم الأندية الرياضية بإنشاء مؤسسات خيرية تحمل اسمها وتكون هذه المؤسسات الخيرية هي قناة التواصل بين الأندية وبين مؤسسات المجتمع المدني والمستشفيات، وذلك على غرار الدور الذي تقوم به المؤسسة الخيرية الرسمية لنادي ليفربول. وصدق الله العظيم إذ يقول: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (سورة المائدة: الآية الثانية).