
أزمة الكاميرا في العصر الرقمي
مقال بقلم د. أشرف نجيب الدريني
انتشر منذ الأمس مقطع مصور على وسائل التواصل الاجتماعي لفتاة قدمت بلاغاً للشرطة عن تعرضها للتحرش داخل وسيلة مواصلات عامة. ما لبثت التعليقات أن امتلأت بالغضب والتحليل الفوري وكأن كل مستخدم أصبح قاضيا على الفور وكأن الحقيقة يمكن أن تختزل في زاوية تصوير واحدة وصوت واحد ورواية واحدة! هذه الواقعة ليست مجرد حادث فردي بل تجربة حية تجبرنا على إعادة النظر في حدود المسؤولية القانونية والاجتماعية على المنصات الرقمية وفي التوازن الدقيق بين حماية الضحية وصون حقوق المتهم وبين سرعة الانفعال وضبط الإجراءات وبين الحق في العدالة وحق المجتمع في الحفاظ على النظام.
وقبل الحديث في التفاصيل أريد أن أؤكد موقفي الشخصي: أنا ضد التحرش والمتحرش، التحرش فعل مشين من أبشع الجرائم التي تمثل اعتداء صارخا على كيان الإنسان وجسده أو حتى على نفسه وإن كان لفظيا. أرفض أي اعتداء من إنسان على إنسان. القانون لا يفرق بين المرأة والرجل ولا بين الشريفة والعاهرة، فالقانون يحمي الجميع ويطبق على الجميع. كما أن لبس المرأة أو شكلها أو مكان تواجدها أو وقت تواجدها لا يبرر التحرش بها بأي حال من الأحوال. وأؤكد أن أي حديث هنا عن الضحية أو المشتبه فيه يتم من منظور حياد كامل وموضوعية، مع مراعاة حقوق جميع الأطراف.
النيابة العامة ووزارة الداخلية ناشدت المواطنين مرارا وتكرارا عبر صفحاتهم الرسمية بالتوثيق والتصوير دون اللجوء لوسائل التواصل الاجتماعي. وقد حددت قنوات رسمية لاستلام هذه المواد عبر الواتساب، مع التأكيد على ضرورة عدم النشر حفاظاً على حق المتهم وقرينة البراءة، ولضمان سير التحقيقات القضائية بطريقة سليمة دون تحريف أو تشويه للحقائق.
وتنبثق عن هذا الواقع التساؤلات الجوهرية: ماذا لو كان المتهم بريئاً ولم يرتكب أي فعل محظور؟ ماذا لو كانت الحركة التي فسرتها الضحية على أنها تحرش ناتجة عن ازدحام الباص أو اندفاع غير مقصود؟ ماذا لو حصل التباس أو تفسير خاطئ للحادثة؟ وما مسؤولية الصفحات التي أعادت نشر الفيديو المصور مقارنة بمسؤولية صاحبة الفيديو؟! وهل يعلم كل شخص قام بنشر صورة (المشتبه فيه) أنه قد يعد مرتكبا لجريمة وتجب مساءلته قانونا؟ ماذا لو كان التحرش لفظيا؟ ماذا لو أن الفتاة كانت في حالة نفسية سيئة أو تعاني من اضطرابات أو أمراض نفسية أو مدفوعة بحب (الشهرة أو الترند) أو أداة استخدمها طرف آخر؟! وهل هناك قاعدة عامة تمنع النشر أو الإضرار بالمتهم في جميع الأحوال؟
الإجابات تتكشف وفق المبادئ القانونية الراسخة: المتهم بريء حتى تثبت إدانته وفق قرينة البراءة. أي شعور أو انطباع أو رواية طرف واحد لا يحقق الجريمة. وإذا كان التحرش لفظيا أو جسديا فهو جريمة واضحة بنص المادة 306 من قانون العقوبات المصري كما تم تعديلها بالقانون رقم 141 لسنة 2021، وتشمل العقوبة التحرش الجنسي لفظيا أو جسديا. التصوير وحده وسيلة مشروعة لجمع الأدلة، لكن النشر يحول الواقعة إلى محاكمة عامة قبل أي تحقيق رسمي ويضع المتهم تحت ضغط اجتماعي قد ينسف مستقبله قبل أي حكم قضائي.
المسؤولية القانونية تشمل صاحب الفيديو الأصلي إذا أخل بالإجراءات القانونية، وتشمل كل صفحة أو موقع أعاد نشر الفيديو أو الصور على منصاته، وفق قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، وبخاصة المادة 25 الخاصة بالاعتداء على حرمة الحياة الخاصة ونشر محتوى غير مشروع. كما أن أي شخص قام بنشر صورة ((المشتبه فيه)) على صفحته الشخصية يصبح مسؤولا عن التشهير وفقا للقانون، وهو ما يؤكد ضرورة وعي المجتمع الرقمي.
أما الافتراضات المتعلقة بالفتاة، مثل كونها غير متزنة نفسيا أو لديها اضطرابات أو أمراض نفسية، أو مدفوعة بحب الشهرة أو الترند، أو أنها أداة استخدمها طرف آخر، فهي افتراضات تحتاج إلى تحقيق موضوعي ولا يجوز أن تتحول إلى حكم مسبق يضر بالمجتمع.
ولا مناص من أن حماية الضحية تبقى أولوية، لكن ضمن إطار قانوني متوازن يوازن بين حق الضحية وصون حقوق المتهم. النشر غير القانوني للصور أو الفيديوهات يتحول إلى اغتيال معنوي للمشتبه فيه، ويؤدي إلى تدمير مستقبله وحياته الاجتماعية والمهنية قبل أي تحقيق. العدالة الحقيقية لا تقوم على الانفعال أو الغضب أو الحكم المسبق بل على التثبت من الوقائع واحترام قرينة البراءة وموازنة الحقوق.
كل هذه التساؤلات والإجابات تتلاقى في قاعدة واحدة واضحة أي خلل في التوازن بين حماية الضحية وصون حقوق المتهم يحوّل المجتمع إلى ساحة إدانة مسبقة قبل التحقيق، فتصبح الضحية والمشتبه فيه والمجتمع جميعاً عرضة للظلم. الدروس المستخلصة تتجاوز مجرد منع التحرش أو العقاب على الجرائم، فهي تدعو إلى بناء وعي قانوني ومجتمعي متين يحمي الجميع، ويمنع أي واقعة مشابهة من أن تتحول إلى محكمة عامة افتراضية تقضي على حياة بريء قبل إثبات الجريمة، وتجعل من القانون الحصن الذي يحفظ الكرامة والحق والعدالة في آن واحد. والله من وراء القصد.