الحجاب على منصة القضاء 

مقال بقلم د أشرف نجيب الدريني 

في عام 2023، أصدرت المحكمة الإدارية في مدينة دارمشتات بولاية هيسن الألمانية حكما قضائيا أثار جدلا واسعا في الأوساط القانونية الأوروبية؛ إذ قضت بعدم أهلية (المرأة المسلمة) لممارسة مهام القضاء أو الادعاء العام وهي ترتدي الحجاب خلال إجراءات التقاضي. واستندت المحكمة في حيثياتها إلى أن القاضي، حين يتصدر منصة القضاء، لا يقف هناك بوصفه شخصا من لحم ودم يحمل تاريخه وقناعاته، بل يتجسد فيه صوت الدولة وسلطتها؛ ومن ثم فإن مبدأ الحياد المؤسسي يقتضي أن يخلو مظهره من كل رمز يحمل دلالة دينية ظاهرة، حتى وإن انعدم الدليل الموضوعي على أن ذلك الرمز يؤثر فعلا في مآل الأحكام أو ينعكس على السلوك القضائي داخل قاعة المحكمة.

 

وتجدر الإشارة ابتداءً إلى أن هذا الحكم يعكس توجها فقهيا بعينه تتباين حوله المدارس القانونية، وأن هذا المقال يتناوله من منطلق نقدي يُعلي من قيمة الحرية الدينية، ويرى في الحياد الشكلي المجرد قاصرا عن تحقيق العدالة في مجتمعات التعدد، مع الإقرار بأن لمبدأ الحياد الشكلي وجاهته ومسوغاته في سياقات بعينها.

 

غير أن هذا الحكم، على ما يبدو من وضوح ظاهري، ينطوي في أعماقه على إشكاليات جوهرية تتجاوز المسألة الإجرائية إلى ما هو أكثر عمقا وأبعد أثرا. فهل يملك الرمز الديني الذي يحمله القاضي على جسده قدرة على اختراق إرادته والمساس بحيدته وتجرده في الفصل بين الخصوم؟ أم أن الحياد المطلوب في الدولة الحديثة إنما يتجلى في سلامة التسبيب وعدالة المنطوق، لا في هيئة من يصدر الحكم؟ وهل يُعقل أن يشترط في القاضي التخلي عن مظاهر هويته الشخصية شرطا لاكتساب أهلية التقاضي، في حين أن الثقة المشروعة في القضاء مصدرها الاستقلال القضائي والحصانة المؤسسية لا المظهر الخارجي؟ وما الحد الفاصل بين قيد مشروع تفرضه متطلبات الوظيفة العامة، وبين تضييق غير مشروع على حرية دينية مكفولة دستوريًا ومصانة بموجب الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان؟ إن هذه الأسئلة لا تتعلق بالحجاب وحده، بل تمس في جوهرها العلاقة بين الإنسان والمؤسسة، وحدود ما تملك الدولة أن تشترطه في موظفيها باسم الحياد.

 

وللإجابة عن هذه التساؤلات إجابة حقيقية، لا بد من استيعاب الطبيعة الجوهرية للولاية القضائية أولا. فالقاضي في جوهر ما يضطلع به وصي أخير على سيادة القانون وضامن الحق في المحاكمة العادلة، يعهد إليه المجتمع بمهمة شاقة ودقيقة: ترجمة النصوص القانونية الجامدة إلى عدالة ناجزة تمس حياة الناس وتصون حقوقهم وترسخ ضمانات التقاضي. ومن هنا ارتبطت الوظيفة القضائية تاريخيا وفلسفيا بمبدأَي الحياد والتجرد اللذَين يشكلان ركيزة الشرعية القضائية؛ فالقاضي لا يقضي باسم نفسه ولا باسم معتقده، بل باسم القانون وحده، وهو ما عبر عنه الفقه القانوني الكلاسيكي بأن القاضي ليس سوى (فم القانون الناطق) أي الأداة التي يتحدث من خلالها القانون لا الإرادة التي تشكله. ولذلك أحاطت الأنظمة القانونية الحديثة القضاء بجملة من الضمانات الجوهرية التي تكفل استقلاله ونزاهته، سواء على مستوى البنية المؤسسية كمبدأ عدم القابلية للعزل وحظر التدخل التنفيذي في شؤون القضاء، أو على مستوى المعايير السلوكية كاشتراط الحياد والتجرد وإلزامية التنحي عند قيام موجباته، لأن العدالة التي لا تحمي نفسها من التأثير والتحيز تفقد ما تقوم عليه من ثقة مشروعة.

 

بيد أن استيعاب هذه الطبيعة الجوهرية للولاية القضائية يقودنا حتما إلى سؤال أعمق: ما الذي يعنيه الحياد فعلا حين يُختبر أمام إنسان يحمل هوية ويؤدي وظيفة؟ فالحياد القضائي في حقيقته ومضمونه ليس حالة شكلية تقاس بالنظر إلى مظهر القاضي أو ما يعتمره. إنه التزام مهني وأخلاقي عميق يفرض على القاضي أن يُنحي قناعاته الشخصية جانبا حين يجلس للفصل في الدعاوى، وأن يستند في تقدير الأدلة وتكييف الوقائع وبناء الأحكام إلى معيار موضوعي مجرد بعيد عن الاعتبارات الذاتية. فكل قاضٍ إنسان يحمل في وجدانه دينا ومعتقدا وانتماءات ثقافية واجتماعية، غير أن ضمانة النزاهة القضائية تقتضي ألا تتسرب هذه الانتماءات إلى منطوق الأحكام وتتحول إلى معيار حكم بديل يفرز بين المتقاضين على غير أساس قانوني.

 

ومن هنا فإن جوهر الحياد لا يكمن في طمس هوية القاضي أو محوها قسرا، بل في قدرته على الفصل الواعي والمنضبط بين ذاته الإنسانية ووظيفته القضائية في كل لحظة من لحظات الفصل؛ وهو فصل يستلزم تكوينا قانونيا رفيعا ووعيا مهنيًا راسخا وخضوعا لرقابة قضائية فعالة، لا مجرد نزع رمز من الجسد. على أن الإنصاف الفكري يقتضي الاعتراف بأن بعض الأنظمة القانونية الأوروبية تتبنى قراءة مغايرة لهذا المفهوم تستند إلى حجج لها وزنها ولا يصح تجاهلها. فهذه الأنظمة ترى استنادا إلى مبدأ ((مظاهر الحياد)) أن العدالة لا يكفي أن تؤدى بحياد فعلي، بل يجب كذلك أن تقدم بمظهر الحياد في عيون المتقاضين. فالثقة المشروعة في القضاء، وفق هذا الاتجاه، لا تقوم فحسب على نزاهة القاضي ورجاحة تقديره، بل تمتد إلى الصورة التي تعكسها المؤسسة القضائية أمام العموم، إذ إن مجرد الظهور بمظهر التحيز قد يشكل بحد ذاته خللا في ضمانات المحاكمة العادلة. ويستند أصحاب هذا الموقف كذلك إلى أن مبدأ (العلمانية المؤسسية) يفرض على الدولة أن تظهر بمظهر الحياد التام تجاه جميع الأديان والمعتقدات دون تفضيل أو إقصاء، وأن السماح بالرموز الدينية داخل أروقة القضاء قد يوحي بانحياز مؤسسي يقوض الثقة العامة في منظومة العدالة. وإن كان في هذا المنطق وجاهة لا تنكر وخاصة في السياقات التي يكون فيها التنوع الديني مصدر احتقان اجتماعي حقيقي، فإنه يظل محل نظر جدي ما لم يستند إلى دليل تجريبي موثق يثبت الأثر الفعلي لهذه الرموز على سلوك القضاة وقرارات المتقاضين، لأن القيد الذي يفتقر إلى هذا الدليل يخاطر بأن يكون استجابة لمخاوف افتراضية لا لضرورة قانونية حقيقية.

 

وهنا يصبح الإطار القانوني الدولي لحقوق الإنسان المرجعية الفاصلة التي تضع حدا موضوعيا لهذا النقاش. فالحرية الدينية بمفهومها الراسخ لا تقتصر على صون حرية الاعتقاد الداخلي الصامت، بل تمتد وفق ما كرسته المادة التاسعة من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان لتشمل حق الإنسان في التعبير الخارجي عن معتقده وإظهار انتمائه الديني من خلال الرموز والمظاهر، وهو حق لا يسوغ تقييده إلا بنص صريح ولغاية مشروعة وفق اشتراطات مبدأ التناسب القانوني المعمول به أمام المحكمة الأوروبية .

 

وفي تطبيق هذا المبدأ، أرست المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في قضية Ebrahimian v. France الصادرة عام 2015، والمتعلقة بفصل موظفة في المستشفى العام بسبب ارتداء الحجاب، معيارا مفاده أن أي قيد على إظهار الرمز الديني في الوظيفة العامة يجب أن يجتاز اختبار الضرورة في المجتمع الديمقراطي، وأن يكون متناسبا مع الغاية المشروعة المتوخاة، ومستندا إلى مبررات موضوعية تتجاوز الاعتبارات الانطباعية. ورغم أن المحكمة أجازت القيد في تلك القضية في سياق الخدمة الاجتماعية العامة، فإنها أكدت أن تقدير ضرورته يتفاوت بحسب طبيعة الوظيفة ودرجة تأثيرها المباشر في الجمهور.

 

أما قضية Hamidović v. Bosnia and Herzegovina الصادرة عام 2018، والأكثر صلة بالسياق القضائي تحديدا لتعلّقها بالتعارض بين الالتزام الديني وإجراءات التقاضي، فقد أكدت المحكمة فيها أن الدولة ملزمة بإثبات الضرورة الفعلية لأي قيد يفرض على التعبير الديني في الفضاء القضائي. لا يكفي مجرد الاحتجاج بالحياد المؤسسي ذريعة دون بيان الأثر الملموس والمتناسب مع القيد المفروض؛ إذ يحول غياب هذا البيان القيد من ضمانة مؤسسية إلى عبء تمييزي يقع على عاتق فئة دينية بعينها.

 

وانطلاقا من هذا الإطار القانوني، تتكشف المعضلة الدستورية الجوهرية التي تقف أمامها الدولة الحديثة في مفترق طريقين: كيف توفق بين الالتزام بصون الحياد المؤسسي للقضاء من جهة، وضمان عدم انتهاك الحقوق الأساسية للأفراد الساعين إلى الانتساب إلى الجهاز القضائي من جهة أخرى؟ فإن تمادت الدولة في توسيع نطاق حظر الرموز الدينية داخل الوظيفة العامة، جازفت بأن تتحول فكرة الحياد إلى آلية إقصاء غير مباشر لفئات دينية بعينها من مناصب السلطة، وهو ما يعد في ضوء مبادئ المساواة وعدم التمييز المكرسة في المادة الرابعة عشرة من الاتفاقية الأوروبية خللا بنيويا يمسّ مشروعية التمثيل القضائي ويقوض ثقة الفئات المُقصاة في منظومة العدالة ذاتها. وإن هي تجاهلت في المقابل الأثر النفسي المحتمل للرموز الدينية على إدراك المتقاضين لموضوعية القضاء، فقد تتصدع الثقة المشروعة في المؤسسة القضائية لدى فئات أخرى من المجتمع. وبين هذين المحذورين يقع التوتر الحقيقي الذي لا تستطيع الدولة تجاوزه بحكم قضائي مبتور، بل تحتاج إلى معالجته بسياسة تشريعية متأنية مستندة إلى توافق مجتمعي حقيقي يعلي من قيمة التعددية ويصون في الوقت ذاته مقتضيات الحياد المؤسسي.

 

وتكشف المقاربات الأوروبية المقارنة أن الدول الديمقراطية ذاتها لم تتوصل إلى نموذج تشريعي موحد في هذا الشأن، مما يدل على أن الإشكالية ليست محسومة فقها ولا سياسة. فبينما تنتهج فرنسا سياسة العلمانية الصارمة (laïcité) في الفصل الكامل بين الرموز الدينية ومتطلبات الوظيفة العامة، تتبنى دول كالمملكة المتحدة وكندا نموذج العلمانية المرنة القائمة على مبدأ التسوية المعقولة (reasonable accommodation)، الذي يُفسح المجال لإظهار الهوية الدينية ضمن ضوابط تراعي طبيعة الوظيفة ومقتضياتها. وفي ظل هذا التباين الذي يعكس اختلافا حقيقيا في فلسفات الدولة والمواطنة لا مجرد تباين تقني، لم يعد السؤال القانوني الجوهري هو ما إذا كان القاضي يحمل هوية دينية أم لا، بل صار السؤال الأجدر والأكثر دقة: هل ثمة علاقة سببية موثقة قانونا بين إظهار الانتماء الديني وبين الانحراف عن معايير التقاضي وضمانات الحياد؟ وهل تقوم المسؤولية القضائية على افتراض التحيز أم على إثباته وفق معايير موضوعية؟ إن الإجابة عن هذين السؤالين هي وحدها التي تحدد ما إذا كان القيد المفروض إجراءً قانونيا مشروعا تستدعيه ضرورة حقيقية، أم تمييزا مقنعا تحت عباءة الحياد.

 

وحين نرسي الإجابة على معيار الإثبات لا على افتراض التحيز، يتبين أن التحدي الحقيقي لا يكمن في مظهر القاضي بمقدار ما يكمن في صلابة المنظومة القضائية ومتانة ضماناتها الهيكلية. فالقضاء الذي يتمتع باستقلال قضائي راسخ، ويخضع لرقابة قضائية فعالة، ويلزم قضاته بمعايير سلوكية صارمة توجب التنحي عند قيام موجباته وتفرض الحياد في التقدير والتسبيب، قادر على صون نزاهته والدفاع عن مشروعيته بصرف النظر عن تنوع هويات القضاة المنتسبين إليه. بل إن فقهاء القانون الدستوري الحديث يرون أن التنوع في تركيبة الجهاز القضائي يعزز شرعيته التمثيلية ويجعله أكثر قدرة على استيعاب تعقيدات المجتمع وأعمق فهما لتجارب فئاته المختلفة. أما القضاء الذي تتهاوى ضماناته الجوهرية وتضعف رقابته المؤسسية، فإن حياده سيظل مشكوكا فيه حتى لو بدا كل قضاته في هيئة خالية تماما من أي رمزية دينية؛ لأن الحياد الحقيقي يبنى من داخل المنظومة القضائية لا يفرض من خارجها بقرار إداري.

 

هذه القضية، التي انطلقنا من واقعتها في دارمشتات لنصل إلى ما هو أبعد وأعمق، تكشف في جوهرها عن سؤال فلسفي يواجهه كل مجتمع يدعي الجمع بين العلمانية والتعددية: هل يتحقق حياد الدولة بإزالة كل مظهر يعبر عن هوية الأفراد داخل أجهزتها، أم بإرساء مساواة قانونية فعلية تجعل مؤسسات الدولة قادرة على احتضان تنوع مواطنيها والانعكاس حقيقيا على مجتمعاتها؟ إن العدالة في جوهرها لا تقوم على إلغاء التنوع الإنساني وتسويته قسرا، بل على إدارة هذا التنوع في إطار منظومة قانونية تكفل المساواة أمام القضاء وتصون الكرامة الإجرائية لكل متقاضٍ بصرف النظر عن انتمائه. وفي هذا السياق، فإن التنوع داخل الجهاز القضائي ليس عاملا مخلا بالحياد، بل قد يكون في حد ذاته ضمانة من ضمانات الشرعية القضائية حين يجسد المجتمع الذي أُنشئ القضاء لخدمته.

 

ومن ثم فإن قوة القضاء لا تقاس بمدى تجرده الشكلي من الرموز والشارات، بل بقدرته على أن يكون ضامنا فعليا للحقوق والحريات، ووفيا للمبدأ الجوهري الذي قامت عليه كل النظم القانونية الحديثة: أن العدالة لا تنتمي إلى دين ولا إلى عقيدة، وإنما تنتمي إلى الإنسان في إنسانيته. وحين يستوعب المجتمع هذه الحقيقة ويرسخها في ثقافته القانونية، يغدو ميزان العدالة أصلب من كل الرموز وأبقى من كل المظاهر، لأن الثقة الحقيقية بالقضاء لا تبنى على ما تراه العين في هيئة القاضي، بل على ما يجده المتقاضي في الحكم من سلامة تسبيب وعدالة منطوق وضمان كامل لحقه في المحاكمة العادلة  وهو معيار يكمن في صميم ما يعنيه القانون حين يكون في أرقى تجلياته عدلا إنسانيا حقيقيًا. والله من وراء القصد.

زر الذهاب إلى الأعلى