
ظاهرة تشابه الأسماء في قانون الإجراءات الجنائية الجدي
المستشار الدكتور محمد سمير
إن ظاهرة تشابه الأسماء آثارها لا تخطئ الكثيرين من الأبرياء من أفراد المجتمع ويترتب عليها آثار سلبية تتخطى الحقوق والحريات الخاصة بالأفراد لتصيب المصلحة العامة للمجتمع بأبلغ الضرر. إذ يؤدي إلى استيقاف الكثير من الأشخاص أو القبض عليهم بغية تنفيذ أحكام صادرة على أشخاص بنفس الاسم، أو منع أشخاص من السفر أو تعطيلهم عنه للتدقيق على مسألة تشابه الأسماء وغير ذلك من الإجراءات الجنائية التي تنطوي على مساس خطير بالحريات. ويرجع سبب تفشي هذه الظاهرة إلى أن الأحكام والأوامر التحفظية تصدر غالباً ضد أشخاص بأسمائهم ولا يرفق بها الرقم القومي الخاص بالصادر ضده الحكم أو الأمر، كما أن من يبلغ عن جريمة ليس مطلوباً منه أن يبحث عن الرقم القومي الخاص بالمشكو في حقه وأن تطلب الرقم القومي سيحول دون تحرير المحاضر أو اتخاذ الإجراءات اللازمة فيها. والواقع أن إيجاد حل لهذه المشكلة ليس أمراً صعباً على الإطلاق كما يبدو لأول وهلة إذ يكفي إرفاق الرقم القومي باسم المشكو في حقه أو المشتبه فيه في مرحلة جمع الاستدلال ولا يتم إحالة المحضر إلى النيابة العامة إلا بعد إرفاق الرقم القومي الخاص بالمشكو في حقه، وإرفاق الرقم القومي للمتهم عند مباشرة التحقيق من قبل النيابة العامة أو قاضي التحقيق وإذا تعذر ذلك في البداية تعين ألا يتم إحالة الدعوى إلى المحكمة إلا بعد استيفاء التحريات اللازمة حول الرقم القومي الخاص بالمتهم، وألا يتم إدراج أي شخص على قائمة المنع من السفر أو ترقب الوصول إلا إذا كان اسمه مقروناً بالرقم القومي، وألا يصدر أي حكم من المحكمة إلا بالإشارة للرقم القومي للمتهم المحكوم عليه، إذ أنه من المعلوم أن الرقم القومي لا يتشابه فيه شخصان. كما أنه من الممكن أن تستعين وزارة الداخلية بالسجل المدني لتثبت الأرقام القومية لجميع المواطنين من خلال نظام إلكتروني يطبق على نحو يحول دون حدوث هذه الظاهرة الضارة، ويتم ربط هذا النظام بالنظام الإلكتروني للنيابة العامة.
– الأضرار المترتبة على ظاهرة تشابه الأسماء:
الواقع أن ساحات القضاء الإداري مازالت تعج بدعاوى أقامها متضررون نتيجة القبض عليهم أو سلب حريتهم والتنفيذ عليهم بطريق الخطأ. ومن ضمن الدعاوى المذكورة قبل صدور قانون الإجراءات الجنائية الجديد دعوى أقيمت أمام محكمة القضاء الإداري تتلخص وقائعها في أن المدعي فيها قد تم استيقافه وبالكشف عليه من خلال بطاقة الرقم القومي وجد بالحاسب الآلي الخاص بتنفيذ الأحكام أن ثمة حكماً جنائياً صادر ضد متهم يدعى … ولما كان المدعي يحمل هذا الاسم فتم القبض عليه وتم حجزه بقسم الشرطة ثم عرضه على النيابة المختصة وتبين أن الجنحة المقبوض عليه بشأنها لتنفيذ العقوبة المحكوم بها فيها تخص شخص آخر برقم قومي وعنوان إقامة غير رقم قومي وعنوان المدعي فأمرت النيابة العام بإخلاء سبيله( ). والظاهرة المذكورة تتنافى مع الدستور الذي يضفي قدسية خاصة على الحريات الشخصية للأفراد ويعتبرها مصونة لا تمس إلا بمعرفة القضاء وبناء على أدلة قاطعة جازمة، ويأبى المساس بها بغير وجه حق، إذ أن من شأن هذه الظاهرة أن تجعل الشخص البريء يتحمل جريرة غيره على نحو يلحق به أبلغ الضرر، الضرر المذكور ليس مجرد ضرر أدبي فحسب بل يدلنا الواقع على أنه يتجاوز ذلك بتعرض البعض للقبض أو الحبس أو المنع من السفر بدون وجه حق أو التعطيل عن السفر مما يؤدي إلى تفويت الرحلة الخاصة بهذا الشخص وما يلحق به من معاناه في الحجز على رحلة أخرى وما يرتبط ذلك من مشقة فضلاً عن التكلفة وما قد يرتبط بهذا التعطيل من التزامات في الدولة التي يسافر إليها. وطالما استمرت الظاهرة المذكورة فإنها تعرض الحريات الشخصية لخطر داهم إذ أن أي شخص معرض للوقوع تحت وطأتها.
– موقف قانون الإجراءات الجنائية من ظاهرة تشابه الأسماء:
مما لا ريب فيه أنه من مزايا قانون الإجراءات الجنائية الحالي أنه تصدى لظاهرة تشابه الأسماء تلك الظاهرة الخطيرة التي تهدد بالخطر حقوق الأفراد وحرياتهم، بنصه في الفقرة الأخيرة من المادة 27 على أنه ” ويجب على مأموري الضبط القضائي إثبات بيانات الرقم القومي للمتهم فور تحديد هويته، وإرفاق مستخرج من بياناتها بالمحضر “. وكذلك أوجب المشرع في المادة 108 من قانون الإجراءات الجنائية ” أن يشمل كل أمر على اسم المتهم ولقبه ومهنته ومحل إقامته ورقمه القومي أو رقم وثيقة سفره وموطنه إن كان أجنبياً، والتهمة المنسوبة إليه، وتاريخ الأمر وتوقيع عضو النيابة العامة والختم الرسمي، …”. وهذا النص يعد ضمانة جديدة في مجال الحقوق والحريات للقضاء على ظاهرة تشابه الأسماء، إذ يتعين أن يكون كل أمر مثبت به بيانات كفيلة بتحديد هوية المتهم على نحو نافي للجهالة، بحيث لا يضبط إلا الشخص المراد إحضاره، سواء كان الأمر بالتكليف بالحضور في ميعاد معين، أو الأمر الخاص بالقبض والإحضار وهو أمر يصدر عن مأمور الضبط القضائي أو رجل السلطة العامة بالقبض على المتهم وإحضاره أمام عضو النيابة العامة إذا رفض الحضور طوعاً في الحال، لذا اشترط في الأمر بالقبض والإحضار أن يشتمل على أسبابه تنفيذا للالتزام الدستوري( ). وتضمنت المادة 152 من ذات القانون أيضاً أنه إذا رأت النيابة العامة بعد التحقيق أنه لا وجه لإقامة الدعوى الجنائية تصدر أمراً بذلك، وتأمر بالإفراج عن المتهم المحبوس ما لم يكن محبوساً لسبب آخر، ويبين فيه بيانات المتهم وهي اسمه، ولقبه، وسنه، ومحل ميلاده، وسكنه، ومهنته، ورقمه القومي، أو رقم وثيقة سفره، وموطنه إن كان أجنبياً. وأوجبت المادة 229/2 من قانون الإجراءات الجنائية أن تذكر في ورقة التكليف بالحضور بيانات المتهم، ورقمه القومي أو رقم وثيقة سفره وموطنه إذا كان أجنبياً. وبالمثل أوجبت المادة 231/1 ، 2 من ذات القانون إذا لم يتمكن المحضر من تسليم ورقة التكليف بالحضور إلى المتهم، أو امتنع مأمور القسم أو المركز أو العمدة أو شيخ البلد عن التوقيع على الأصل بالاستلام أو عن استلام الصورة، أن يوجه المحضر رسالة نصية على الهاتف المحمول المثبت ببيانات رقمه القومي تشمل بيانات الإعلان. وأناطت المادة 232 من القانون المذكور بمركز الإعلانات الهاتفية الكائن بدائرة كل محكمة جزئية بالاستعلام من قطاع الأحوال المدنية عن الرقم القومي للمتهم ورقم الهاتف المحمول المثبت به. كما أوجبت المادة 310 من قانون الإجراءات الجنائية أن تشتمل أسباب الحكم على بيانات المحكوم عليه بما فيها الرقم القومي. وقد استحدث المشرع الإجراءات المذكورة في سبيل القضاء على ظاهرة تشابه الأسماء لما تسببه من أضرار جسيمة وانتهاك لحقوق وحريات الأبرياء. واتجاه المشرع على نحو ما تقدم، أمر محمود إلا أن العبرة في هذا الصدد بتفعيل النصوص المذكورة وتطبيقها على أرض الواقع على وجه السرعة حتى يمكن تلافي الأضرار التي تترتب على هذه الظاهرة المقيتة.