قانون قراقوش

مقال للدكتور أحمد عبد الظاهر – أستاذ القانون الجنائي بجامعة القاهرة

في الخامس من شهر فبراير 2026م، قرر الاتحاد المصري لكرة القدم إقامة مباراة الزمالك وسيراميكا كليوباترا، في دور الستة عشر من مسابقة كأس مصر، وذلك في تمام الثانية والنصف عصر يوم الثلاثاء، الموافق 17 فبراير، على استاد القاهرة الدولي.

وبمجرد الإعلان عنه، أثار القرار حالة من الجدل واللغط في الشارع الكروي المصري، ولاسيما فيما يتعلق بإقامة المباراة في هذا التاريخ ووسط جدول مضغوط من المباريات بالنسبة لنادي الزمالك المشارك في بطولة الكونفدرالية، فضلاً عن توقيت إقامة المباراة في الساعة الثانية والنصف ظهراً في يوم عمل رسمي، وقبل وأن ينتهي الموظفون من عملهم. كذلك، أثار القرار جدلاً كبيراً فيما يتعلق بإقامة المباراة بدون جمهور.

ولكل هذه الأسباب، وفي يوم الثلاثاء الموافق العاشر من شهر فبراير الجاري، أرسل نادي الزمالك خطاباً رسمياً إلى الاتحاد المصري لكرة القدم، يطالب فيه بتأجيل مباراة الفريق الأول لكرة القدم بالنادي أمام سيراميكا كليوباترا المقرر لها يوم 17 فبراير الجاري في دور الـستة عشر لمسابقة كأس مصر. وأكد الزمالك في خطابه على ضرورة تأجيل المباراة، بسبب عدم تكافؤ الفرص وعدم توافر العدالة، خاصة وأن الفريق سيخوض 6 مباريات في 15 يوماً، في حين يحصل فريق سيراميكا كليوباترا على راحة لمدة 12 يوماً قبل المواجهة المرتقبة بين الفريقين، وبالتالي سيلعب الزمالك مع فريق حصل على راحة كاملة بينما يعاني الأبيض من الإجهاد وسيخوض اللقاء بدون جماهيره. وأوضح الزمالك في خطابه أن موعد المباراة يؤثر على الحالة الصحية للاعبين، كما لا يراعي مسألة الإجهاد بتحديد موعد المباراة في الثانية والنصف عصراً. وأشار الزمالك في خطابه إلى حرمان جماهيره من حضور المباراة وكأنها معاقبة بدون وجه حق. وشدد النادي على المطالبة بتأجيل المباراة إلى موعد آخر مع تمسك الزمالك بحقوقه فيما يتعلق بهذا الشأن.

وكم كان غريباً أن يتأخر رد الفعل الرسمي لنادي الزمالك على القرار لمدة خمسة أيام كاملة. وكم كان جميلاً أن يكون الإعلامي الأهلاوي، أبو المعاطي زكي، أبرز المدافعين عن حقوق نادي الزمالك في مواجهة هذا القرار غير العادل من اتحاد الكرة، وخصوصاً حقه في إقامة المباراة في حضور جماهيره.

وفي المقابل، شدد المشرف العام على الكرة بنادي سيراميكا كليوباترا، على التزام ناديه الكامل بلوائح المسابقات المحلية، مؤكداً تمسكه بتطبيق اللائحة فيما يخص إقامة مباراة دور الـ16 دون حضور جماهيري. وخلال تصريحات تليفزيونية، قال المشرف العام على الكرة بنادي سيراميكا كليوباترا: «الحاجة اللي أنا متمسك بيها إن لائحة الاتحاد واضحة وتنص على أن مباريات دور الـ16 تُلعب بدون جمهور، ونحن متمسكون بحقنا وخوض مباراة الزمالك بدون جماهير، وسيكون في خطابات رسمية تتبع لكي نؤكد على الموقف». وتطرق المشرف العام على الكرة بسيراميكا كليوباترا للحديث عن الجدل المثار حول موعد مواجهة الزمالك المقبلة، موضحاً أن فريقه كان يخوض معسكراً إعدادياً قبل مباراة غزل المحلة، وكان من المقرر مواجهة بيراميدز يوم 20 من الشهر الجاري، قبل أن يتلقى النادي إخطاراً مفاجئًا بموعد لقاء الزمالك. واختتم المشرف العام على الكرة بنادي سيراميكا كليوباترا تصريحاته، قائلاً: «الأمر الوحيد الذي نتمسك به هو عدم حضور الجماهير في مباراة الكأس، وفقاً لما ورد في الخطاب المرسل إلينا، وسنخاطب اتحاد الكرة رسمياً للتأكيد على إقامة مباراة الزمالك في دور الـ16 من كأس مصر بدون جمهور».

ومن جانبه، وإزاء حالة الجدل المثار حول المباراة، علق مصدر داخل الاتحاد المصري لكرة القدم على الموضوع، مؤكداً أن جميع مباريات دور الـ16 من البطولة تُقام بدون جماهير، وهو القرار الذي تم تطبيقه على كافة المباريات التي أُقيمت في هذا الدور. وأوضح المصدر أن لقاء الزمالك وسيراميكا لا يُستثنى من هذا الإجراء، ويتم التعامل معه بنفس المعايير المطبقة على باقي المباريات. وشدد المصدر على أن خطاب التعليمات الصادر من اتحاد الكرة بشأن مباريات دور الـ16 جاء بصيغة موحدة، وتم تعميمه على جميع الأندية المشاركة، متضمناً نفس الشروط والتنظيمات دون تمييز. وأوضح المصدر أن الحضور في مباريات هذا الدور يقتصر على 50 فرداً فقط من إدارة كل نادي، على أن يلتزم كل طرف بتقديم كشف معتمد بأسماء المسموح لهم بالحضور، مع عدم السماح بدخول أي شخص غير مدرج في القوائم المعتمدة. وأضاف المصدر أن خطاب التعليمات الخاص بمباراة الزمالك وسيراميكا كليوباترا تضمن أيضاً اللجوء إلى شوطين إضافيين في حال انتهاء الوقت الأصلي بالتعادل، على أن يتم الاحتكام إلى ركلات الترجيح إذا استمر التعادل بعد الوقت الإضافي، مع التأكيد على عدم السماح بالحضور الجماهيري.

وفي يوم الأربعاء الموافق الحادي عشر من شهر فبراير 2026م، قرر اتحاد الكرة نقل المباراة إلى ملعب هيئة قناة السويس بدلاً من استاد القاهرة، كما تقرر بدء اللقاء في الخامسة مساءً بدلاً من الثانية والنصف عصراً.

والسؤال الذي يفرض نفسه في هذا الشأن يدور حول السبب وراء إقامة المباراة بدون حضور جماهيري. فمن المعروف أن اللجوء إلى هذا الإجراء قد يتم عقوبة على تصرفات الجماهير في بعض المباريات، وقد يتم اللجوء إليه كتدبير أمني في حالة وجود خطر معين يخشى حدوثه في بعض المباريات. أما أن يتم اللجوء إلى هذا الإجراء بدون سبب واضح، ولمجرد النص عليه في اللائحة، فهذا ما لا يمكن تبريره وغير مستساغ عقلاً ومنطقاً، ويحمل شبهة واضحة بالتحيز للأندية غير الجماهيرية، مثل سيراميكا كليوباترا وبيراميدز والبنك الأهلي وغيرها من أندية الهيئات والشركات. ولا اعتقد أن اتحاداً آخر في أي دولة أخرى قد صدر عنه مثل هذا القرار.

إن القوانين واللوائح لا تقرر إجراءات أو قيود هكذا اعتباطاً، وبدون أي منطق أو مسوغ شرعي. فكل قيد أو إجراء لابد له من سبب. فإذا انتفى هذا السبب أو المسوغ المنطقي، فلا شرعية لهذا الإجراء أو القيد، ولو كان قد تم النص عليه في اللائحة ولو كانت الأندية نفسها قد وافقت عليها أو وقعت عليها في اجتماع الجمعية العمومية.

ولا أدري لماذا قفزت إلى ذهني عبارة «حكم قراقوش» أو «قانون قراقوش»، بمجرد قراءة الأخبار المنشورة عن قرار الاتحاد المصري لكرة القدم بإقامة المباراة دون جمهور وفي تمام الساعة الثانية والنصف ظهراً وفي يوم عمل رسمي، لاسيما وأن هذا القرار قد صدر فجأة وفي ظل ارتباط نادي الزمالك بمباراة مصيرية في الجولة الأخيرة والحاسمة من دوري المجموعات ببطولة الكونفدرالية. وكثيراً ما نسمع المثل القائل «حكم قراقوش» الذي يضرب للتدليل على جور الحكم وجبروت القاضي أو الحاكم، ولهذا يحتج الشخص الذي يحس بأنه قد ظلم في أمر ما، بتشبيه مصيره بـ «حكم قراقوش». كما يقال لكل شخص صاحب جاه وسلطة، يمارس غروره على الآخرين والبغي، على أنه شبيه «قراقوش». وترجع قصة هذا المثل إلى أحد وزراء صلاح الدين الأيوبي، واسمه «بهاء الدين قراقوش». إذ أن المؤرخ المصري ابن مماتي، الذي عاصر صلاح الدين الأيوبي، كتب في وزيره المذكور كتاباً أسماه «الفاشوش في حكم قراقوش».

وكلمة «فاشوش» في المعاجم اللغوية، لا سيما قاموس الرائد والمعجم الوسيط، تُشير إلى الشيء الفارغ الذي لا مضمون له، أو الشخص ضعيف الرأي والعزم، وهي كلمة ذات جذور عربية فصحى وتُستخدم أيضاً في الدارجة العربية (خاصة المغربية) بمعنى الادعاء والافتخار بما ليس حقيقياً. وهكذا، فإن كلمة «فاشوش» تشير إلى الأحكام الفاشلة أو الوهمية، ويقال في الدارجة «فشوش» للشيء والكلام والفعل الفارغ الذي لا مضمون له. ومن ذلك، المثل الشعبي المصري «جت على فاشوش»، والذي يستخدم للتعبير عن الفشل وضياع الجهد دون نتيجة تذكر.

ويقال إن الصراع بين ابن مماتي وقراقوش يقف وراء هذا الكتاب، حيث كان الأول يمثل سلطة القلم، في حين أن الثاني كان يعكس تسلط السيف، وقد تنافس الاثنان في عصر الأيوبيين على من يكون له منهما النفوذ الأكبر. وقد كانت الغلبة لقراقوش على ابن مماتي، الأمر الذي دفع ابن مماتي لتأليف كتابه الذي أبرز من خلاله صورة بهاء الدين قراقوش بالطريقة التي أرادها، وذلك وفق النماذج التي رغب فيها بالضبط من تصويره على أنه أحمق وجائر. وينسب إلى قراقوش أنه كان وراء إعدام العالم الشهير «شهاب الدين السهروردي»، صاحب العديد من المؤلفات المشهورة مثل «حكمة الإِشراق»، «هياكل النور»، «لغة النمل»، وغيرها، وكان في السادسة والثلاثين من عمره عندما حكم عليه في عصر الأيوبيين.

ومن القصص والأحكام الغريبة التي نسبها ابن مماتي لبهاء الدين قراقوش، نذكر ما يلي:
1- كان قراقوش يمتلك صقراً يعتز به، وقد طار هذا الصقر من عنده، ولما أبلغ بهذا الخبر صاح قائلاً: أقفلوا أبواب المدينة حتى لا يجد مفراً فيعود إلى.
2 -جاء فلاح يشكو جندياً إلى الأمير قراقوش، كان الفلاح يركب سفينة ومعه زوجته الحامل في سبعة أشهر، فوكزها الجندي فأجهضها. وقد فكّر قراقوش – كعادته – ثم نطق بالحكم، حيث حكم بأن يأخذ الجندي زوجة الفلاح عنده لينفق عليها ويوفر لها البيت والمأكل طيلة سبعة أشهر، وهو ما أسعد الفلاح قبل أن ينطق قراقوش بباقي الحكم بأن على الجندي كذلك أن يعيد الزوجة وهي حبلى في السابع، وهنا هرب الفلاح بزوجته.
3- من الأحكام العجيبة التي ينقلها ابن مماتي عن قراقوش أنه سابق رجلاً بفرس له، فسبقه الرجل بفرسه، فحلف أنه لا يُعلفه ثلاثة أيام. فقال له السابق: «يا مولاي يموت». رد قراقوش: «اعلفه ولا تعلمه أننى دريت بذلك».
4- مر متسول يطلب طعاماً فأجابه قراقوش: لقد مزقت نياط قلبي بشكواك ولا أجد سوى السجن مقاماً لك تأكل، حتى إذا شبعت أفرج عنك.
5- سأل قراقوش بائع حليب غشاش: كيف تخلط الحليب في الماء؟ فأجاب البائع: أنا أغسله فقط. فقال قراقوش: أنت رجل تحب النظافة، ولا لوم عليك، ويوضع من أبلغ عنك في السجن.
6- حُكى أن دائنا شكا مماطلة غريمه، فقال المدين لقراقوش: «يا مولانا.. إني رجل فقير، وإذا حصلت شيئا له، لا أجده، فإذا صـرفته جاء وطالبني». فقال قراقوش: «احبسوا صاحب الحق، حتى إذا حصل المديون شـيئاً يجده ويدفع له». فقال صاحب الحق: «تركت أجرى على الله» ومضى.
7- تقول حكاية إن لصا دخل مشغل نساج ليسرق، فاصطدمت عينه بالإبرة ففقدها، وشكا لقراقوش الذي ترك اللص وأمر بقلع عين النساج. والذي اقترح عين صياد بدلاً من عينه لأن الصياد يستعمل عينا واحدة. ووافق قراقوش. ومثلها حكاية النجار، الذي كان يعمل في منزل فوقع حجر كسر رجله. وشكا النجار صاحب البيت فحكم قراقوش بأن تكسر رجل صاحب البيت. ولكن الأخير ألصق الذنب بالبناء الذي اتهم بنتا كانت ترتدى ثوبا أحمر زاهياً لفتت انتباهه، وأحضرت البنت فألصقت الذنب ببائع القماش، وعندها أصدر قراقوش حكمه بشنق البائع، اتضح أنه طويل فأمر رجاله بأن يشنقوا أقصر رجل في الطريق.
8- من أحكام قراقوش الغريبة العجيبة أيضاً أن سيدة ذهبت تشكو صاحب المنزل أنه قبَلها، فقال قراقوش: قبَليه مثل ما قبلك.
9- جاءت الشرطة لقراقوش بأحد غلمانه متهماً بالقتل، قال قراقوش اشنقوه، فقيل له: إنه حدادك الذي ينعل لك الفرس، فنظر أمام بابه فرأى رجل قفاصات يصنع الأقفاص، فقال: اشنقوا القفاص واتركوا الحداد.
10- حكاية أخرى تقول إن اثنين من أبناء رجل ثرى استغلوا إغماء والدهما وجهزاه للدفن. وفى الطريق أفاق الرجل، ونادى قراقوش ليخلصه. وعندها سأل قراقوش أقرباءه والناس فقالوا إن الرجل ميت، وعندها أمر بدفنه، وقال: لا نعرف أكثر منهم.
11- في كتابه، يقص ابن مماتي أيضاً أن قراقوش طلب من أحد القضاة أن يهيئ له حساب القمح والشعير والفول والحمص، ووضع القاضي الحساب في صحيفة واحدة، فاختلط الأمر على قراقوش وظن أن القاضي خلط الأصناف ببعضها، وأمر بحبسه. لكن القاضي تنبه إلى أن الأمر التبس على ذكاء قراقوش، فأرسل إليه من الحبس بحساب كل صنف في صحيفة واحدة، عندها سر قراقوش وعفا عنه قائلاً: «لقد تعبت يا فقيه.. نقيت هذا من هذا وذا من ذا، زفوه في المدينة».

وسخر ابن مماتي من جهل قراقوش بالدين، فكتب أن شاعراً تقدم لمدحه، ولما انتهى، قال له: «يا مقرئ لقد قرأت قراءة طيبة»، فلم يفرق بين الشعر والقرآن الكريم.

وهناك كثيرون ممن اعتقدوا أن قراقوش ظلم كثيراً، وحاولوا الدفاع عنه، ومنهم صالح محمد الجاسر في «قراقوش المظلوم حياً وميتاً»، حيث رأوا أنه تعرض لتشويه، نقله من قائمة المحاربين والمهتمين بالعمارة إلى قائمة الحمقى والمغفلين والطغاة. وأن قراقوش ظلم لأن الناس أخذوا ما نسب إليه على أنه حقيقة. ويرى بعض المستشرقين أن ابن مماتي ألف الكتاب للسخرية من ظلم قراقوش، وأيضا سخطاً على دولته الأيوبية. ويرى الدكتور على الراعي أن هذا زعم خاطئ؛ لأن قراقوش وابن مماتي من رجال الدولة، وأن ابن مماتي أراد السخرية ممن تستخدمهم تلك الدولة من الأجانب في حكم مصر، حيث كان قراقوش تركياً.

ولم يؤد كتاب ابن مماتي الغرض الذي ذكره ابن مماتي في مقدمته، وهو أن يريح صلاح الدين الناس من قراقوش. ولم يرد أن صلاح الدين رأى الكتاب الذي على الرغم من قسوته كان سبباً في شهرة قراقوش، وبحيث صار رمزاً ومثلاً يتم تداول اسمه بين الناس للتسلط الغبي.

وفي الختام، وأياً كانت الحقيقة بشأن قراقوش، وما إذا كانت أحكامه غبية حقاً أم لا، فإن المراد من ذكر هذه القصة هو التأكيد على أن القانون منطق، وأن القاعدة القانونية لابد وأن تستند إلى سبب ومبرر واضح من العقل والمنطق. فإذا انتفى هذا المبرر المنطقي أو العقلاني، غدا النص القانوني أو اللائحي أو القرار غير مشروع. وهذا ما يتطبق تماماً على قرار الاتحاد المصري لكرة القدم بإقامة مباريات دور الستة عشر من مسابقة كأس مصر بدون جمهور. ولا يجوز مطلقاً التذرع بأن هذا الإجراء قد ورد النص عليه في اللائحة التي تم تعميمها على الأندية.

زر الذهاب إلى الأعلى