
التشريح النفسي للسلوك الجنائي
بقلم د. أشرف نجيب الدريني
هل يمكن أن يكون أخطر ما في الإنسان ليس ما يفعله بل ما يُخفيه؟ وهل خطر ببالك وأنت تُثني على أحدهم في موقف علني أنك ربما لا ترى منه إلا ما أراد لك أن تراه؟! أم أن الجزء الآخر، الأكثر صدقا وربما الأكثر اضطرابا، يظل بعيدا عن كل عدسة لا يظهر إلا حين ينفرد الإنسان بنفسه؟ ثم دعنا نذهب إلى ما هو أعمق من ذلك: هل ولد إنسان يوما قابضا على أداة عنف؟ هل خرج طفل إلى الدنيا وهو يحمل في داخله كراهية سابقة أو نية للإيذاء؟ أم أن الإنسان يبدأ رحلته (صفحة بيضاء) لا يعرف من الصراع شيئا ثم تبدأ الحياة بتفاصيلها الدقيقةفي أن تكتب عليه ما لم يختره كامل الاختيار وما قبله أحيانا دون أن ينتبه؟
لا مناص من أن هذه الأسئلة لا تطرح للدهشة بقدر ما تطرح لأن في داخل كل إنسان منطقة صامتة لا يحب أن يقترب منها منطقة تتشكل فيها الدوافع قبل أن تتحول إلى أفعال، وتعاد فيها صياغة القيم وفق ما يمر به من ضغوط وتجارب. فالإنسان لا يعيش فقط بما يعلن، بل بما يكتم ولا يتصرف فقط وفق ما يؤمن به نظريابل وفق ما تسمح به حالته النفسية في لحظة معينة. هناك دائما ذلك الفارق الخفي بين ما نعرف أنه صحيح وما نفعله حين تضيق المساحة بين الرغبة والالتزام.
ولعل الصورة الأكثر وضوحا، وإن بدت في ظاهرها محيرة هي صورة التوأمين اللذين تشاركا كل شيء تقريبا. نشآ في بيت واحد سمعا الكلمات ذاتها وخضعا لذات القواعد ومع ذلك لم ينتهِ بهما الأمر إلى النتيجة نفسها. أحدهما اختار طريقا مستقيم – أو هكذا يبدو- والآخر انجرف في مسارات أقل انضباطا. لا توجد لحظة فاصلة يمكن الإمساك بها ولا حدث واضح يفسر هذا التباين، وإنما هي تراكمات صغيرة استجابات مختلفة لمواقف متشابهة نظرات داخلية غير مرئية صنعت الفارق ببطء. هنا يتضح أن البيئة على أهميتها ليست قدرا حتميا، وأن الإنسان لا يعاد إنتاجه بصورة متطابقة حتى وإن تشابهت الظروف.
غير أن ما هو أكثر تعقيدا من اختلاف شخصين، هو التباين داخل الشخص ذاته. فالمسألة لا تقف عند حدود (هذا صالح وهذا منحرف) بل تمتد إلى داخل الفرد الواحد حيث تتجاور صورتان لا تلتقيان بسهولة. ترى شخصا يسارع لمساعدة غيره في موقف إنساني صادق يفعل ذلك بعفوية دون حساب وقد يشاد به ويقدم كنموذج. ثم لا يلبث هذا الشخص ذاته في موقف آخر أن يتجاوز قاعدة واضحة لا لأنه يجهلها بل لأنه أعاد تفسيرها في تلك اللحظة بما يسمح له بتجاوزها. يقف عند إشارة حمراء، ينظر حوله، لا يجد من يراقبه، فيقرر أن العبور لن يضر أحدا. لا يشعر أنه ارتكب ما يستحق التوقف عنده، وكأن الفعل قد جرد داخليا من معناه.
وفي مشهد آخر، قد يعود إلى بيته مثقلا بضغوط يومه، فيضيق بأقرب الناس إليه يتجاوز في القول أو الفعل ثم يمنح نفسه عذرا جاهزا:(الظروف صعبة)(لا أحد يشعر بما أتحمله). هو في كل هذه الحالات لا يرى نفسه شخصا متناقضا، بل يرى كل موقف منفصلا عن الآخر، وكأن لكل فعل سياقه الخاص الذي يبرره. وهنا تحديدا يتشكل ما يمكن وصفه بإعادة التكييف الداخلي للسلوك حيث لا ينكر الإنسان القاعدة لكنه يفرغها من إلزامها كلما تعارضت مع رغبة طارئة أو ضغط مؤقت.
هذا التفاعل الصامت بين الداخل والخارج هو ما يمنح السلوك الإنساني هذا التعقيد. فالكلمة التي قيلت يوما وتركت أثرا، والشعور بالظلم الذي لم يجد طريقه للتعبير والتوتر المتكرر والإحساس بالمنافسة أو العجز كلها لا تصنع انحرافا مباشرا، لكنها تعيد تشكيل نظرة الإنسان إلى نفسه وإلى القواعد التي تحكمه. ومع مرور الوقت لا يحدث التحول في صورة صدمة مفاجئة بل في صورة اعتياد هادئ يفقد فيه الإنسان تدريجيا حساسيته تجاه ما كان يرفضه من قبلٍ.
ومن هنا، لا يعود التناقض لغزا بقدر ما يصبح نتيجة يمكن فهمها. فالإنسان لا ينقسم إلى خير مطلق أو شر مطلق بل يتحرك بين هذين الحدين تحكمه لحظات تتفاوت فيها قدرته على الضبط والمراجعة. وقد يكون صادقا في لحظة التزامه كما يكون -بقدر من الالتباس- صادقا في لحظة مخالفته لأنه في كلتا الحالتين يتصرف وفق ما يراه مبررا في داخله، حتى وإن كان هذا التبرير لا يصمد أمام معيار موضوعي.
وهنا يأتي دور القاعدة القانونية لا بوصفها مجرد نص يخالف أو يحترم بل بوصفها حدا فاصلا لا يعاد تفسيره وفق الأهواء الفردية. فالقانون لا ينظر إلى الصورة التي يقدمها الإنسان عن نفسه ولا إلى ما يحرص على إظهاره بل يتوقف عند الفعل في لحظة وقوعه عند تلك اللحظة التي كان فيها قادرا على أن يختار بين مسلكين. قد يحيط بهذه اللحظة ضغط أو ظرف وقد تتأثر بما سبقها من تراكمات لكن ذلك لا يلغي جوهرها: أنها لحظة اختيار.
والمسألة في عمقها لا تتعلق بأن الإنسان يخطئ، فذلك جزء من طبيعته وإنما تتعلق بكيفية تعامله مع هذا الخطأ. هل يظل الخطأ طارئا يلفت انتباهه ويستدعي مراجعته، أم يتحول إلى سلوك مألوف لا يُثير في داخله شيئا؟ هنا يكمن الفارق الدقيق بين من يتعثر ثم ينتبه ومن يتعثر ثم يتكيف مع التعثر حتى يصبح جزءا من طريقه.
وعند هذه النقطة، تعود الأسئلة الأولى، لا لتسأل كيف بدأ الإنسان، فالبداية معروفة في صفحتها البيضاء، وإنما لتسأل: متى بدأ يكتب عليها دون أن يقرأ ما يكتب؟ متى سمح لنفسه أن يخفف من وقع أفعاله إلى الحد الذي لم يعد يشعر فيه بوزنها؟ متى أصبح الفارق بين ما يعلنه وما يمارسه فارقا لا يقلقه؟ إن أخطر ما في الإنسان ليس أنه قد يخطئ، بل أن يعتاد الخطأ دون أن يشعر أنه تغير. لأن التغيير الحقيقي لا يحدث حين يتبدل السلوك فجأة بل حين يتبدل الإحساس به. وعندها لا تعود المسألة في حاجة إلى مراقب خارجي بل إلى يقظة داخلية الى قدرة على أن يرى الإنسان نفسه كما هي لا كما يحب أن يراها. وفي هذه المساحة الضيقة التي لا يطلع عليها أحد يتحدد كل شيء. ليس بما يقال ولا بما يعرض بل بما يختاره الإنسان حين يكون وحده حين لا يحتاج إلى تبرير ولا يجد من يخفي عنه فعله. هناك فقط تتجرد الصورة، ويظهر المعنى الحقيقي للسلوك لا كما يبدو بل كما هو. فخلف كل جريمة…((حكاية تبرير)) لم تُروَ بعد!