
خارج على القانون
مقال بقلم د. أشرف نجيب الدريني
جاء هذا المقال من رحم الأحداث التي ضجت على وسائل التواصل الاجتماعي في الآونة الأخيرة، ومن خلال متابعة صفحة وزارة الداخلية ومشاهدة عدد من المقاطع المصورة التي وثقت سلوكيات متعددة، تكاد جميعها تكون مترابطة، وتدور في فلك واحد: التعالي على القانون، أو ضمان عدم تطبيقه، أو سيطرة فكرة الغابة أو… هذه الظاهرة ليست مجرد مخالفات فردية، بل هي انعكاس لأزمة أعمق في إدراك القيم القانونية والاجتماعية، وتجعلنا نتساءل: هل هو خلل في الفرد نفسه، أم في البيئة التي صنعت له هذه القناعة؟! هل يمكن للإنسان أن يعيش في مجتمع، وفي داخله شعور بأنه خارج إطار القانون، وكأن النصوص والقواعد لا تخصه؟ هل التعالي على القانون ناتج عن خلل في تكوينه النفسي، أم ثمرة منظومة اجتماعية ومؤسسية جعلته يصدق أنه معيار ذاته؟! وهل المسؤولية تقع على الفرد وحده، أم على الأسرة والمجتمع والمؤسسات التي رسخت له فكرة الامتياز المستمر؟
تساؤلات تجعلنا نفكر: هل القانون مجرد نصوص جامدة، أم ممارسة أخلاقية تضمن للكل حقه في المساواة والكرامة؟ حين يتعالى شخص على القانون، فإن المفهوم نفسه (سيادة القانون) يصبح شعارا بلا مضمون، وعدالة بلا روح، وحينها ينهار العقد الاجتماعي الذي يحمي الحقوق والواجبات معا.
من الناحية الفلسفية، التعالي على القانون يكشف عن صراع عميق بين الحرية الفردية والمصلحة العامة. فلسفة القانون الحديث تقوم على فكرة أن الحرية لا تتحقق إلا ضمن إطار الجماعة، وأن السلطة ليست مطلقة، وأن النص القانوني هو الذي يحدد حدود السلوك. لحظة التأسيس للدولة الحديثة، كما رسختها الثورة الفرنسية عام 1789، وضعت القانون فوق الأفراد، مؤكدة أن الامتياز الشخصي لا يبرر تجاوز القاعدة، وأن العدالة لا تعترف بالمكانة الاجتماعية أو السلطة الاقتصادية. ولكن، النص وحده لا يكفي؛ فالفلسفة تتحقق عندما تتحول إلى ممارسة حقيقية داخل المجتمع، وإلا تحول القانون إلى مجرد ((رمز)) بلا قوة فعلية.
نفسيا، وما أدراك ما نفسيا، الإنسان الذي يتصور نفسه فوق القانون غالبا ما يكون قد تعلم منذ الصغر أن قوته أو نفوذه يحرره من المساءلة. علم النفس الاجتماعي يوضح أن الإفلات المتكرر من العقاب يولد (تبلدا أخلاقيا) ويخلق انحرافا في الإدراك؛ إذ يرى الشخص المخالفة ممارسة طبيعية للسلطة أو استحقاقا مكتسبا. هذه البنية النفسية ليست بالضرورة مرضا عقليا، لكنها خلل في حساسية الفرد القانونية والأخلاقية، بحيث يصبح القانون، في وعيه، مجرد أداة للتفاوض، لا معيارا ثابتا للعدالة.
من الناحية الاجتماعية، التعالي على القانون ليس فعلا فرديا منعزلا، بل نتاج بيئة وأطر مؤسسية رعت هذا الشعور. الأسرة التي تمنح الحماية المطلقة، المؤسسة التي تغض الطرف عن التجاوزات، المجتمع الذي يقدّر النفوذ والجاه على الالتزام بالقانون، كلها تصنع أرضًا خصبة لفكرة الاستثناء. والطفل الذي يرى أن بعض الأفعال تمر بلا مساءلة لأن فاعلها (مهم) أو(قوي) يتعلم منذ بداياته أن القانون ليس معيارًا عامًا، بل أداة قابلة للتكييف مع الأهواء، وأن العدالة أمر ثانوي بالنسبة للسلطة والمكانة.
أما من الناحية القانونية، فالتعالي على القانون يهدد مبدأ المساواة أمامه، وهو حجر الزاوية لأي نظام قضائي مستقر. القانون ليس نصوصا فحسب، بل ممارسة حية للعدالة، ومرآة لضمير المجتمع. عندما ينظر إلى بعض الأفراد وكأنهم خارج نطاق المساءلة، فإن هذا يعكس خللا مزدوجا: في التطبيق القضائي، وفي الثقافة القانونية للمجتمع، وفي الثقة في المؤسسات التي من المفترض أن تحمي الحقوق. هنا يتحول القانون من معيار موضوعي للحق إلى أداة للمصالح، وتصبح العدالة أداة قابلة للمساومة، ويتأثر الجميع، الأقوياء قبل الضعفاء، بضعف النظام ومصداقيته.
إذاً، هل الشخص الذي يتعالى على القانون سوي؟! السوية هنا ليست مجرد حالة عقلية، بل إدراك للقيم والمسؤوليات داخل الجماعة. الشخص السوي قانونيًا هو الذي يعترف بأن حريته مقيدة بحرية غيره، وأن امتيازاته لا تعني حصانة، وأن العدالة لا تتحقق إلا بتطبيق القاعدة على الجميع بلا استثناء. من يفقد هذا الإدراك ليس مجرد فرد مختل، بل انعكاس لخلل أوسع في الثقافة القانونية والمجتمعية، وهو نتيجة (تأهيل غير معلن) من بيئة، حماية، وتواطؤ مؤسسي، حتى يترسخ لديه الاعتقاد بأنه فوق النصوص.
الحقيقة التي يتركها الواقع أمام أعيننا، والتي كشف عنها ضجيج وسائل التواصل الاجتماعي ومشاهدة مقاطع الفيديو، هي أن التعالي على القانون ليس مشكلة فردية فحسب، بل انعكاس شامل لتوترات فلسفية، نفسية، اجتماعية وقانونية. الشخص الذي يضع نفسه فوق النصوص ليس مجرد منحرف أخلاقي أو نفسي، بل مؤشر على هشاشة ثقافة القانون في المجتمع، وغياب الانضباط المؤسسي، وفشل الأسرة والمجتمع في ترسيخ مبدأ المساواة. سيادة القانون لا تقاس بعدد النصوص أو قوة العقوبات، بل بمدى شعور الأفراد- الأقوياء والضعفاء على حد سواء- بأنهم أمام ميزان واحد، لا يميل إلا للعدل، وأن الخضوع للقانون ليس قيدا على الحرية، بل التعبير الأصدق عن المواطنة والمسؤولية، وعن الضمير الجماعي الذي يجعل المجتمع حيا بالقانون، لا مجردة نصوص على ورق. والله من وراء القصد.