
حمورابي لم يمت
بقلم د. أشرف نجيب الدريني
هل تغير القانون فعلا لأن الإنسان أصبح أكثر إدراكا، أم لأن أدوات القوة تعلمت كيف تختبئ وراء لغة أكثر تهذيبا؟ منذ شريعة حمورابي وحتى القانون الدولي المعاصر، لم يكن القانون مجرد نصوص جامدة، بل كان انعكاسا صارخا لموازين القوة، ومرآة لطريقة السلطة في النظر إلى الإنسان: هل هو غاية تصان، أم وسيلة تدار؟! هل تغير القانون لأن الضمير تقدم، أم لأن القسوة تعلمت كيف تبتسم؟!! وهل ما نراه اليوم من أناقة النصوص وبريق الشعارات هو ميلاد إنصاف حقيقي، أم مجرد مسلة جديدة كتبت بالحبر بدل الحجر؟ هل كان حمورابي أكثر قسوة من عصرنا، أم أكثر صدقا؟!
هل انتهى منطق التمييز يوم سقطت مسلته الحجرية، أم أنه غير هيئته فقط، وانتقل من نقش فج على الصخر إلى قوانين أنيقة تكتب بالحبر وتفسر بالقوة؟! وهل حقا بلغ الإنسان لحظة المساواة أمام القانون، أم أننا لا نزال نعيش في عالم تقاس فيه العدالة بميزان النفوذ، ويعاد فيه إنتاج التفاوت القديم بصيغ أكثر تهذيبا وأشد فتكا؟ ولماذا، رغم كل ما راكمته البشرية من دساتير ومحاكم ومؤسسات، لا يزال القانون يطبق بوجهين، وتستدعى الأخلاق حين تخدم الأقوياء، وتهمل حين تطالب بإنصاف الضعفاء؟!
فالقانون، منذ لحظة ولادته الأولى، لم يكن مجرد قواعد لضبط السلوك، بل كان انعكاسا مباشرا لميزان القوة السائد، وصورة مكثفة عن الطريقة التي ترى بها السلطة الإنسان! في نصوص حمورابي، نرى بوضوح أن الفعل الواحد قد يعاقب بعقوبات مختلفة بحسب طبقة الفاعل؛ النبيل يخفف عنه، والعبد يسحق، وقد يصل الأمر إلى إزهاق الروح دون تردد. لم يكن حمورابي استثناء، بل نموذ جا صريحا لعقل سياسي لم يعرف النفاق التشريعي؛ لقد أعلن بجرأة ما ظل العالم يقوله لاحقا بلغة مواربة: القانون ليس كيانا أخلاقيا مطلقا، بل أداة تصاغ في حضن القوة وتخدم من يملكها. وما يدهشنا ليس قسوة العقوبات، بل وضوح المنطق الذي يضع كل شيء في مكانه: المجتمع طبقات، والعدالة تفصل وفق الموقع الاجتماعي، وكأن كرامة الإنسان (قابلة للتجزئة)، والحياة نفسها تقاس بدرجات!
ليس من قبيل المصادفة أن نرى انعكاس هذا المنطق في حضارات مختلفة، حيث تتكرر الصورة نفسها عبر الزمان والمكان. في (مصر الفرعونية)، كانت القوانين توجه المجتمع بصرامة؛ الملك والنبلاء يتمتعون بحقوق واسعة، بينما الفلاحون والعمال يخضعون لعقوبات قاسية على أبسط الأخطاء. في (روما القديمة)، الحقوق والواجبات لم تكن متساوية؛ المواطن الكامل يحظى بحماية قانونية واسعة، في حين أن العبيد والفقراء كانوا معرضين لأشد العقوبات، غالبا دون تقدير للظروف الشخصية. وفي (الصين القديمة)، حدد نظام (لي وو) العقوبة بحسب (رتبة الفرد الاجتماعي)، مؤكدا أن الجرائم المماثلة تعاقب بشكل مختلف إذا ارتكبها النبلاء أو العامة. أما أوروبا العصور الوسطى، فالقانون الكنسي والإقطاعي فرق بوضوح بين طبقات المجتمع؛ الفلاحون يعاقبون بعنف، والنبلاء غالبا ما يعفون منهم، أو تخفف عقوباتهم بدفع غرامات مالية.
هذا النمط التاريخي يعيد تأكيد ما رآه حمورابي: القوة تفرض نفسها عبر القانون، والعدالة، رغم شعاراتها، غالبا ما تكون نسبية، مرتبطة بمن يمتلكها. وما تغير اليوم إلا اللغة، لا الجوهر؛ فقد تحولت العقوبات البدنية إلى إجراءات إدارية، والتمييز القديم أصبح غالبا اقتصاديا أو سياسيا، لكن الجوهر ذاته مستمر: من يملك القوة يحدد ما هو عدل، ومن دونها، يظل القانون مجرد ورقة تبرر ما يحدث!
حتى الديمقراطيات التي نفتخر بها لم تنفك عن هذا المنطق. في (أثينا القديمة)، اقتصر حق المشاركة السياسية على السادة المولودين داخل المدينة، بينما استبعد العبيد والوافدون. الحرية كانت امتيازا اجتماعيا لا حقا عاما، والعدالة لم تكن أكثر من انعكاس لتوزيع القوة. وهكذا استمرت سنة الحضارات: تختلف الشعارات والطقوس، ويظل الجوهر واحدا؛ قانون للسادة، وآخر لمن هم دونهم، مع محاولات مستمرة لتجميل المظهر عبر الخطابات الأخلاقية، لكنها غالبا ما حددت ضمنيا من يستحق أن يعامل إنسانا كامل الأهلية، ومن يبقى في هامش الوجود!
جاءت الثورة الفرنسية 1789 لتعلن ميلاد المساواة، وظن الإنسان أنه كسر أخيرا القيود التي قيدته آلاف السنين. لكن هذا الانتصار ظل محصورا جغرافيا، وداخليا تحقق قدر من التساوي الشكلي، أما على المستوى الدولي فقد أعيد ترتيب العالم وفق منطق أقدم وأكثر قسوة. فقد انتقل التمييز من الفرد إلى الدولة، ومن الطبقة الاجتماعية إلى المنظومة الدولية، ومن سوط الجلاد إلى الحصار الاقتصادي، والعقوبات العابرة للقارات، والقرارات التي تصدرها القوة وتسميها شرعية. هنا لا يموت القانون، بل يفقد روحه، ويستمر جسدا إداريا بلا ضمير، يبرر ما يحدث بدل أن يمنعه.
وعندما يعلن رئيس دولة كبرى -مشيها رئيس- أنه لا يعترف بالقانون الدولي ويسير وفق ضميره، فهو لا يهدم فكرة القانون بقدر ما يعيدها إلى أصلها العاري: القانون هو ما تعتبره القوة عدلا. وعندما تنفذ قرارات دولية على دول بعينها بينما تفرغ أمام دول أخرى، فإننا لا نشهد خللا عابرا، بل نرى (منطق حمورابي) يعمل بكفاءة مذهلة بعد أربعة آلاف عام؛ الفعل واحد، والعقوبة مختلفة بحسب مكانة الفاعل!
ومع هذا الاختلال البنيوي، تشكلت أخلاقيات متوازية للبشر. أخلاق القوة ليست أخلاق الحاجة، وأخلاق الغنى لا تشبه أخلاق الفقر. الغني يملك رفاهية المبادئ، يستدعيها حين تخدم صورته، ويتجاوزها حين تعيق مصالحه، في مجتمعات التخلف، حيث يتواطأ الفقر مع النهب الداخلي والخارجي، يصبح الخوف نمط حياة. الفرد يرتاب في كل شيء، يتوقع المؤامرة في كل زاوية، ويقرأ قرارات العالم بوصفها أوامر صادرة من عرش بعيد لا يرى ولا يسأل. القانون هنا لا يحترم لأنه عادل، بل لأنه يخشى كسلاح. وحين يصعد بعض أبناء القاع إلى القمة، لا يحملون حلم الإنصاف، بل يعيدون إنتاج القسوة ذاتها، كأنهم يسددون ديون إذلال قديم، فيتحولون إلى أدوات (بطش) تمارس ما كرهته بالأمس!
والأكثر قسوة أن القمة نفسها تعيش رهبة خاصة. من يملك السلاح النووي لا ينام مطمئنا، ومن يحكم العالم يخشى انقلابا أو ضربة استباقية. العلم يتقدم، والثروة تتراكم، وأدوات السيطرة تتوحش، لكن الطمأنينة الإنسانية تتراجع. يخلق الأعداء في المختبرات، وتدار المخاوف عبر الإعلام، ويختزل الصراع الوجودي للبشر في تهديد دائم، لأن القلق حين يعمم يصبح أداة حكم أكثر فاعلية من القانون ذاته.
وهكذا نصل إلى الحقيقة العارية:(حمورابي لم يمت)، لأنه لم يكن شخصا، بل منطقا. منطقا يقول إن العدالة نسبية، وإن القانون تابع للقوة، وإن الأخلاق تعاد صياغتها بحسب موقع الفرد في سلم الهيمنة. لم تتوقف المسلة عن التأثير، بل تحولت إلى نظام عالمي كامل، أكثر تهذيبا في لغته، وأكثر فتكا في نتائجه، وكل محاولة لتجميل الواقع دون تفكيكه ليست سوى مساهمة صامتة في استدامته.
ومع ذلك، يبقى الأمل معلقا، لا بوصفه وهما، بل بوصفه ضرورة إنسانية. فمجرد الاعتراف بأن العدالة لا تزال انتقائية، وأن القانون لم يتحرر بعد من قبضة القوة، هو الخطوة الأولى نحو كسره. فالإيمان بالقانون، في معناه ليس إيمانا بنصوص جامدة، بل ثقة الإنسان في أن وجوده ليس عبثا، وأن كرامته ليست قابلة للمساومة. وحين يفقد هذا الإيمان، لا يسقط القانون وحده، بل يسقط المعنى، ويتحول العالم إلى مساحة صراع عارية لا يحكمها سوى منطق البقاء. فالعدالة ليست حلما بعيدا، بل مسؤولية يومية تعيد تعريف الإنسان. والله من وراء القصد.