الغابة الرقمية

مقال بقلم د. أشرف نجيب الدريني

 

كلما شهدنا واقعة عنف اعتقدنا أننا بلغنا أقصى ما يمكن أن يصل إليه السلوك الإجرامي في المجتمع، وأن ما رأيناه يمثل الذروة التي لا يمكن تجاوزها. غير أن الواقع يفاجئنا في اليوم التالي بما يهدم هذا الاعتقاد تماما، ليتبين لنا أن المجتمع أصبح حبلى بصنوف متعددة من العنف، وأشكال متجددة من القسوة التي لا تكاد تعرف سقفا أو حدا. حتى وصل الأمر إلى أن نشاهد امرأة تمسك بساطورا، تترجل من سيارة في وضح النهار، وتنهال به ضربا على سائق توك توك عدة مرات مخلفة به جروحا قطعية، في مشهد لم يكن يتصوره العقل قبل سنوات قليلة. ثم لا يمر يوم واحد حتى نجد واقعة أخرى لرجل يعتدي على امرأة بالعصا ويلقي بها في الترعة، وكأن العنف لم يعد فعلا استثنائيا بل أصبح مشهدا يوميا متكررا.

وهكذا، مع كل يوم جديد، نكتشف أن مستوى العنف يعلو على اليوم الذي سبقه، وأن ما اعتبرناه بالأمس قاعا للسلوك الإجرامي لم يكن إلا درجة في سلم لا نرى نهايته.

 

هنا لم يعد السؤال متعلقا بالجريمة ذاتها، فالمجتمعات عرفت الجريمة عبر تاريخها كله، وإنما بالسؤال الأخطر: لماذا أصبح العنف معروضا بهذا الإلحاح؟ ولماذا صرنا نراه أناء الليل وأطراف النهار حتى فقد عنصر الدهشة؟ وكيف تحولت وسائل التواصل من وسيلة معرفة وتواصل إلى مساحة مفتوحة لعرض الألم الإنساني وكأنه مادة للمشاهدة اليومية؟

حين أطلقنا العنان ((للكاميرا)) أغدقت علينا بما لا يحمد عقباه. لم تعد الكاميرا شاهدا يوثق، بل أصبحت أحيانا شريكا يصنع الحدث ويمنحه حياة أطول من عمره الحقيقي. الجريمة التي كانت تنتهي بانتهاء واقعتها، أصبحت تبدأ فعليا لحظة نشرها. آلاف العيون تعيد مشاهدتها، آلاف التعليقات تمنحها انتشارا، وآلاف العقول تستقبلها بلا سياج نفسي أو أخلاقي.

 

ومن هنا هل يؤدي نشر الجرائم إلى الردع فعلا؟ هل مشاهدة القبض السريع على الجاني تحقق الأمان المجتمعي؟ أم أننا أمام ردع مؤقت يهدئ الشعور العام للحظات ثم يترك أثرا أعمق وأكثر خطورة؟! وهل يمكن أن يتحول التكرار المستمر لمشاهد العنف إلى عملية تطبيع نفسي تجعل الجريمة مألوفة بعد أن كانت صادمة؟وهل يصبح بعض الأفراد، دون وعي، أكثر استعدادا لتقليد ما يرونه حين يتحول العنف إلى مشهد متداول لا استثناء نادرا الحقيقة أن الردع لا يتحقق بالمشاهدة، بل باليقين العقابي الهادئ والمستقر. نشر الجريمة قد يحقق ردعا مؤقتا، وقد يشعر الناس للحظة بأن العدالة حاضرة وسريعة، لكن هذا الأثر قصير العمر. فالتكرار المستمر لمشاهد الدم والعنف لا يبني حاجزا نفسيا ضد الجريمة، بل قد يؤدي تدريجيا إلى تآكل الحساسية تجاهها.

 

الإنسان لا يعتاد الخير فقط، بل يعتاد الشر أيضا. ومع كثرة التعرض لمشاهد الاعتداء، يفقد الفعل الإجرامي غرابته الأولى. ما كان يثير الفزع يصبح مألوفا وما كان مستحيلا يصبح قابلا للتصور، ثم قابلا للتقليد لدى النفوس الهشة الباحثة عن حضور أو انتباه أو تفريغ غضب مكبوت. الأخطر أن تصوير الجريمة ونشرها يمنح الفاعل حضورا يتجاوز العقوبة نفسها. فبدلا من أن تنتهي الواقعة عند حدود المساءلة القانونية، تتحول إلى عرض ممتد يعيد إنتاج الفعل مرات لا تحصى. وهنا يتحقق تناقض خطير، إذ نظن أننا نحاصر الجريمة بينما نحن نمنحها انتشارا، ونعتقد أننا نردع بينما قد نساهم دون قصد في تثبيت صورتها داخل الوعي الجمعي.

 

المجتمع لا ينهار (دفعة واحدة) بل حين يتراجع إحساسه الطبيعي بالصدمة. وحين يصبح العنف خبرا عاديا بين أخبار اليوم، نكون قد اقتربنا من لحظة يفقد فيها الضمير الجمعي قدرته على الرفض قبل أن يفقد قدرته على المقاومة.

لهذا تبدو الغابة الرقمية توصيفا أقرب إلى الواقع من أي تعبير آخر. ليست المشكلة في وجود الجريمة، بل في تحولها إلى مشهد دائم التداول، وفي انتقال الإنسان من موقع الرافض إلى موقع المتفرج، ثم إلى مرحلة أخطر لا يشعر فيها بأن ما يراه استثناء يستوجب التوقف.

 

وإذا كان القانون يعاقب الجاني بعد وقوع الفعل، فإن مسؤولية المجتمع تبدأ قبل ذلك بكثير، عند حدود ما نسمح له بأن يصبح مألوفا في وعينا اليومي. فليست كل مشاهدة معرفة وليست كل مشاركة وعيا وأخطر ما قد نصل إليه أن نعتقد أننا نحارب الجريمة بينما نحن نتعايش معها دون أن نشعر. عند هذه النقطة فقط نفهم أن القضية لم تعد جريمة فرد بل بيئة كاملة تعيد تشكيل ((الإحساس الإنساني)) نفسه، وأن حماية المجتمع لا تبدأ من لحظة القبض على الجاني، بل من قدرتنا على ألا نسمح للغابة أن تصبح طبيعتنا الجديدة. والله من وراء القصد.

زر الذهاب إلى الأعلى