
الحصانة بين الاعتراف والتلبس
بقلم د. أشرف نجيب الدريني
بادئ ذي بدء أرجو من القارئ الكريم، قبل أن يغوص في مضامين هذا المقال أن يمنح ذهنه بعض الصفاء وروحه بعض السكينة. فليس الغرض مجرد القراءة السطحية بل الغوص في أعماق الأفكار واستشعار أبعادها والتأمل فيما قد يطرحه المقال من رؤى وأسئلة تثير الفكر. وإن كان ذهنه مشغولا، فليؤجل القراءة إلى حين يجد نفسه صافي الذهن، هادئ النفس مستعدا للرحلة الفكرية التي تنتظره. فهل يمكن لاعترافٍ أن يهدم حصانة؟ هل تكفي كلمة – ولو جاءت صريحة قاطعة – لتفتح باب القبض حيث أغلقه الدستور بإحكام؟! وهل يجوز أن يتحول الدليل إلى سلطة، وأن ينقلب الإقرار إلى مبرر لتجاوز الضمانات؟ أم أن القانون في منطقه يرفض هذا الخلط ويصر على أن لكل فكرة مجالها وحدودها التي لا يجوز انتهاكها؟
لا مراء في أن الإجراءات الجنائية تقوم على تمييزات دقيقة، وأن الخلط بين مفاهيمها ليس مجرد خطأ فني بل هو خلل في الرؤية ذاتها. ففي العمق الحقيقي لهذه الإجراءات، لا يقف الاعتراف والحصانة والتلبس في مرتبة واحدة حتى يفاضل بينها، بل ينتمي كل منها إلى عالم مختلف تماما. فالاعتراف ينتمي إلى عالم الإثبات، إلى تلك اللحظة التي يعيد فيها القاضي بناء الواقعة من خلال الأدلة، ويرسي عقيدته على ما اطمأنت إليه نفسه. أما الحصانة فتنتمي إلى عالم الشرعية الإجرائية، إلى ما قبل ذلك كله، إلى اللحظة الأولى التي يسأل فيها: هل يجوز أصلا أن نصل إلى هذا الشخص بهذا الطريق؟ وبينهما يقف التلبس في عالم ثالث مستقل، عالم الوقائع المادية المحسوسة التي تفرض نفسها بذاتها على الواقع فتبيح إجراءً كان محظورا.
آية ذلك أن الاعتراف لا ينشئ سلطة بل يسهم في تكوين عقيدة، وأن الحصانة تقيد السلطة ذاتها وتضع لها حدودا لا يجوز تجاوزها إلا ((بإذن أو بتلبس)). وإذا كان هذا التمييز واضحا في ظاهره، فإن الخطر الحقيقي لا يكمن في جهله بل في الإغراء بتجاوزه. إذ يحدث أحيانا أن يبدو الاعتراف قويا حتى يوهم بأنه يغني عن كل ضمانة، فيحتج به دليلا ومسوغا في آنٍ واحد. وهذا هو الخلط الذي يرفضه القانون في منطقه، لأن الدليل مهما بلغت قوته لا يصبح إذنا، ولا يرتقي القول مهما اشتد وضوحه إلى مرتبة الواقعة المادية. فإذا سمح للدليل أن يؤدي وظيفة الضمانة انهار التوازن، وأصبحت الحرية رهينة لما قد يقال لا لما يجوز قانونا أن يفعل.
وهنا لا مناص من الوقوف عند حالة التلبس وقفة متأملة، لأنها هي الاستثناء الوحيد الذي يبيح الإجراء دون إذن، وفهمها على وجهها الصحيح هو المفتاح لرد كل التباس. فالتلبس ليس بابا خلفيا يلجأ إليه متى أريد تجاوز الحصانة، بل هو استثناء صريح مقنن مشروط بوقائع مادية محسوسة تدرك بالحواس في لحظتها: مشاهدة الجريمة حال ارتكابها، أو إثر ارتكابها مباشرة، أو ملاحقة الجاني فور وقوعها بالإشارة والصياح… وعلة هذا الاستثناء مزدوجة: فهي من ناحية ضرورة الحفاظ على الدليل الذي يتهدده الزمن ويهدد به تبدده، ومن ناحية أخرى وضوح الجريمة ذاتها وضوحا ماديا يمنح مأمور الضبط القضائي -استثناءً ومؤقتا- سلطة تقارب سلطة القاضي في تقدير مشروعية الإجراء. وهذا البعد الثاني هو ما يكشف بجلاء أن التلبس يبيح الإجراء لأن الجريمة تفرض ذاتها على الواقع، لا لأن دليلا يدعيها مهما بلغ وضوحه. وهذه هي اللحظة التي يتجلى فيها الفارق الجوهري بين الواقعة والقول: التلبس واقعة تفرض ذاتها، أما الاعتراف فقول يقدم ويوزن، وما بني على قول لا يجوز أن يعامل معاملة ما بني على واقعة .
ولا يقدح في هذا أن يكون الاعتراف بالغ الوضوح أو مفصلا إلى حد التصديق، لأن وضوح القول لا يحيله واقعة. ومن هنا، فإن كل محاولة لاستخدام الاعتراف أساسا لادعاء التلبس هي في حقيقتها التفاف على اشتراط الإذن، ومحاولة لإحلال دليل محل ضمانة، وهذا بعينه ما ران على مثل هذه المحاولات من فساد منطقي وقانوني لا يستساغ. وعليه، فإن كان الاعتراف عاجزا عن بناء التلبس – لأنه قول لا واقعة- فهو بالتبعية أعجز عن تقويض الحصانة، لأن الحصانة لا تواجه الأدلة بل تواجه السلطة التي قد تسيء توظيفها. فإذا كان الاعتراف يفصح عن جريمة ويكشف عن متهم، فإن طريقه الشرعي الوحيد هو أن يفتح باب الإذن لا أن يتحايل على بابه.
وإذا انتقلنا من التلبس إلى الحصانة، وجدنا أنفسنا أمام طبقة أعمق من الحماية القانونية. إذ إن الحصانة البرلمانية أو تلك المقررة لرجال السلطة القضائية ليست مجرد قيد إجرائي يرفع بالإذن أو بالتلبس بل هي تعبير عن فلسفة دستورية راسخة ترى أن بعض الوظائف يجب أن تحمى من اندفاع السلطة الاتهامية حتى لا تتحول الإجراءات إلى وسيلة تأثير أو انتقام أو تعطيل لدور هذه المؤسسات. ولذلك كان اشتراط الإذن المسبق ليس شكلا فارغا، بل تجسيدا لفكرة أن الحرية في هذه الحالة مرتبطة بحماية المصلحة العامة لا بمصلحة الفرد وحده. والإذن المسبق وحالة التلبس هما (وهما فقط) المسوغان الشرعيان للنيل من هذه الحصانة، غير أنهما مسوغان متمايزان في طبيعتهما وشروطهما لا يجوز تذويب أحدهما في الآخر.
وفي ضوء هذه الفلسفة الدستورية، يغدو التمييز بين نوعي الاعتراف من حيث مرحلة صدوره تمييزا إجرائيا لا غنى عنه. فالاعتراف القضائي- الصادر أمام القاضي في مرحلة المحاكمة- هو وسيلة إثبات صرفة تخضع لتقدير المحكمة وتجد مكانها الطبيعي في عالم الإثبات. أما الاعتراف الاستدلالي- الصادر في مرحلة جمع الاستدلالات أمام مأمور الضبط القضائي- فهو الذي يساء توظيفه في الغالب ذريعةً لإجراء مشوب، إذ يتخذ مسوغا للقبض أو التفتيش قبل الحصول على الإذن اللازم. والخلط بين هذين النوعين يعمق الأزمة الإجرائية لأنه يضفي على الاعتراف الاستدلالي قوة لا يملكها قانونا، يحمله وظيفة لم يصمم لها دستورا.
وخلاصة ما تقدم مبدأ راسخ ينبغي إعلانه صريحا: إسقاط الحصانة حق مقيد لا يملكه صاحبه بمجرد قول، بل يحتاج إلى مسار إجرائي دقيق رسمه الدستور والقانون بعناية. ومن هنا، فإن التساؤل عن إمكانية أن يقوم الاعتراف مقام الإذن لا يكشف عن اجتهاد قانوني بل يكشف عن افتراض خفي مؤداه أن الاعتراف يتمتع بقوة استثنائية تجعله يتجاوز القيود. غير أن هذا الافتراض يصطدم بحقيقة قانونية راسخة: الاعتراف لا يخرج عن كونه دليلا يخضع للتقدير، ولا يرقى إلى مرتبة الواقعة المادية التي تنشئ التلبس، ولا يملك من السلطة الدستورية ما يخوله الحلول محل الجهة المنوط بها منح الإذن. فهو يبقى- في كل أحواله- في عالم الإثبات، ولا سبيل له إلى عالم الشرعية الإجرائية.
بل إن المشرع ذاته، وهو يتعامل مع الاعتراف لم يمنحه قداسة مطلقة، بل أحاطه بحذر منهجي يكشف عن وعي عميق بطبيعته. فالقضاء مستقر على أن الاعتراف ليس وحدة صماء بل يمكن تجزئته موضوعيا، فيؤخذ منه ما اطمأنت إليه المحكمة في بيان الواقعة ويطرح ما عداه، شريطة ألا يتعارض المأخوذ مع المتروك تعارضا جوهريا يفسد دلالة الاعتراف من أصله. وهذه الإمكانية تكشف عن إدراك عميق للطبيعة البشرية في الاعتراف؛ فالإنسان قد يصدق في جزء من قوله ويخطئ أو يبالغ في جزء آخر. غير أن هذه التجزئة تقع في المضمون الموضوعي للواقعة المعترف بها- أي في مجال الإثبات حصرا- ولا تمتد إلى التجزئة الإجرائية. إذ لا يجوز أن نعتبر الاعتراف صحيحا لإدانة المتهم وباطلا في الوقت ذاته لأنه استخدم مسوغا لانتهاك حصانته، لأن هذه التجزئة الإجرائية تفضي إلى نتيجة مناقضة: قبول ثمرة اعتراف فاسد الأثر، وهو ما يقوض وحدة الشرعية الإجرائية من أساسها.
غير أن هذا المنطق ذاته، إذا دفع إلى أقصاه، يكشف عن نتيجة أشد خطورة لا مناص من مواجهتها: فإذا كان الاعتراف الصحيح يجوز التعامل معه بهذه المرونة الموضوعية، فمن باب أولى أن الاعتراف الفاسد الذي شابه إكراه لا يجوز أن يبقى له أثر من أي نوع. لأننا هنا لا نكون بصدد تجزئة دليل بل بصدد انهيار أساسه كله. فالاعتراف المنتزع تحت وطأة الإكراه لا يفقد قيمته الإثباتية فحسب، بل يُعد عدوانا على الحرية وخللا جسيما في شرعية الإجراء برمته. وإذا كان الاعتراف الصحيح لا ينشئ تلبسا ولا يغني عن إذن، فالاعتراف المُكره لا ينشئ شيئا على الإطلاق. ولا يقف البطلان عند حدود الاعتراف ذاته بل يمتد منطقيا إلى كل ما بني عليه، إذ لا يعقل قانونا ولا منطقا أن يستمد إجراء مشروع من مصدر غير مشروع، ولا أن يقام بناء قانوني على أساس مهتز. فالإجراء الذي يستند إلى اعتراف مكره فاقد لركنه الأخلاقي والقانوني معا، مما يقتضي استبعاده ليس فقط حماية للمتهم بل صونا لنقاء النظام القانوني ذاته من أن يدنسه ما ران عليه من فساد في مصدره. ويتسع هذا الأثر ليطال القائم بالإجراء نفسه، إذ إن استناده إلى اعتراف مشوب بالإكراه يلقي بظلال كثيفة على حياده ويجعل شهادته عن هذا الإجراء محل ريبة مشروعة لا ترفع. فالشهادة في جوهرها ليست مجرد نقل لواقعة بل هي تعبير عن مصداقية، وهذه المصداقية تتآكل حين يكون الأصل الذي قامت عليه غير مشروع.
وإذا كانت هذه النتائج- من بطلان الاعتراف المُكره إلى امتداد الفساد إلى كل ما بني عليه- تبدو في ظاهرها نتائج فنية إجرائية، فإنها في عمقها تعبير عن موقف دستوري واحد متسق: أن الضمانة لا تنتزع بالقوة ولا تتجاوز بالذكاء، بل تظل قائمة ما دام النظام القانوني يحترم نفسه. وهكذا، تنتهي هذه الرحلة عبر ثلاثة عوالم إلى حيث بدأت، لكن بوعي أعمق وبصيرة أوضح: الاعتراف لا يسقط الحصانة لأنه لا ينتمي إلى مجالها أصلا، والتلبس وحده بشروطه المادية الصارمة هو ما يبيح الإجراء دون إذن- لا لأنه أقوى دليلا بل لأنه واقعة تفرض ذاتها ومشروعية ظاهرة تحل استثناءً محل الإذن القضائي- والحصانة لا تواجه الاعتراف ولا تواجه التلبس الحقيقي بل تواجه السلطة التي قد تسيء استخدام أيهما. وكل محاولة لخلط هذه العوالم الثلاثة، ولو بدت نافعة، هي في عمقها مخالفة للدستور الذي رسم هذه الحدود ابتداءً، وانتهاك لضمانة منحها للمواطن لا يجوز الالتفاف عليها بأي مسار. إذا لا تقاس قوة العدالة بقدرتها على انتزاع الاعترافات بل بقدرتها على رفضها حين تنتزع بغير حق، ولا تقاس بمرونتها في تجاوز الضمانات بل بصلابتها في التمسك بها حين يبدو التجاوز مغريا. وقد أراد الدستور لهذه الضمانات أن تكون خطوطا لا تمحى بالاجتهاد ولا تذاب بالضرورة، لأن الحرية التي لا تصان إلا حين تكون غير مكلفة ليست حرية حقيقية. فهناك فارق جوهري بين ثلاثة مفاهيم تبدو متقاربة وهي في الحقيقة متباعدة: دليل يثبت، وواقعة تبيح، وضمانة دستورية تصون. وكل قانون يخلط بينها لا يدين فحسب، بل يتجاوز- وهذا وحده كافٍ لإدانته. والله من وراء القصد.