
الدور الأمني للقضاء الجنائي
مقال للدكتور أحمد عبد الظاهر – أستاذ القانون الجنائي بجامعة القاهرة – المستشار القانوني بدائرة القضاء – أبو ظبي
قد يستغرب كثير من أهل القانون والمشتغلين به الحديث عن «دور أمني للقضاء الجنائي»، ناظرين في ذلك إلى أن الوظيفة الأساسية للقضاء بوجه عام هي الفصل في الأقضية والمنازعات والدعاوى، من خلال إنزال حكم القانون على الواقعات المعروضة عليهم. وفيما يتعلق بالقضاء الجنائي على وجه الخصوص، فإن الصورة الذهنية له في أذهان الكافة هي تقصي الحقيقة القانونية والواقعية في شأن الدعوى الجنائية المعروضة عليه، ثم الفصل في موضوعها، إما بالإدانة إذا كانت الأدلة جازمة بذلك، وإما بالبراءة إذا لم تتوافر الأدلة الجازمة بالإدانة.
ولا يجادل أحد في أن الرسالة الأسمى للقضاء هي تحقيق العدالة، من خلال إنزال حكم القانون على الوقائع والمنازعات المعروضة عليه. ولا يختلف القضاء الجنائي في ذلك عن القضاء في فروع القانون الأخرى. ولكن، وعند التدقيق وإمعان النظر في النصوص القانونية وفي المهام المنوطة بالقضاء الجنائي طبقاً للقانون، يبدو مستساغاً القول إن ثمة دور أمني يضطلع به، مستهدفاً الحفاظ على السلم المجتمعي، الأمر الذي يبدو جلياً من خلال قراءة وتدبر العديد من الأحكام القانونية، والتي نشير إليها بإيجاز فيما يلي:
– الحبس الاحتياطي كوسيلة للمحافظة على النظام العام.
– أثر الاعتبارات الأمنية في تحديد المحكمة المختصة مكانياً.
– دور القضاء الجنائي في حماية المجني عليهم.
– دور القضاء الجنائي في حماية الشهود والمبلغين.
– دور القضاء الجنائي في الحفاظ على سرية المصادر الشرطية.
– دور القضاء الجنائي في مواجهة الخطورة الإجرامية للمعتوهين.
– دور القضاء الجنائي في مواجهة الخطورة الإرهابية لذوي الفكر المتطرف.
– منع القاتل من الإقامة في مكان أو أماكن معينة للحفاظ على حياته، ومنعاً لاستفزاز لأهل القتيل.
– إخضاع الجاني للمراقبة الالكترونية، منعاً له من الاتصال بالضحية والاعتداء عليها مرة أخرى.
– أمر الحماية والتعهد بعدم الاعتداء.
ونظراً لأن مساحة المقال لا تسمح بالتعرض لكل صور الدور الأمني الذي يمكن أن يقوم به القضاء الجنائي، سنقصر الحديث هنا على الصورة الأولى منها فحسب، وهي «الحبس الاحتياطي كوسيلة للمحافظة على النظام العام من الاضطراب الذي أحدثته الجريمة أو لحماية المتهم من الاعتداء». فالحبس الاحتياطي – بحسب الأصل، وكما هو واضح من مسماه – هو وسيلة تحوطية ضد احتمالات الإضرار بحسن سير التحقيق؛ فهو يسهل على المحقق إجراء التحقيق، لأنه يمكنه من أن يجد المتهم في أي وقت كلما احتاج التحقيق إلى مواجهته بشيء أو بشهود أو اطلاعه على شيء. وفي الإطار ذاته، يمكن أن ننظر إلى الحبس الاحتياطي باعتباره وسيلة لمنع تأثير المتهم على حسن سير التحقيق، سواء بإرهابه للشهود أو بمحاولة التدخل في تقارير الخبراء أو غيرها. ولكن، وعلى سبيل الاستثناء من هذا الأصل العام، فإن الحبس الاحتياطي قد يكون في بعض الحالات وفي ظروف معينة وسيلة لحماية المتهم نفسه من الاعتداء عليه من خصومه، وإرضاء نفسية المجني عليه والمجتمع كله الساخط على مرتكب الجريمة.
فقد كانت الغاية التقليدية من الحبس الاحتياطي هي ضمان سلامة التحقيق الابتدائي من خلال وضع المتهم تحت تصرف المحقق وتمكينه من استجوابه أو مواجهته كلما رأي محلاً لذلك، والحيلولة دون تمكنه من العبث بأدلة الدعوى أو التأثير على الشهود أو تهديد المجني عليه، وبوجه عام مساعدة المحقق على كشف الحقيقة. ولكن، وتحت تأثير أفكار المدرسة الجنائية الحديثة، اتسع نطاق الهدف من هذا الإجراء، لكي يشمل أيضاً الوقاية أو الاحتراز، وذلك للحيلولة دون عودة المتهم إلى الجريمة المنسوبة إليه أو لوقاية المتهم من احتمالات الانتقام منه أو لتهدئة الشعور العام من التأثير بسبب جسامة الجريمة، بالإضافة إلى ضمان تنفيذ الحكم عليه بالحيلولة دون هروبه.
وقد تبنى المشرع الفرنسي هذا الاتجاه، إذ تحدد المادة 144 من قانون الإجراءات الجنائية الأحوال التي يجوز فيها الحبس المؤقت (التسمية المستحدثة للحبس الاحتياطي)، وهي: «1- إذا كان الحبس المؤقت هو الوسيلة الوحيدة للحفاظ على الأدلة أو الإمارات المادية أو لمنع شخص من الضغط على الشهود أو المجني عليهم، أو تواطؤ بين أشخاص موضوعين تحت الاختبار وشركاء لهم. 2- عندما يكون الحبس المؤقت لازماً لحماية الشخص نفسه أو لوضع نهاية للجريمة أو لمنع تجددها، أو لضمان إبقاء الشخص المعني في قبضة العدالة أو لحفظ النظام العام من الاضطراب الذي أحدثته الجريمة». وقد خضعت هذه المادة للتعديل، وذلك بموجب القانون رقم 1436- 2009 الصادر بتاريخ 24 نوفمبر 2009م، بحيث تضمن تفصيلاً أكثر في بيان أسباب ومبررات الحبس الاحتياطي، التي ينبغي مراعاتها عند الأمر به. ويذهب بعض الفقه الفرنسي إلى أن الالتجاء إلى الحبس الاحتياطي للمحافظة على النظام العام من الاضطراب الذي أحدثته الجريمة هو نوع من حالة الضرورة، لأن قاضي التحقيق يجب أن يختار في هذه الحالة بين حماية الحرية الفردية والمحافظة على الأمن العام.
كما عني قانون الإجراءات الجنائية الألماني المعدل سنة 1972م بالنص على أن الحبس الاحتياطي يكون لاتقاء هروب المتهم أو شبهة هروبه، وخشية المساس بأدلة الدعوى، أو العودة إلى ارتكاب الجريمة (المادة 112). وهذه الأسباب تتفق بوجه عام مع أسباب الحبس المؤقت في قانون الإجراءات الجنائية الفرنسي، والتي ترتد جميعاً إلى أصل معين، هو اعتبار الحبس الاحتياطي إجراء من إجراءات التحقيق وتدبيراً احترازياً في وقت واحد. وقد أكدت المحكمة الدستورية الفيدرالية الألمانية دستورية النص على أن يكون الحبس الاحتياطي لمنع المتهم من العودة إلى الجريمة، مؤكدة أن حماية المجتمع ضد الأعمال الإجرامية تصلح هدفاً للحبس الاحتياطي.
وفي الاتجاه ذاته، تنص المادة 123 مكرر الفقرة الأولى من قانون الإجراءات الجزائية الجزائري لسنة 1966م على أن «يجب أن يؤسس أمر الوضع في الحبس المؤقت على معطيات مستخرجة من ملف القضية تفيد: 1- انعدام موطن مستقر للمتهم أو عدم تقديمه ضمانات كافية للمثول أمام القضاء أو كانت الأفعال جد خطيرة، 2- أن الحبس المؤقت هو الإجراء الوحيد للحفاظ على الحجج أو الأدلة المادية أو لمنع الضغوط على الشهود أو الضحايا، أو لتفادي تواطؤ بين المتهمين والشركاء قد يؤدي إلى عرقلة الكشف عن الحقيقة، 3- أن الحبس ضروري لحماية المتهم أو وضع حد للجريمة، أو الوقاية من حدوثها من جديد. 4- عدم تقيد المتهم بالالتزامات المترتبة على إجراءات الرقابة القضائية دون مبرر جدي». وتنص المادة 124 من القانون ذاته على أن «لا يجوز في مواد الجنح، أن يحبس المتهم المقيم بالجزائر حبساً مؤقتاً إذا كان الحد الأقصى للعقوبة المقررة في القانون هو الحبس لمدة تساوي أو تقل عن ثلاث (3) سنوات، باستثناء الجرائم التي نتجت عنها وفاة إنسان أو التي أدت إلى إخلال ظاهر بالنظام العام، وفي هذه الحالة لا تتعدى مدة الحبس المؤقت شهراً واحداً غير قابل للتجديد». ويستفاد من هذا النص أن المشرع الجزائري يجيز الحبس المؤقت متى ثبت أن هذا الإجراء «ضروري لحماية المتهم أو وضع حد للجريمة أو الوقاية من حدوثها من جديد».
وفي مصر، كانت المادة الحادية والأربعون من الدستور المصري الملغي لعام 1971م تنص على أنه لا يجوز القبض على أحد أو تفتيشه أو حبسه أو تقييد حريته بأي قيد أو منعه من التنقل إلا بأمر تستلزمه ضرورة التحقيق وصيانة أمن المجتمع». وبناء على هذا النص الدستوري، والذي يجيز الحبس لصيانة أمن المجتمع، صدر القانون رقم 145 لسنة 2006م بتعديل بعض أحكام قانون الإجراءات الجنائية، مقرراً تعديل المادة 134 الفقرة الأولى، بحيث غدا نصها على النحو التالي: «يجوز لقاضي التحقيق، بعد استجواب المتهم أو في حالة هربه، إذا كانت الواقعة جناية أو جنحة معاقباً عليها بالحبس لمدة لا تقل عن سنة، والدلائل عليها كافية، أن يصدر أمراً بحبس المتهم احتياطياً، وذلك إذا توافرت إحدى الحالات أو الدواعي الآتية: 1- إذا كانت الجريمة في حالة تلبس، ويجب تنفيذ الحكم فيها فور صدوره. 2- الخشية من هروب المتهم. 3- خشية الإضرار بمصلحة التحقيق سواء بالتأثير على المجني عليه أو الشهود، أو بالعبث في الأدلة أو القرائن المادية، أو بإجراء اتفاقات مع باقي الجناة لتغيير الحقيقة أو طمس معالمها. 4- توقي الإخلال الجسيم بالأمن والنظام العام الذي قد يترتب على جسامة الجريمة». ووجه الاستدلال بهذا النص أن البند الرابع منه يخول لقاضي التحقيق سلطة الأمر بالحبس الاحتياطي بهدف «توقي الإخلال الجسيم بالأمن والنظام العام الذي قد يترتب على جسامة الجريمة».
وتعليقاً على هذا النص، يؤكد بعض الفقه أن هناك جرائم معينة تثير الرأي العام، لعل أهمها جرائم الدم وجرائم الاعتداء على العرض. ولا شك أن ترك المتهم حراً طليقاً في مثل هذه الحالات قد يقود إلى كثير من الاضطرابات، خاصة بين عائلات الجناة والمجني عليهم، وربما يتم الفتك بالمتهم، وهذا يعد مبرراً وسبباً كافياً للأمر بالحبس الاحتياطي. بيد أنه من الملاحظ أن المشرع قد استلزم ضرورة أن يكون «الإخلال» بالأمن والنظام العام جسيماً، وهو أمر يعتمد على حس سلطة التحقيق وتقديرها (راجع: د. عمر سالم، الوجيز في شرح قانون الإجراءات الجنائية، الجزء الأول، دار النهضة العربية، القاهرة، 2010م، ص 294 و295).
وفي المقابل، يرى بعض الفقه أن «توقي الإخلال الجسيم بالأمن والنظام العام الذي قد يترتب على جسامة الجريمة» لا يصلح سنداً للحبس الاحتياطي، ناظرين في ذلك إلى أن الحبس الاحتياطي ليس إلا إجراء من إجراءات التحقيق، لا تجوز مباشرته إلا لمصلحة التحقيق، بما في ذلك حماية الأدلة وعدم العبث بها والحيلولة دون هروب المتهم. كما أن التدبير الاحترازي يوجه ضد خطورة الشخص، وهو ما لا يمكن التسليم به ضد متهم الأصل فيه البراءة. أما توقي الإخلال الجسيم بالأمن والنظام العام، فيكون من خلال إجراءات الضبط الإداري بما تستتبعه من اتخاذ تدابير أمنية معينة لا يجوز أن تصل إلى حد انتهاك حريات الأبرياء. وعدا ذلك، فإن اتخاذ التدبير الاحترازي هو من اختصاص قضاء الحكم. ووفقاً لهذا الرأي، فإنه لا يجوز التوسع في الهدف من الحبس الاحتياطي، واعتباره تدبيراً احترازياً، لأنه قد يجعله في مصاف العقوبات، الأمر الذي يتعارض مع طبيعته الاحتياطية. أما مراعاة الشعور العام للناس بسبب جسامة الجريمة، فلا يجوز مواجهته بحبس الأبرياء. والخوف من هروب المتهم عند الحكم عليه لا يجوز أن يكون سنداً لحبسه، وإلا كان ذلك مصادرة على المطلوب، وهو التأكد من إدانته، مما يتعارض تماماً مع أصل البراءة. ولهذا، فقد أوجد القانون الفرنسي الصادر في 17 يوليو سنة 1970 بديلاً للحبس الاحتياطي، وهو المراقبة القضائية للمتهم مع إخضاعه لبعض الواجبات التي تكفل وضعه تحت تصرف القضاء، وتكفل كذلك حسن سلوك المتهم وعدم العودة إلى الجريمة. ففي هذه المراقبة يتحقق معنى التدبير الاحترازي المؤقت، دون أن يصل الأمر إلى حد إيداع المتهم في السجن على النحو المقرر في الحبس الاحتياطي. وإجراء المراقبة القضائية يتفق مع السياسة التشريعية لقانون الإجراءات الجنائية الفرنسي الذي اعتبر الحبس الاحتياطي تدبيراً احترازياً، فضلاً عن كونه أحد إجراءات التحقيق (راجع: أستاذنا الدكتور أحمد فتحي سرور، الوسيط في قانون الإجراءات الجنائية، دار النهضة العربية، القاهرة، الطبعة الحادية عشرة، منقحة ومحدثة، 2020م، رقم 734، ص 1082 وما بعدها).
ويبدو أن الرأي المعارض لاعتبار «توقي الإخلال الجسيم بالأمن والنظام العام الذي قد يترتب على جسامة الجريمة» سنداً ومبرراً للحبس الاحتياطي قد غلب لدى واضعي الدستور المصري الحالي لعام 2014م، حيث تم حذف عبارة «صيانة أمن المجتمع» من الأسباب التي تجيز الحبس في الفقرة الأولى من المادة الرابعة والخمسين من الدستور. وإذا كانت الفقرة الخامسة من المادة ذاتها تنص على أن ينظم القانون أحكام الحبس الاحتياطي ومدته وأسبابه، فإن القانون لابد من أن يتقيد بحكم الفقرة الأولى من المادة الرابعة والخمسين التي وضعت ما يستلزمه التحقيق سبباً له، نظراً إلى تكامل النصوص الدستورية كما استقر على ذلك قضاء المحكمة الدستورية العليا، وتطبيقاً للمادة 227 من دستور 2014م التي نصت على أن يشكل الدستور بديباجته وجميع نصوصه نسيجاً مترابطاً وكلاً لا يتجزأ، وتتكامل أحكامه في وحدة عضوية واحدة.
ومع ذلك، فإن المادة 113 من قانون الإجراءات الجنائية الجديد، الصادر بالقانون رقم 174م لسنة 2025م، والمعمول به اعتباراً من أول أكتوبر 2026م، قد أبقت على «توقي الإخلال الجسيم بالأمن والنظام العام الذي قد يترتب على جسامة الجريمة»، وذلك ضمن دواعي ومبررات الحبس الاحتياطي.
وعلى هذا النحو، فإن القضاء الجنائي يؤدي دوراً في الحفاظ على الأمن والنظام العام في المجتمع، وذلك من خلال اللجوء إلى حبس المتهم احتياطياً، متى اقتضت ظروف الجريمة وأحوال المتهم ذلك. ولعل ذلك يؤكد مرة أخرى على عدم الفصل الجامد بين وظائف السلطات الثلاث، وأن ثمة تداخل في بعض الوظائف، بما يجعل كل سلطة منها بمثابة العضو في الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى. ولذلك، فإن الصياغة الحديثة والمعاصرة لمبدأ «الفصل بين السلطات» هي مبدأ «التوازن بين السلطات». كذلك، تجدر الإشارة في هذا الصدد إلى مصطلح «الحكومة المتكاملة» الذي ظهر في الأدبيات الغربية منذ فترة وجيزة (Integrated government)، وبدأ الحديث عنه على استحياء في العالم العربي ولدى الناطقين بلغة الضاد. إذ يؤكد البعض على ضرورة تبني مفهوم جديد لآليات العمل الحكومي. ولتوضيح هذا المفهوم الجديد، يقول البعض إنّ من أسس العمل الحكومي الذي نعرفه هو مفهوم نطاق العمل، أو الاختصاص. ومفهوم الاختصاص إذا طبق بحذافيره كما يطبق في كثير من الحالات يؤدي إلى الانعزال. فمفهوم الاختصاص غالباً ما يتعارض مع مفهوم الشراكة. ونتيجة لذلك، تقوم وزارة ما بممارسة اختصاصها نظامياً دون أن تلام، ولا تجد غضاضة من أن تؤدي مهامها دون الرجوع إلى جهة أخرى. إذا كان مفهوم الاختصاص بهذا المعنى، سنجد صعوبة في تطبيق الشراكة إلا على مستوى روتيني، سطحي، تلبية لرغبة وقتية. ولكن لتحقيق الشراكة الحقيقية والفاعلة، يغدو من الضروري خلق آليات جديدة للعمل الحكومي، تكون الشراكة فيه عنصراً أساسياً. بمعنى آخر، لابد من إزاحة مفهوم الاختصاص الذي يرتكز على الفردانية، وأن يستبدل به مفهوم آليات العمل (العمليات). المقصود بآليات العمل هو الاتفاق على حل تشارك فيه الجهات من خلال خطوات أو مهمات تكلف بتنفيذها، ويكون الاتفاق على هذه الآليات والخطوات التنفيذية من خلال سياسات وآليات وحوكمة واضحة للعمليات والخدمات الحكومية. تجربة العمل الحكومي المشترك نفذت في عدد من الدول منها أستراليا، حيث قامت الحكومة الأسترالية بإطلاق مبادرة (الحكومة المتكاملة). ويقصد بالحكومة المتكاملة هو عمل الحكومة من خلال محافظ للخدمات لا تنتمي إلى جهة محددة بل يشترك في قيادتها وتخطيطها وتنفيذها عدد من الجهات. مفهوم المشاركة الذي تقوم عليه هذه المبادرة يتجاوز العلاقة التشاورية المعتادة التي يمكن أن توصف بالوقتية. العلاقة التشاورية هذه تبنى في المرحلة الأولى من التخطيط، أما مبادرة الحكومة المتكاملة، فتتجاوز التخطيط إلى التنفيذ (راجع على سبيل المثال: زياد آل الشيخ، الحكومة المتكاملة، موقع العربية نت، 25 فبراير 2018م).
وفي اعتقادي أن مفهوم «الحكومة المتكاملة» ليس قاصراً على الحكومة بمعناها الضيق، أي الوزارات والسلطة التنفيذية، وإنما يشمل الحكومة بمعناها الواسع، والذي يستوعب كل من السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية. وفي اعتقادي أيضاً أن مفهوم «الحكومة المتكاملة» يتجاوز الحدود التقنية وتبادل البيانات إلى الشراكة المؤسسية في أداء المهام والواجبات والمسؤوليات. ومنظوراً للأمور على هذا النحو، يغدو من الطبيعي والمستساغ الحديث عن دور أمني للقضاء الجنائي. ولكل ما سبق، فإن الدعوة واجبة إلى كليات الحقوق والقانون في العالم العربي إلى تحديث مناهجها العلمية، وبحيث يتم الحديث عن مبدأ الفصل بين السلطات ونظرية مونتسكيو باعتبارها إرثاً وشيئاً من الماضي، وأن يتركز الحديث على مبدأ التوازن بين السلطات. والله من وراء القصد…