القصص القرآني في مرافعات المحامين

مقال للدكتور أحمد عبد الظاهر – أستاذ القانون الجنائي بجامعة القاهرة – المستشار القانوني بدائرة القضاء – أبو ظبي

كثيراً ما نسمع في مرافعات المحامين عبارة (إن موكلي برئ براءة الذئب من دم ابن يعقوب). وقد تأتي العبارة في صيغة أخرى أكثر تحديداً، وهي (إن موكلي برئ براءة الذئب من دم يوسف). ويوسف الوارد اسمه في هذه العبارة هو نبي الله يوسف وأحد أبناء نبي الله يعقوب، عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام. وغني عن البيان أن هذه العبارة تشير وتسترشد بقصة سيدنا يوسف عليه السلام مع أخوته، والتي ورد ذكرها في سورة يوسف، حيث يقول المولى عز وجل: لَّقَدۡ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخۡوَتِهِۦٓ ءَايَٰتٞ لِّلسَّآئِلِينَ  إِذۡ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰٓ أَبِينَا مِنَّا وَنَحۡنُ عُصۡبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ  ٱقۡتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ ٱطۡرَحُوهُ أَرۡضٗا يَخۡلُ لَكُمۡ وَجۡهُ أَبِيكُمۡ وَتَكُونُواْ مِنۢ بَعۡدِهِۦ قَوۡمٗا صَٰلِحِينَ  قَالَ قَآئِلٞ مِّنۡهُمۡ لَا تَقۡتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلۡقُوهُ فِي غَيَٰبَتِ ٱلۡجُبِّ يَلۡتَقِطۡهُ بَعۡضُ ٱلسَّيَّارَةِ إِن كُنتُمۡ فَٰعِلِينَ  قَالُواْ يَٰٓأَبَانَا مَالَكَ لَا تَأۡمَ۬نَّا عَلَىٰ يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُۥ لَنَٰصِحُونَ  أَرۡسِلۡهُ مَعَنَا غَدٗا يَرۡتَعۡ وَيَلۡعَبۡ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ  قَالَ إِنِّي لَيَحۡزُنُنِيٓ أَن تَذۡهَبُواْ بِهِۦ وَأَخَافُ أَن يَأۡكُلَهُ ٱلذِّئۡبُ وَأَنتُمۡ عَنۡهُ غَٰفِلُونَ  قَالُواْ لَئِنۡ أَكَلَهُ ٱلذِّئۡبُ وَنَحۡنُ عُصۡبَةٌ إِنَّآ إِذٗا لَّخَٰسِرُونَ  فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِۦ وَأَجۡمَعُوٓاْ أَن يَجۡعَلُوهُ فِي غَيَٰبَتِ ٱلۡجُبِّۚ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمۡرِهِمۡ هَٰذَا وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ  وَجَآءُوٓ أَبَاهُمۡ عِشَآءٗ يَبۡكُونَ  قَالُواْ يَٰٓأَبَانَآ إِنَّا ذَهَبۡنَا نَسۡتَبِقُ وَتَرَكۡنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَٰعِنَا فَأَكَلَهُ ٱلذِّئۡبُۖ وَمَآ أَنتَ بِمُؤۡمِنٖ لَّنَا وَلَوۡ كُنَّا صَٰدِقِينَ  وَجَآءُو عَلَىٰ قَمِيصِهِۦ بِدَمٖ كَذِبٖۚ قَالَ بَلۡ سَوَّلَتۡ لَكُمۡ أَنفُسُكُمۡ أَمۡرٗاۖ فَصَبۡرٞ جَمِيلٞۖ وَٱللَّهُ ٱلۡمُسۡتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ ﴿سورة يوسف: الآيات 7 – 18﴾.

وهكذا، فإن وجه استدلال المحامي بهذا القصص القرآني، الذي وصفه القرآن الكريم بأحسن القصص، هو لفت الأنظار إلى أن ثمة حالات كثيرة تتجه فيها أصابع الاتهام على نحو معين، ويكون المتهم فيها بريئاً. وكما كان الذئب بريئاً من دم سيدنا يوسف، فإن موكله أيضاً برئ من الاتهامات الموجهة إليه.

ومن القصص القرآني أيضاً، نذكر قصة هدهد سيدنا سليمان عليه السلام:  وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ  لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ  فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ  إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ  وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ  أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ  اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ۩  ۞ قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ﴿سورة النمل: الآيات 20 – 27﴾.

وقد أعجبني كثيراً استشهاد أحد المحامين بهذا القصص القرآني في مرافعته، قائلاً:

سيادة الرئيس..

حين جاء الهدهد لسليمان وهو نبي وملك سخرت له الرياح والجن بخبر عظيم عن مملكة سبأ، لم يقل له سليمان «صدقت فوراً»، ولم يحكم غيابياً، بل قال بلسان العدالة المتزنة: سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ.

سليمان الحكيم لم يكتفِ بـ «تحريات الهدهد» رغم أنه طائر مسخر بأمر الله، فكيف نكتفي نحن بـ «تحريات مصدر سري» لا نعرف اسمه، ولا شكله، ولا دوافعه؟

أطلب من عدالتكم أن نكون على «سنة سليمان» في التثبت.. لا تأخذكم سطوة الأوراق عن جوهر الحقيقة، هذا المتهم ضحية «خبر» لم يخضع للتمحيص، وحريته أمانة في أعناق من يملكون «خاتم الحكم» (راجع: الصفحة الرسمية للأستاذ حازم القسط المحامي على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، 11 يناير 2026م).

وبالإضافة إلى ما سبق، يمكن أن تكون آيات القرآن الكريم سنداً ومعيناً للمحامي في أداء مهنته والدفاع عن موكله. وللتدليل على ذلك، يمكن الاسترشاد بأحد الموضوعات الشائكة في القانون الجنائي، ونعني بذلك موضوع «أثر الصمم والبكم» على المسؤولية الجنائية. بيان ذلك أن الآيات القرآنية المباركة تذكر «الصُمٌّ» و «البُكْمٌ» قبل «العُمْيٌ». ويبدو جلياً من مطالعة قوله تعالى: وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً ۚ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ﴿سورة البقرة: الآية الحادية والسبعون بعد المائة﴾. ويقول تعالى: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَّا يُبْصِرُونَ  صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ﴿سورة البقرة: الآيتان السابعة عشرة والثامنة عشرة﴾.

وفيما يتعلق بالحواس، وبالتدبر في الآيات القرآنية المباركة، نجدها تذكر حاسة «السمع» قبل حاسة «الإبصار». ويبدو ذلك واضحاً جلياً من مطالعة قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ  خَتَمَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ ۖ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿سورة البقرة: الآيتان السادسة والسابعة﴾. كذلك، يذكر المولى عز وجل حاسة السمع قبل حاسة الإبصار، وذلك في قوله تعالى: أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ ۚ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ  يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ ۖ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُم مَّشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿سورة البقرة: الآيتان التاسعة عشرة والعشرون﴾.

بل إن الآيات القرآنية المباركة قد تكتفي في نعت الكافرين وأهل الضلال بصفتي الصم والبكم. وللتدليل على ذلك، يمكن أن نشير إلى قوله تعالى: والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم ﴿سورة الأنعام: الآية التاسعة والثلاثون﴾. فهذه الآية القرآنية تتضمن وصفاً لحال الكفار بأنهم «صم» عن سماع الحق، «بكم» عن القول به، «في الظلمات» يعني في ظلمة عن طريق الحق حائراً فيها، فلا يبصر آيات الله، فيعتبر بها (راجع: تفسير الطبري). وهكذا، وردت الآية القرآنية الكريمة خلواً من ذكر النعت «أعمى». وإذا كان البعض قد يتوقف عند عبارة «في الظلمات»، بحيث يرى فيها إشارة ضمنية إلى فقدان مفعول حاسة الإبصار بفعله الظلمة، فإن ترتيب الإشارة إلى الحواس الثلاث، يؤكد مرة أخرى على أسبقية حاستي السمع والنطق على حاسة الإبصار.

والواقع أن تأثير فقدان حاستي السمع والنطق على القدرات العقلية للشخص وادراكه لما يدور حوله أكبر بكثير من فقدان حاسة البصر. ولذلك، يناقش بعض الفقه تأثير الصم والبكم على المسؤولية الجنائية. ويؤكد البعض أن بواعث «جرائم» الأشخاص الصم والبكم تختلف عن دوافع الأسوياء، فالأصم والأبكم يخرج عن النص القانوني أحياناً دون أن يكون لديه وعي بالجرم المرتكب. ويرى كثير من الباحثين الاجتماعيين أن جرائم المعاقين غالباً ما يتم تدارسها بمنظار التعاطف، «الأصم الأبكم الذي يعاني من إقصاء تواصلي منبوذ من طرف المجتمع، وغالباً ما تنهار مقاومته لهذا الوضع، ويصبح مستعداً أكثر من غيره لارتكاب الجرم عن معرفة مسبقة، وغالباً عن جهل لأنه لا يملك لغة تواصل مشتركة مع الآخر، فتتراكم في دواخله الصرخات لتتحول إلى فعل إجرامي». ومن ثم، يخلص هؤلاء إلى أن سوء الفهم الكبير هو العنوان الرئيسي لجرائم الصم والبكم، فالتحريات التي أجريت في أغلب الملفات التي عرضت على القضاء، تؤكد بأن سوء النية الإجرامية لا تتوفر في كثير من دواعي الفعل الإجرامي (راجع: ايثار موسى، العلاقة بين العيوب الطبيعية (العمى- الصم – البكم – الاعرج) بالإجرام؟، منشور على الموقع الالكتروني: https://www.mohamah.net، 24 يناير 2017م).

وتكتسب هذه المسألة أهمية كبيرة في قانون العقوبات التركي، حيث أولى المشرع اهتماماً كبيراَ بهذا الموضوع. بيان ذلك أن المادة الثالثة والثلاثين من قانون العقوبات التركي رقم 5237 تنص على تنظيم خاص يتعلق بالمسؤولية الجنائية للأشخاص الصم والبكم. إذ تقرّ هذه المادة بأن قدرات هؤلاء الأفراد على الإدراك وتوجيه السلوك قد تختلف تبعاً لمدى قدرتهم على فهم المعنى القانوني والنتائج المترتبة على الفعل المرتكب، كما تأخذ في الاعتبار تأثير القيود في عمليات التعلم على مسؤوليتهم الجنائية. ويشير مفهوم «الصم والبكم» الوارد في المادة 33 من قانون العقوبات التركي إلى الأفراد الذين فقدوا القدرة على السمع والكلام منذ الولادة أو في سن مبكرة. إذ يقيّد فقدان السمع قدرة الشخص على التواصل السليم مع محيطه، كما يؤثر فقدان القدرة على الكلام على مهاراته في التعبير عن نفسه في الحياة الاجتماعية. ولا يقتصر هذا الوضع على التأثير في الحالة الجسدية للفرد فقط، بل يشمل أيضاً نموه الإدراكي والنفسي والاجتماعي.

وغني عن البيان أن التواصل يُعدّ الأداة الأساسية التي تمكّن الفرد من التفاعل مع المجتمع، وإنّ القيود التي يعاني منها الأفراد الصم والبكم في هذا المجال تؤثر بشكل مباشر على عمليات تعلمهم وفهمهم للمعايير الاجتماعية والقانونية. وهذا يُشكّل عنصراً مهماً فيما يتعلق بمسؤوليتهم الجنائية، إذ يجب تقييم أهليتهم الجنائية ليس فقط بناءً على أعمارهم، بل أيضاً وفقاً لمستوى نموّهم، وقدراتهم الإدراكية، وأنماط تواصلهم مع المجتمع. ولهذا السبب، تتطلب مسؤولية الصم والبكم الجنائية تقييماً خاصاً يأخذ بعين الاعتبار حالاتهم الجسدية والنفسية.

وأخيراً، تجدر الإشارة إلى قوله تعالى: هو الذي أنشاكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلاً ما تشكرون ﴿سورة الملك: الآية الثالثة والعشرون﴾. ففي هذه الآية القرآنية المباركة جاء ذكر «السمع» سابقاً على «الأبصار»، وجاء ذكر هاتين الحاستين سابقاً على الأفئدة. وقد ورد هذا الترتيب بين السمع والأبصار والأفئدة في إحدى عشر آية. فالفؤاد هو محل الإدراك بناء على ما يسمعه الإنسان أو يبصره. والسمع أكثر أهمية من الإبصار فيما يتعلق بالإدراك، ولذلك جاء ذكره سابقاً على الإبصار. ومن كل ما سبق، تبدو أهمية حاسة السمع في الإدراك، ويبدو بالتالي من المنطقي طرح التساؤل بجدية عن أثر الصمم والبكم على المسؤولية الجنائية.

وفي الختام، لا نملك سوى ترديد قوله تعالى: لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴿سورة يوسف: الآية 111﴾.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى