حكم المحكمة الدستورية العليا رقم ٢٥ لسنة ١١ دستورية

حكم المحكمة الدستورية العليا رقم ٢٥ لسنة ١١ دستورية
تاريخ النشر : ١٥ – ٠٦ – ١٩٩٢

منطوق الحكم : عدم دستورية

مضمون الحكم : حكمت المحكمة بعدم دستورية الفقرة الثانية من المادة ٥٥ من قانون المحاماة الصادر بالقانون رقم ١٧ لسنة ١٩٨٣ وذلك فيما قررته من جواز نزول المحامي أو ورثته عن إيجار مكتبه لمزاولة غير المحاماة من المهن الحرة أو لمباشرة حرفة غير مقلقة للراحة أو مضرة بالصحة وما يرتبه هذا النص من آثار قانونية علي التنازل المشار إليه.

الحكم

برياسة عوض محمد عوض المر رئيس المحكمة وحضور محمد ولى الدين جلال وفاروق عبد الرحيم غنيم وحمدى محمد على وعبد الرحمن نصير وسامى فرج يوسف وعبد المجيد فياض أعضاء والسيد عبد الحميد عمارة المفوض ورأفت محمد عبد الواحد أمين السر .

– – – ١ – – –
تنص المادة ٢٩ من قانون المحكمة الدستورية العليا على أن تتولى المحكمة الرقابة القضائية على دستورية القوانين و اللوائح على الوجه الآتى :
أ …………………
ب إذا دفع أحد الخصوم أثناء نظر دعوى أمام إحدى المحاكم أو الهيئات ذات الاختصاص القضائى بعدم دستورية نص فى قانون أو لائحة ، و رأت المحكمة أو الهيئة أن الدفع جدى أجلت نظر الدعوى و حددت لمن أثار الدفع ميعادا لا يجاوز ثلاثة أشهر لرفع الدعوى أمام المحكمة الدستورية العليا، فإذا لم ترفع الدعوى فى الميعاد اعتبر كأن لم يكن . متى كان ذلك ، و كان البين من هذا النص أن محكمة الموضوع إذ ترخص لمن أثار الدفع بعدم الدستورية إلى المحكمة الدستورية العليا، فإن هذا الترخيص لا يلزمها سوى بتأجيل الدعوى الموضوعية المنظورة أمامها، و بالتالى لا يكون وقفها شرطا لقبول الدعوى الدستورية، و لا يغير من هذا النظر أن تستعيض محكمة الموضوع فى حالة بذاتها، و فى حدود سلطتها التقديرية ، عن تأجيل الدعوى الموضوعية المطروحة عليها ، بوقفها لأن ذلك منها لا يعدو أن يكون تربصا بقضاء المحكمة الدستورية العليا فى شأن دستورية النصوص التشريعية المطعون عليها، و هى عين النتيجة التى قصد المشرع إلى بلوغها من وراء تأجيل الدعوى الموضوعية إثر التصريح برفع الدعوى الدستورية، و من ثم يكون الدفع بعدم قبول الدعوى الماثلة على غير أساس حريا بالرفض.

– – – ٢ – – –
إذ ينعي المدعي على الفقرة الثانية من المادة ٥٥ من قانون المحاماة الصادر بالقانون رقم ١٧ لسنة ١٩٨٣ – وهى الفقرة المطعون عليها – إيثارها المحامي أو ورثته بميزة النزول عن حق إيجار مكتب المحاماة لمن حددتهم من الغير دون أن تكفل لمالك العين الحق فى أن يتقاسم مع المتنازل المقابل المعروض للتنازل عنها، وهو ما يخرج بالفقرة المطعون عليها على عمومية القاعدة القانونية وتجردها باعتبارها استثناء غير مبرر من حكم المادة ٢٠ من القانون رقم ١٣٦ لسنة ١٩٨١، هذا بالإضافة إلى انطوائها على مخالفة لمبدأ تكافؤ الفرص، وإخلالها بمبدأ مساواة المواطنين أمام القانون، والمنصوص عليهما في المادتين ٨ و٤٠ من الدستور. وكان من المقرر – أن مناط المصلحة الشخصية المباشرة في الدعوى الدستورية وهى شرط لقبولها – أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة في الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الفصل في المسألة الدستورية لازما للفصل فى الطلبات المرتبطة بها المطروحة على محكمة الموضوع، متى كان ذلك، وكانت الدعوى الموضوعية تتعلق بنزول المدعى عليه الأول عن إجارة العين التي اتخذها مكتباً للمحاماة إلى المدعى عليه الثاني بوصفه طبيباً لتمكينه من الانتفاع بها كعيادة طبية، وكان الدفع بعدم الدستورية الذي أبداه المدعي أمام محكمة الموضوع منحصراً فى هذا النطاق وحده، فإن مصلحته الشخصية المباشرة إنما تتحدد في المسألة الدستورية المتصلة بالنزاع الموضوعي، وهى تلك المتعلقة بنزول المحامي أو ورثته عن حق إيجار مكتب المحاماة لمزاولة غيرها من المهن الحرة أو لممارسة حرفة غير مقلقة للراحة أو مضرة بالصحة، ومن البدهي أن انحصار الطعن الماثل فى النطاق المتقدم لا يعني أن ما تضمنته الفقرة الثانية من المادة ٥٥ من قانون المحاماة من أحكام تجاوز هذا النطاق وتتعداه، قد أضحى مطهراً مما قد يكون عالقاً بها من مثالب موضوعية، إذ لا يزال مجال الطعن فيها مفتوحاً لكل ذي مصلحة.

– – – ٣ – – –
حق المالك في الحصول على ٥٠% من مقابل تنازل المستأجر عن العين المؤجرة، لا يعدو أن يكون أثراً مترتباً بقوة القانون على النزول عن الحق في الإجارة، وكان ما قررته الفقرة الثانية من المادة ٥٥ من قانون المحاماة من حرمان المالك من هذا الحق، يثير بالضرورة مسألة سابقة على نشوئه قانوناً، هي ما إذا كان النزول عن الإجارة في ذاته لمزاولة غير مهنة المحاماة من المهن الحرة أو لممارسة حرفة غير مقلقة للراحة أو مضره بالصحة، يعتبر جائزاً من الناحية الدستورية. متى كان ذلك، وكان مناط جريان الآثار التي يرتبها المشرع على الأعمال القانونية أن تتوافر لهذه الأعمال ذاتها مقوماتها من الناحية الدستورية والقانونية على حد سواء، فإن مدى إتفاق التنازل في ذاته وأحكام الدستور يكون مطروحاً بقوة النصوص الدستورية على هذه المحكمة لتقول كلمتها فيه.

– – – ٤ – – –
إن مؤدى نص المادة ٢٠ من القانون رقم ١٣٦ لسنة ١٩٨١ في شأن بعض الأحكام الخاصة بتأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر، أنه في الأحوال التي يجوز فيها للمستأجر التنازل عن حق الانتفاع بالوحدة السكنية أو المؤجرة لغير أغراض السكنى، قرر المشرع قاعدة عامة مجردة يستحق المالك بموجبها ٥٠% من مقابل التنازل بعد خصم قيمة ما يكون في هذه الوحدة من منقولات، وهي قاعدة عدل بها المشرع عما كان معمولاً به قبلها من تخويل المستأجر الأصلي المرخص له بالنزول عن الإجارة – سواء في عقد الإيجار أو في ترخيص لاحق – حق التنازل عنها إلى الغير بمقابل لا ينال منه المالك شيئاً أياً كان قدره، وقد توخى المشرع بالعدول عن انفراد المستأجر بمقابل التنازل أن يعيد إلى العلاقة الإيجارية توازنها الذي كان قد اختل، وأن يكفل ذلك من خلال أمرين: أولهما: إلزامه المستأجر بأن يتقاسم مع المالك مقابل التنازل المعروض عليه لمواجهة نزول الأول عن المكان المؤجر نزولاً نافذاً فورياً في حق المالك وبغير رضاه. ثانيهما: تقرير أولوية لمالك العين المؤجرة في الانتفاع بها دون المتنازل إليه وذلك إذا أفصح المالك عن رغبته في ذلك عن طريق إيداع خزانة المحكمة الجزئية الواقع في دائرتها العقار ٥٠% من مقابل التنازل المعروض بعد خصم قيمة المنقولات التي بالعين، وعلى أن يكون هذا الإيداع مشروطاً بالتنازل عن عقد إيجارها وتسليمها، غير أن قانون المحاماة الصادر بالقانون رقم ١٧ لسنة ١٩٨٣ انتظم بأحكامه موضوع النزول عن الإجارة إذا كان محل التنازل حق إيجار مكتب المحاماة، وكان المتنازل محامياً أو أحد ورثته فأجاز – بنص الفقرة الثانية من المادة ٥٥ منه – هذا التنازل لمن كان مزاولاً لمهنة حرة أو لحرفة غير مقلقة للراحة أو مضرة بالصحة، وأورد بمقتضاها – واستثناء من نص المادة ٢٠ من القانون رقم ١٣٦ لسنة ١٩٨١ المشار إليه – حكماً مؤداه حرمان المالك من حقين كانت المادة ٢٠ سالفة البيان قد كفلتهما له بغية أن تعيد إلى العلاقة الايجارية – بإقرارها لهذين الحقين – توازناً مفقوداً هما حق المالك في الحصول على ٥٠% من مقابل التنازل عن العين المؤجرة إذا اتجهت إرادته إلى انفاذه، وحقه – إذا عمد إلى إهدار التنازل – في أن يستعيد العين من مستأجرها بعد أداء تلك القيمة، ومن ثم يكون المشرع قد فرض بالأحكام التي قررتها الفقرة الثانية من المادة ٥٥ من قانون المحاماة الصادر بالقانون رقم ١٧ لسنة ١٩٨٣ – وفي حدود نطاق الطعن الماثل – التنازل على من يملكون هذه الأماكن بما مؤداه التعرض لحق ملكيتهم عليها، عن طريق حرمانهم من الاستئثار بمنافعها.

– – – ٥ – – –
إن مؤدى نص المادة ٢٠ من القانون رقم ١٣٦ لسنة ١٩٨١ في شأن بعض الأحكام الخاصة بتأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر، أنه في الأحوال التي يجوز فيها للمستأجر التنازل عن حق الانتفاع بالوحدة السكنية أو المؤجرة لغير أغراض السكنى، قرر المشرع قاعدة عامة مجردة يستحق المالك بموجبها ٥٠% من مقابل التنازل بعد خصم قيمة ما يكون في هذه الوحدة من منقولات، وهي قاعدة عدل بها المشرع عما كان معمولاً به قبلها من تخويل المستأجر الأصلي المرخص له بالنزول عن الإجارة – سواء في عقد الإيجار أو في ترخيص لاحق – حق التنازل عنها إلى الغير بمقابل لا ينال منه المالك شيئاً أياً كان قدره، وقد توخى المشرع بالعدول عن انفراد المستأجر بمقابل التنازل أن يعيد إلى العلاقة الإيجارية توازنها الذي كان قد اختل، وأن يكفل ذلك من خلال أمرين: أولهما: إلزامه المستأجر بأن يتقاسم مع المالك مقابل التنازل المعروض عليه لمواجهة نزول الأول عن المكان المؤجر نزولاً نافذاً فورياً في حق المالك وبغير رضاه. ثانيهما: تقرير أولوية لمالك العين المؤجرة في الانتفاع بها دون المتنازل إليه وذلك إذا أفصح المالك عن رغبته في ذلك عن طريق إيداع خزانة المحكمة الجزئية الواقع في دائرتها العقار ٥٠% من مقابل التنازل المعروض بعد خصم قيمة المنقولات التي بالعين، وعلى أن يكون هذا الإيداع مشروطاً بالتنازل عن عقد إيجارها وتسليمها، غير أن قانون المحاماة الصادر بالقانون رقم ١٧ لسنة ١٩٨٣ انتظم بأحكامه موضوع النزول عن الإجارة إذا كان محل التنازل حق إيجار مكتب المحاماة، وكان المتنازل محامياً أو أحد ورثته فأجاز – بنص الفقرة الثانية من المادة ٥٥ منه – هذا التنازل لمن كان مزاولاً لمهنة حرة أو لحرفة غير مقلقة للراحة أو مضرة بالصحة، وأورد بمقتضاها – واستثناء من نص المادة ٢٠ من القانون رقم ١٣٦ لسنة ١٩٨١ المشار إليه – حكماً مؤداه حرمان المالك من حقين كانت المادة ٢٠ سالفة البيان قد كفلتهما له بغية أن تعيد إلى العلاقة الايجارية – بإقرارها لهذين الحقين – توازناً مفقوداً هما حق المالك في الحصول على ٥٠% من مقابل التنازل عن العين المؤجرة إذا اتجهت إرادته إلى انفاذه، وحقه – إذا عمد إلى إهدار التنازل – في أن يستعيد العين من مستأجرها بعد أداء تلك القيمة، ومن ثم يكون المشرع قد فرض بالأحكام التي قررتها الفقرة الثانية من المادة ٥٥ من قانون المحاماة الصادر بالقانون رقم ١٧ لسنة ١٩٨٣ – وفي حدود نطاق الطعن الماثل – التنازل على من يملكون هذه الأماكن بما مؤداه التعرض لحق ملكيتهم عليها، عن طريق حرمانهم من الاستئثار بمنافعها.

– – – ٦ – – –
إن الدستور حرص على النص على صون الملكية الخاصة وكفل عدم المساس بها إلا على سبيل الاستثناء، وفي الحدود وبالقيود التي أوردها، باعتبار أنها في الأصل ثمرة مترتبة على الجهد الخاص الذي بذله الفرد بكده وعرقه، وبوصفها حافز كل شخص إلى الانطلاق والتقدم، إذ يختص دون غيره بالأموال التي يملكها، وتهيئة الانتفاع المفيد بها لتعود إليه ثمارها، وكانت الأموال التي يرد عليها حق الملكية تعد كذلك من مصادر الثروة القومية التي لا يجوز التفريط فيها أو استخدامها على وجه يعوق التنمية أو يعطل مصالح الجماعة، وكانت الملكية في إطار النظم الوضعية التي تزاوج بين الفردية وتدخل الدولة لم تعد حقاً مطلقاً، ولا هي عصية على التنظيم التشريعي، وإنما يجوز تحميلها بالقيود التي تقتضيها وظيفتها الاجتماعية، وهى وظيفة يتحدد نطاقها ومرماها على ضوء طبيعة الأموال محل الملكية، والأغراض التي ينبغي توجيهها إليها، وبمراعاة الموازنة التي يجريها المشرع ويرجح من خلالها ما يراه من المصالح أولى بالرعاية وأجدر بالحماية على ضوء أحكام الدستور. متى كان ذلك، تعين أن ينظم القانون أداء هذه الوظيفة مستهدياً بوجه خاص بالقيم التي تنحاز إليها الجماعة في مرحلة معينة من مراحل تطورها، وبمراعاة أن القيود التي تفرضها الوظيفة الاجتماعية على حق الملكية للحد من إطلاقها، لا تعتبر مقصودة لذاتها، بل غايتها خير الفرد والجماعة. ولقد كفل الدستور في مادته الثانية والثلاثين حماية الملكية الخاصة التي لا تقوم في جوهرها على الاستغلال، وهو يرد انحرافها كلما كان استخدامها متعارضاً مع الخير العام للشعب، ويؤكد دعمها بشرط قيامها على أداء الوظيفة الاجتماعية التي يبين المشرع حدودها مراعياً أن تعمل في خدمة الاقتصاد القومي، وفي إطار خطة التنمية.

– – – ٧ – – –
إن الوظيفة الاجتماعية لحق الملكية تبرز – على الأخص – في مجال الانتفاع بالأعيان المؤجرة، ذلك أن كثرة من القيود تتزاحم في نطاق مباشرة المالك لسلطته المتعلقة باستغلاله لملكه، وهى قيود قصد بها في الأصل مواجهة الأزمة المتفاقمة الناشئة عن قلة المعروض من الأماكن المهيأة للسكنى وغيرها من الأماكن لمقابلة الزيادة المطردة في الطلب عليها، تلك الأزمة التي ترتد جذورها إلى الحربين العالميتين الأولى والثانية وما ترتب عليهما من ارتفاع أجرة الأماكن على اختلافها بعد انقطاع ورود المواد الأولية للبناء ونضوبها وازدياد النازحين إلى المدن، بالإضافة إلى الزيادة الطبيعية في سكانها، وكان أن عمد المشرع إلى مواجهة هذه الأزمة بتشريعات استثنائية مؤقتة – لا يجوز التوسع في تفسيرها أو القياس عليها – خرج فيها على القواعد العامة في عقد الإيجار مستهدفاً بها – على الأخص – الحد من حرية المؤجر في تقدير الأجرة واعتبار العقد ممتداً بقوة القانون بذات شروطه الأصلية عدا المدة والأجرة. غير أن ضراوة الأزمة وحدتها جعلت التشريعات الاستثنائية متصلة حلقاتها، مترامية في زمن تطبيقها، محتفظة بذاتيتها واستقلالها عن القانون المدني، متعلقة أحكامها بالنظام العام لإبطال كل اتفاق على خلافها، ولضمان سريانها بأثر مباشر على الآثار التي رتبتها عقود الإيجار القائمة عند العمل بها ولو كانت مبرمة قبلها، وزايلتها بالتالي صفتها المؤقتة، وآل الأمر إلى اعتبار أحكامها من قبيل التنظيم الخاص لموضوعها مكملاً بقواعد القانون المدني باعتباره القانون العام، إذ كان ذلك، وكانت الضرورة الموجهة لهذا التنظيم الخاص تقدر بقدرها، ومعها تدور القيود النابعة منها وجوداً وعدماً باعتبارها علة تقريرها، وكان حق المستأجر في العين المؤجرة – حتى مع قيام هذا التنظيم الخاص – لا زال حقاً شخصياً تؤول إليه بمقتضاه منفعة العين المؤجرة، وليس حقاً عينياً يرد على هذه العين في ذاتها، تعين أن يكون البقاء في العين المؤجرة بعد انتهاء مدة الإجارة مرتبطاً بحاجة المستأجر إليها بوصفها مكاناً يأويه هو وأسرته أو يباشر مهنته أو حرفته فيها، فإذا انفكت ضرورة شغل العين عن مستأجرها، زايلته الأحكام الاستثنائية التي بسطها المشرع عليه لحمايته، ولم يعد له من بعد حق في البقاء في العين المؤجرة، ولا النزول عنها للغير بالمخالفة لإرادة مالكها، وهو ما رددته هذه التشريعات ذاتها بإلقائها على المستأجر واجبات ثقيلة غايتها ضمان أن يكون شغله العين المؤجرة ناشئا عن ضرورة حقيقية يقوم الدليل عليها، لا أن يتخذها وسيلة إلى الانتهاز والاستغلال، ذلك أن القيود التي يفرضها المشرع على حق الملكية لضمان أدائها لوظيفتها الاجتماعية يتعين أن تظل مرتبطة بالأغراض التي تتوخاها، دائرة في فلكها، باعتبار أن ذلك وحده هو علة مشروعيتها ومناط استمرارها.

– – – ٨ – – –
إن الوظيفة الاجتماعية لحق الملكية تبرز – على الأخص – في مجال الانتفاع بالأعيان المؤجرة، ذلك أن كثرة من القيود تتزاحم في نطاق مباشرة المالك لسلطته المتعلقة باستغلاله لملكه، وهى قيود قصد بها في الأصل مواجهة الأزمة المتفاقمة الناشئة عن قلة المعروض من الأماكن المهيأة للسكنى وغيرها من الأماكن لمقابلة الزيادة المطردة في الطلب عليها، تلك الأزمة التي ترتد جذورها إلى الحربين العالميتين الأولى والثانية وما ترتب عليهما من ارتفاع أجرة الأماكن على اختلافها بعد انقطاع ورود المواد الأولية للبناء ونضوبها وازدياد النازحين إلى المدن، بالإضافة إلى الزيادة الطبيعية في سكانها، وكان أن عمد المشرع إلى مواجهة هذه الأزمة بتشريعات استثنائية مؤقتة – لا يجوز التوسع في تفسيرها أو القياس عليها – خرج فيها على القواعد العامة في عقد الإيجار مستهدفاً بها – على الأخص – الحد من حرية المؤجر في تقدير الأجرة واعتبار العقد ممتداً بقوة القانون بذات شروطه الأصلية عدا المدة والأجرة. غير أن ضراوة الأزمة وحدتها جعلت التشريعات الاستثنائية متصلة حلقاتها، مترامية في زمن تطبيقها، محتفظة بذاتيتها واستقلالها عن القانون المدني، متعلقة أحكامها بالنظام العام لإبطال كل اتفاق على خلافها، ولضمان سريانها بأثر مباشر على الآثار التي رتبتها عقود الإيجار القائمة عند العمل بها ولو كانت مبرمة قبلها، وزايلتها بالتالي صفتها المؤقتة، وآل الأمر إلى اعتبار أحكامها من قبيل التنظيم الخاص لموضوعها مكملاً بقواعد القانون المدني باعتباره القانون العام، إذ كان ذلك، وكانت الضرورة الموجهة لهذا التنظيم الخاص تقدر بقدرها، ومعها تدور القيود النابعة منها وجوداً وعدماً باعتبارها علة تقريرها، وكان حق المستأجر في العين المؤجرة – حتى مع قيام هذا التنظيم الخاص – لا زال حقاً شخصياً تؤول إليه بمقتضاه منفعة العين المؤجرة، وليس حقاً عينياً يرد على هذه العين في ذاتها، تعين أن يكون البقاء في العين المؤجرة بعد انتهاء مدة الإجارة مرتبطاً بحاجة المستأجر إليها بوصفها مكاناً يأويه هو وأسرته أو يباشر مهنته أو حرفته فيها، فإذا انفكت ضرورة شغل العين عن مستأجرها، زايلته الأحكام الاستثنائية التي بسطها المشرع عليه لحمايته، ولم يعد له من بعد حق في البقاء في العين المؤجرة، ولا النزول عنها للغير بالمخالفة لإرادة مالكها، وهو ما رددته هذه التشريعات ذاتها بإلقائها على المستأجر واجبات ثقيلة غايتها ضمان أن يكون شغله العين المؤجرة ناشئا عن ضرورة حقيقية يقوم الدليل عليها، لا أن يتخذها وسيلة إلى الانتهاز والاستغلال، ذلك أن القيود التي يفرضها المشرع على حق الملكية لضمان أدائها لوظيفتها الاجتماعية يتعين أن تظل مرتبطة بالأغراض التي تتوخاها، دائرة في فلكها، باعتبار أن ذلك وحده هو علة مشروعيتها ومناط استمرارها.

– – – ٩ – – –
من المقرر أن سلطة المشرع في مجال تنظيم الحقوق لا تعني ترخصه في التحرر من القيود والضوابط التي فرضها الدستور كحدود نهائية لهذا التنظيم لا يجوز تخطيها أو الدوران من حولها، وكان كل نص تشريعي لا يقيم وزناً للتوازن في العلاقة الإيجارية عن طريق التضحية الكاملة بحقوق أحد طرفيها – وهو المؤجر في تطبيق النص المطعون عليه – يعتبر مقتحماً الحدود المشروعة لحق الملكية، ومنطوياً على إهدار الحماية الدستورية المقررة لها، وكان الأصل في مهنة المحاماة التي نظمها القانون رقم ١٧ لسنة ١٩٨٣ بإصدار قانون المحاماة المعدل بالقانون رقم ٢٢٧ لسنة ١٩٨٤ أنها مهنة حرة قوامها مشاركة السلطة القضائية في تحقيق العدالة، وفي توكيد سيادة القانون وفي كفالة حق الدفاع عن حقوق المواطنين وحرياتهم، ويمارسها المحامون وحدهم في إستقلال ولا سلطان عليهم في ذلك إلا لضمائرهم وأحكام القانون، ولتحقيق هذا الغرض حظر المشرع – وعلى ما قررته المادة ١٤ من هذا القانون – الجمع بينها وبين الأعمال التي عددتها والتي قدر المشرع منافاتها لها، كما كفل بالمادة ٥١ من ذلك القانون عدم جواز التحقيق مع محام أو تفتيش مكتبه إلا بمعرفة أحد أعضاء النيابة العامة، ولم يجز كذلك بنص الفقرة الأولى من المادة ٥٥ منه الحجز على مكتبه وكافة محتوياته المستخدمة في مزاولة المهنة. متى كان ذلك، وكانت النصوص التي أوردها قانون المحاماة على النحو السالف بيانه، تتضافر مع غيرها من النصوص التي بسطها في مجال توجهها نحو دعم مهنة المحاماة والتمكين من أداء رسالتها على الوجه الذي يكفل إرساء سيادة القانون، وبمراعاة ما يقتضيه تنظيم أصول المهنة سعياً للنهوض بها، فإن الفقرة الثانية من المادة ٥٥ منه – وهى النص التشريعي المطعون فيه – تبدو غريبة في بابها منفصلة عن مجموع الأحكام التي إشتمل عليها هذا القانون، منافية للتنظيم المتكامل لمهنة المحاماة، وهو تنظيم خاص توخى تحديد حقوق المحامين وواجباتهم بصورة دقيقة بما لا يخرج على أصول المهنة أو يخل بمتطلباتها محددة على ضوء الأغراض التي ترمي هذه المهنة إلى بلوغها، بما مؤداه إنفصال الفقرة الثانية من المادة ٥٥ – في جوانبها المطعون عليها – عن الأحكام التي تقتضيها مزاولة مهنة المحاماة والقيام على رسالتها، ذلك أنها تقرر لكل محام – ولو بعد تخليه حال حياته عن مزاولة المهنة – ولورثته من بعده – ولو كانوا من غير المحامين – مزية إستثنائية تنطوي على إسقاط كامل لحقوق المالك المرتبطة بها، وتقدم المنفعة المجلوبة على المضرة المدفوعة بالمخالفة لمبادئ الشريعة الإسلامية، ويظهر ذلك على الأخص من وجهين: أولهما: أن الفقرة المطعون عليها تتجاهل كلية موجبات التوازن في العلاقة الإيجارية التي إستهدفتها المادة ٢٠ من القانون رقم ١٣٦ لسنة ١٩٨١، وذلك بحرمانها من قام بتأجير عين يملكها لآخر لإستخدامها مكتباً للمحاماة – دون غيره من المؤجرين – من الحصول على ٥٠% من مقابل التنازل إذا أراد إنفاذه، ومن الإنتفاع بالعين إذا أراد إهداره مقابل أداء هذه القيمة. ثانياً: أن مؤدى الفقرة المطعون عليها أن تنازل المحامي أو ورثته عن حق إيجار مكتبه يعتبر نافذاً في حق المالك بغير رضاه، إذ يظل عقد الإيجار قائماً ومستمراً لمصلحة المتنازل إليه، ودون مقابل يؤديه المتنازل إلى المالك، ولو كان المتنازل إليه لا يزاول مهنة المحاماة، بل مهنة أخرى، أو يمارس حرفة – أياً كان نوعها – شريطة أن تكون غير مقلقة للراحة أو مضرة بالصحة، وكلا الوجهين ينطوي على مخالفة للدستور، ذلك أن النص التشريعي المطعون فيه ليس له من صلة بالأغراض التي يتوخاها تنظيم مهنة المحاماة أو التمكين من أداء رسالتها، هذا بالإضافة إلى إسقاطه الكامل لحقوق المالك وتجاهلها بتمامها تغليباً لمصلحة مالية بحتة لمن يمارسون مهنة بذاتها هي مهنة المحاماة، ولا يدخل ذلك في نطاق التنظيم التشريعي لحق الملكية، بل هو عدوان عليها لا يختار أهون الشرين لدفع أعظمهما، بل يلحق بالمؤجر وحده، الضرر البين الفاحش منافياً بذلك المقاصد الشرعية التي ينظم ولى الأمر الحقوق في نطاقها، ومجاوزاً الحدود المنطقية لعلاقة ايجارية كان ينبغي أن تتوازن فيها المصالح توازناً دقيقاً، لا أن ينحدر الميزان كلية في اتجاه مناقض للمصالح المشروعة لأحد طرفيها، وهى حدود لا يجوز تخطيها بالنزول عن العين إلى الغير بعد انتفاء حاجة المتنازل إليها، ورغماً عن مالكها، وبمقابل يختص به مستأجرها من دونه وأياً كان مقداره.

– – – ١٠ – – –
من المقرر أن سلطة المشرع في مجال تنظيم الحقوق لا تعني ترخصه في التحرر من القيود والضوابط التي فرضها الدستور كحدود نهائية لهذا التنظيم لا يجوز تخطيها أو الدوران من حولها، وكان كل نص تشريعي لا يقيم وزناً للتوازن في العلاقة الايجارية عن طريق التضحية الكاملة بحقوق أحد طرفيها – وهو المؤجر في تطبيق النص المطعون عليه – يعتبر مقتحماً الحدود المشروعة لحق الملكية، ومنطوياً على إهدار الحماية الدستورية المقررة لها، وكان الأصل في مهنة المحاماة التي نظمها القانون رقم ١٧ لسنة ١٩٨٣ بإصدار قانون المحاماة المعدل بالقانون رقم ٢٢٧ لسنة ١٩٨٤ أنها مهنة حرة قوامها مشاركة السلطة القضائية في تحقيق العدالة، وفي توكيد سيادة القانون وفي كفالة حق الدفاع عن حقوق المواطنين وحرياتهم، ويمارسها المحامون وحدهم في استقلال ولا سلطان عليهم في ذلك إلا لضمائرهم وأحكام القانون، ولتحقيق هذا الغرض حظر المشرع – وعلى ما قررته المادة ١٤ من هذا القانون – الجمع بينها وبين الأعمال التي عددتها والتي قدر المشرع منافاتها لها، كما كفل بالمادة ٥١ من ذلك القانون عدم جواز التحقيق مع محام أو تفتيش مكتبه إلا بمعرفة أحد أعضاء النيابة العامة، ولم يجز كذلك بنص الفقرة الأولى من المادة ٥٥ منه الحجز على مكتبه وكافة محتوياته المستخدمة في مزاولة المهنة. متى كان ذلك، وكانت النصوص التي أوردها قانون المحاماة على النحو السالف بيانه، تتضافر مع غيرها من النصوص التي بسطها في مجال توجهها نحو دعم مهنة المحاماة والتمكين من أداء رسالتها على الوجه الذي يكفل إرساء سيادة القانون، وبمراعاة ما يقتضيه تنظيم أصول المهنة سعياً للنهوض بها، فإن الفقرة الثانية من المادة ٥٥ منه – وهى النص التشريعي المطعون فيه – تبدو غريبة في بابها منفصلة عن مجموع الأحكام التي أشتمل عليها هذا القانون، منافية للتنظيم المتكامل لمهنة المحاماة، وهو تنظيم خاص توخى تحديد حقوق المحامين وواجباتهم بصورة دقيقة بما لا يخرج على أصول المهنة أو يخل بمتطلباتها محددة على ضوء الأغراض التي ترمي هذه المهنة إلى بلوغها، بما مؤداه انفصال الفقرة الثانية من المادة ٥٥ – في جوانبها المطعون عليها – عن الأحكام التي تقتضيها مزاولة مهنة المحاماة والقيام على رسالتها، ذلك أنها تقرر لكل محام – ولو بعد تخليه حال حياته عن مزاولة المهنة – ولورثته من بعده – ولو كانوا من غير المحامين – مزية استثنائية تنطوي على إسقاط كامل لحقوق المالك المرتبطة بها، وتقدم المنفعة المجلوبة على المضرة المدفوعة بالمخالفة لمبادئ الشريعة الإسلامية، ويظهر ذلك على الأخص من وجهين: أولهما: أن الفقرة المطعون عليها تتجاهل كلية موجبات التوازن في العلاقة الايجارية التي استهدفتها المادة ٢٠ من القانون رقم ١٣٦ لسنة ١٩٨١، وذلك بحرمانها من قام بتأجير عين يملكها لآخر لاستخدامها مكتباً للمحاماة – دون غيره من المؤجرين – من الحصول على ٥٠% من مقابل التنازل إذا أراد إنفاذه، ومن الانتفاع بالعين إذا أراد إهداره مقابل أداء هذه القيمة. ثانياً: أن مؤدى الفقرة المطعون عليها أن تنازل المحامي أو ورثته عن حق إيجار مكتبه يعتبر نافذاً في حق المالك بغير رضاه، إذ يظل عقد الإيجار قائماً ومستمراً لمصلحة المتنازل إليه، ودون مقابل يؤديه المتنازل إلى المالك، ولو كان المتنازل إليه لا يزاول مهنة المحاماة، بل مهنة أخرى، أو يمارس حرفة – أياً كان نوعها – شريطة أن تكون غير مقلقة للراحة أو مضرة بالصحة، وكلا الوجهين ينطوي على مخالفة للدستور، ذلك أن النص التشريعي المطعون فيه ليس له من صلة بالأغراض التي يتوخاها تنظيم مهنة المحاماة أو التمكين من أداء رسالتها، هذا بالإضافة إلى إسقاطه الكامل لحقوق المالك وتجاهلها بتمامها تغليباً لمصلحة مالية بحتة لمن يمارسون مهنة بذاتها هي مهنة المحاماة، ولا يدخل ذلك في نطاق التنظيم التشريعي لحق الملكية، بل هو عدوان عليها لا يختار أهون الشرين لدفع أعظمهما، بل يلحق بالمؤجر وحده، الضرر البين الفاحش منافياً بذلك المقاصد الشرعية التي ينظم ولى الأمر الحقوق في نطاقها، ومجاوزاً الحدود المنطقية لعلاقة ايجارية كان ينبغي أن تتوازن فيها المصالح توازناً دقيقاً، لا أن ينحدر الميزان كلية في اتجاه مناقض للمصالح المشروعة لأحد طرفيها، وهى حدود لا يجوز تخطيها بالنزول عن العين إلى الغير بعد انتفاء حاجة المتنازل إليها، ورغماً عن مالكها، وبمقابل يختص به مستأجرها من دونه وآياً كان مقداره.

– – – ١١ – – –
ولا محاجة في القول بأن النص التشريعي المطعون عليه يوفر مزيداً من الرعاية للمحامين عند اعتزالهم المهنة ولورثتهم من بعدهم تقديراً لدور المحامين في الدفاع عن حقوق المواطنين. ذلك أن قيام المحامين على واجباتهم الأصلية ونهوضهم بتبعاتها، لا يصلح سنداً لإهدار الحماية التي كفلها الدستور لحق الملكية في المادتين ٣٢، ٣٤ منه، وهما تكفلان دعم الملكية الخاصة ممثلة في رأس المال غير المستغل، وتقرران صونها في إطار وظيفتها الاجتماعية، وباعتبار أن الحماية الدستورية لحق الملكية تمتد إلى عناصره المختلفة ويندرج تحتها استعمال المالك للشيء في كل ما أعد له واستغلاله استغلالاً مباشراً أو غير مباشر جنياً لثماره.

[الطعن رقم ٢٥ – لسنــة ١١ ق – تاريخ الجلسة ٢٧ / ٠٥ / ١٩٩٢ – مكتب فني ٥ – رقم الجزء ١ – رقم الصفحة ٣٦٤ – تم قبول هذا الطعن]

بعد الاطلاع على الأوراق ، والمداولة . حيث إن الوقائع – على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – تتحصل فى أن المدعى عليه الأول استأجر الشقة رقم ٢٠ التى يملكها المدعى والكائنة فى العقار رقم ٣٢ الكائن بشارع يحيى إبراهيم بالزمالك قسم قصر النيل بالقاهرة – وذلك بموجب عقد إيجار مؤرخ ٢٠ من نوفمبر سنة ١٩٧٩ وبغرض استغلالها مسكناً خاصاً ، وبتاريخ أول مايو سنة ١٩٨٨ غير الغرض لتصبح مكتباً للمحاماة ، وفى الثانى من مارس سنة ١٩٨٩ تنازل المدعى عليه الأول عن إيجار الشقة المذكورة إلى المدعى عليه الثانى رقم ٣٨٧٩ لسنة ١٩٨٩ أمام محكمة جنوب القاهرة الابتدائية ( دائرة الإيجارات ) ضد وكيل المدعى طالبين الحكم بصحة التنازل المشار إليه وإلزامه بتحرير عقد إيجار إلى المتنازل إليه بذات شروط عقد الإيجار المتنازل عنه وذلك استناداً إلى الفقرة الثانية من المادة ٥٥ من قانون المحاماة الصادر بالقانون رقم ١٧ لسنة ١٩٨٣ التى تجيزه . وأثناء نظر الدعوى دفع وكيا المدعى بعدم دستورية هذه المادة ، وإذ قدرت محكمة الموضوع جدية هذا الدفع فقد صرحت له بجلسة ٢٦ من مارس سنة ١٩٨٩ برفع دعواه الدستورية ، فأقام الدعوى الماثلة ، وعقب قيدها قضت المحكمة المذكورة بجلسة ٢٨ من مايو سنة ١٩٨٩ بوقف الدعوى الموضوعية حتى يصدر حكم من هذه المحكمة . وحيث إن المدعى عليه الأول دفع بعدم قبول الدعوى الماثلة على أساس أنها طعن مباشر بعدم دستورية النص التشريعى المطعون فيه بالمخالفة للمادة ٢٩ من قانون هذه المحكمة الصادر بالقانون رقم ٤٩ لسنة ١٩٧٩ التى لا تجيز ذلك سواء عن طريق الدعوى الأصلية أو الطلب العارض ، ولا يجدى فى ذلك الدفع بعدم الدستورية الذى أثاره المدعى أمام محكمة الموضوع ذلك أنها لم توقف الدعوى بعد تقديرها لجديته وتصريحها له بإقامة الدعوى الدستورية . وحيث إن هذا الدفع غير سديد ، ذلك أن المادة ٢٩ سالفة البيان تنص على أن ” تتولى المحكمة الرقابة القضائية على دستورية القوانين واللوائح على الوجه الآتى : (أ‌) …………………… (ب‌) إذا دفع أحد الخصوم أثناء نظر دعوى أمام أحدى المحاكم أو الهيئات ذات الاختصاص القضائى بعدم دستورية نص فى قانون أو لائحة ورأت المحكمة أو الهيئة أن الدفع جدى أجلت نظر الدعوى وحددت لمن أثار الدفع ميعاداً لا يجاوز ثلاثة أشهر لرفع الدعوى بذلك أمام المحكمة الدستورية العليا ، فإذا لم ترفع الدعوى فى الميعاد اعتبر الدفع كأن لم يكن ” ، متى كان ذلك ، وكان البين من هذا النص أن محكمة الموضوع إذ ترخص لمن أثار الدفع بعدم الدستورية – بعد تقديرها لجديته – برفع الدعوى الدستورية إلى المحكمة الدستورية العليا ، فإن هذا الترخيص لا يلزمها سوى بتأجيل الدعوى الموضوعية المنظورة أمامها ، وبالتالى لا يكون وقفها شرطاً لقبول الدعوى الدستورية ، ولا يغير من هذا النظر أن تستعيض محكمة الموضوع فى حالة بذاتها وفى حدود سلطتها التقديرية عن تأجيل الدعوى الموضوعية المطروحة عليها ، بوقفها لأن ذلك منها لا يعدو أن يكون تربصاً بقضاء المحكمة الدستورية العليا فى شأن دستورية النصوص التشريعية المطعون عليها ، وهى عين النتيجة التى قصد المشرع إلى بلوغها من وراء تأجيل الدعوى الموضوعية إثر التصريح برفع الدعوى الدستورية ، ومن ثم يكون الدفع بعدم قبول الدعوى الماثلة على غير أساس حرياً بالرفض . وحيث إن المدعى ينعى على الفقرة الثانية من المادة ٥٥ من قانون المحاماة الصادر بالقانون رقم ١٧ لسنة ١٩٨٣ – وهى الفقرة المطعون عليها – إيثارها المحامى أو ورثته بميزة النزول عن حق إيجار مكتب المحاماة لمن حددتهم من الغير دون أن تكفل لمالك العين الحق فى أن يتقاسم مع المتنازل المقابل المعروض للتنازل عنها ، وهو ما يخرج بالفقرة المطعون عليها على عمومية القاعدة القانونية وتجردها باعتبارها استثناء غير مبرر من حكم المادة ٢٠ من القانون رقم ١٣٦ لسنة ١٩٨١ ، هذا بالإضافة إلى انطوائها على مخالفة لمبدأ تكافؤ الفرص ، وإخلالها بمبدأ مساواة المواطنين أمام القانون ، والمنصوص عليهما فى المادتين ٨ و ٤٠ من الدستور . وحيث إنه من المقرر – وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة – أن مناط المصلحة فى الدعوى الدستورية – وهى شرط لقبولها – أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة فى الدعوى الموضوعية ، وذلك أن يكون الفصل فى المسألة الدستورية لازماً للفصل فى الطلبات المرتبطة بها المطروحة على محكمة الموضوع ، متى كان ذلك ، وكانت الدعوى الموضوعية تتعلق بنزول المدعى عليه الأول عن إجارة العين التى اتخذها مكتباً للمحاماة إلى المدعى عليه الثانى بوصفه طبيباً لتمكينه من الانتفاع بها كعيادة طبية ، وكان الدفع بعدم الدستورية الذى أبداه المدعى أمام محكمة الموضوع منحصراً فى هذا النطاق وحده ، فإن مصلحته الشخصية المباشرة إنما تتحدد فى المسألة الدستورية المتصلة بالنزاع الموضوعى ، وهى تلك المتعلقة بنزول المحامى أو ورثته عن حق إيجار مكتب المحاماة لمزاولة غيرها من المهن الحرة أو لممارسة حرفة غير مقلقة للراحة أو مضرة بالصحة ، ومن البديهى أن انحصار الطعن الماثل فى النطاق المتقدم لا يعنى أن ما تضمنته الفقرة الثانية من المادة ٥٥ من قانون المحاماة من أحكام تجاوز هذا النطاق وتتعداه ، قد أضحى مطهراً مما قد يكون عالقاً بها من مثالب موضوعية ، إذ لا يزال مجال الطعن فيها مفتوحاً لكل ذى مصلحة . وحيث إن حق المدعى فى الحصول على ٥٠% من مقابل التنازل لا يعدو أن يكون أثراً مترتباً بقوة القانون على النزول عن الحق فى الإجارة ، وكل ما قررته الفقرة المطعون عليها من حرمان المدعى من هذا الحق ، يثير بالضرورة مسألة سابقة على نشوئه قانوناً ، هى ما إذا كان النزول عن الإجارة فى ذاته لمزاولة غير مهنة المحاماة من المهن الحرة أو لممارسة حرفة غير مقلقة للراحة أو مضرة بالصحة يعتبر جائزاً من الناحية الدستورية . متى كان ذلك ، وكان مناط جريان الآثار التى يرتبها المشرع على ألعمال القانونية أن تتوافر لهذه الأعمال ذاتها مقوماتها من الناحية الدستورية والقانونية على حد سواء ، فإن مدى اتفاق التنازل فى ذاته وأحكام الدستور يكون مطروحاً بقوة النصوص الدستورية على هذه المحكمة لتقول كلمتها فيه . وحيث إن المادة ٢٠ من القانون رقم ١٣٦ لسنة ١٩٨١ فى شأن بعض الأحكام الخاصة بتأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر تنص على انه ” يحق للمالك عند قيام المستأجر فى الحالات التى يجوز له فيها بيع المتجر أو المصنع أو التنازل عن حق الانتفاع بالوحدة السكنية أو المؤجرة لغير أغراض السكنى الحصول على ٥٠% من ثمن البيع أو مقابل التنازل بحسب الأحوال ، بعد خصم قيمة المنقولات التى بالعين . وعلى المستأجر قبل إبرام الاتفاق إعلان المالك على يد محضر بالثمن مخصوماً منه نسبة ال ٥٠% المشار إليها خزانة المحكمة الجزئية الواقع فى دائرتها العقار إيداعاً مشروطاً بالتنازل عن عقد الإيجار وتسليم العين وذلك خلال شهر من تاريخ الإعلان . وبانقضاء ذلك الأجل يجوز للمستأجر أن يبيع لغير المالك مع التزام المشترى بأن يؤدى للمالك مباشرة نسبة ال ٥٠% المشار إليها ، وتنص الفقرة الثانية من المادة ٥٥ من قانون المحاماة الصادر بالقانون رقم ١٧ لسنة ١٩٨٣ – وهى الفقرة المطعون عليها – على أنه ” استثناء من حكم المادة ٢٠ من القانون رقم ١٣٦ لسنة ١٩٨١ يجوز للمحامى أو لورثته التنازل عن حق إيجار مكتب المحاماة لمزاولة مهنة حرة أو حرفة غير مقلقة للراحة أو مضرة بالصحة ” . وحيث إن مؤدى نص المادة ٢٠ من القانون رقم ١٣٦ لسنة ١٩٨١ المشار إليه أنه فى الأحوال التى يجوز فيها للمستأجر التنازل عن حق الانتفاع بالوحدة السكنية أو المؤجرة لغير أغراض السكنى ، قرر المشرع قاعدة عامة مجردة يستحق المالك بموجبها ٥٠% من مقابل التنازل بعد خصم قيمة ما يكون فى هذه الوحدة من منقولات ، وهى قاعدة عدل بها المشرع عما كان معمولاً به قبلها من تخويل المستأجر الأصلى المرخص له بالنزول عن الإجارة – سواء فى عقد إيجار أو فى ترخيص لاحق – حق التنازل عنها إلى الغير بمقابل لا ينال منه المالك شيئاً أياً كان قدره ، وقد توخى المشرع بالعدول عن انفراد المستأجر بمقابل التنازل أن يعيد إلى العلاقة الإيجارية توازنها الذى كان قد اختل ، وأن يكفل ذلك من خلال أمرين : أولهما : إلزامه المستأجر بأن يتقاسم مع المالك مقابل التنازل المعروض عليه لمواجهة نزول الأول عن المكان المؤجر نزولاً نافذاً فورياً فى حق المالك وبغير رضاه ، ثانيهما : تقرير أولوية لمالك العين المؤجرة فى الانتفاع بها دون المتنازل إليه وذلك إذا أفصح المالك عن رغبته فى ذلك عن طريق إيداع خزانة المحكمة الجزئية الواقع فى دائرتها العقار ٥٠% من مقابل التنازل المعروض بعد خصم قيمة المنقولات التى بالعين ، وعلى أن يكون هذا الإيداع مشروطاً بالتنازل عن عقد إيجارها وتسليمها . غير أن قانون المحاماة الصادر بالقانون رقم ١٧ لسنة ١٩٨٣ انتظم بأحكامه موضوع النزول عن الإيجار إذا كان محل التنازل حق إيجار مكتب المحاماة ، وكان المتنازل محامياً أو أحد ورثته ، فأجاز – بنص الفقرة الثانية من المادة ٥٥ منه – هذا التنازل لمن كان مزاولاً لمهنة حرة أو لحرفة غير مقلقة للراحة أو مضرة بالصحة ، وأورد بمقتضاها ٠ واستثناء من نص المادة ٢٠ من القانون رقم ١٣٦ لسنة ١٩٨١ المشار إليه – حكماً مؤداه حرمان المالك من حقين كانت المادة ٢٠ سالفة البيان قد كفلتهما له بغية أن تعيد إلى العلاقة الإيجارية – بإقرارها لهذين الحقين – توازناً مفقوداً هما حق المالك فى الحصول على ٥٠% من مقابل التنازل عن العين المؤجرة إذا اتجهت أرادته إلى إنفاذه ، وحقه – إذا عمد إلى إهدار التنازل – فى أن يستعيد العين من مستأجرها بعد أداء تلك القيمة ، ومن ثم يكون المشرع قد فرض بالأحكام التى قررتها القفرة الثانية من المادة ٥٥ من قانون المحاماة الصادر بالقانون رقم ١٧ لسنة ١٩٨٣ – وفى حدود نطاق الطعن الماثل – التنازل على من يملكون هذه الأماكن بما مؤداه التعرض لحق ملكيتهم عليها عن طريق حرمانهم من الاستئثار بمنافعها . وحيث إن الدستور حرص على النص على صون الملكية الخاصة وكفل عدم المساس بها إلا على سبيل الاستثناء ، وفى الحدود وبالقيود التى أوردها ، باعتبار أنها فى الأصل ثمرة مترتبة على الجهد الخاص الذى بذله الفرد بكده وعرقه ، وبوصفها حافز كل شخص إلى الانطلاق والتقدم ، إذ يختص دون غيره بالأموال التى يملكها ، وتهيئة الانتفاع المقيد بها لتعود إليها ثمارها ، وكانت الأموال التى يرد عليها حق الملكية تعد كذلك من مصادر الثروة القومية التى لا يجوز التفريط فيها أو استخدامها على وجه يعوق التنمية أو يعطل مصالح الجماعة ، وكانت الملكية فى إطار النظم الوضعية التى تزاوج بين الفردية وتدخل الدولة لم تعقد حقاً مطلقاً، ولا هي عصية على التنظيم التشريعي، وإنما يجوز تحميلها بالقيود التي تقتضيها وظيفتها الاجتماعية، وهي وظيفة يتحدد نطاقها ومرماها على ضوء طبيعة الأموال محل الملكية، والأغراض التي ينبغي توجيهها إليها، وبمراعاة الموازنة التي يجريها المشرع ويرجح من خلالها ما يراه من المصالح أولى بالرعاية وأجدر بالحماية على ضوء أحكام الدستور متى كان ذلك، تعين أن ينظم القانون أداء هذه الوظيفة مستهدياَ بوجه خاص بالقيم التي تنحاز إليها الجماعة في مرحلة معينة من مراحل تطورها، وبمراعاة أن القيود التي تفرضها الوظيفة الاجتماعية على حق الملكية للحد من إطلاقها، لا تعتبر مقصودة لذاتها، بل غايتها خير الفرد والجماعة. ولقد كفل الدستور في مادته الثانية والثلاثين حماية الملكية الخاصة التي لا تقوم في جوهرها على الاستغلال، وهو يرد انحرافها كلما كان استخدامها متعارض مع الخير العام للشعب، ويؤكد دعمها بشرط قيمها على أداء الوظيفة الاجتماعية التي يبين المشرع حدودها مراعياً أن تعمل في خدمة الاقتصاد القومي، وفي إطار خطة التنمية. وحيث إن الوظيفة الاجتماعية لحق الملكية تبرز – على الأخص – في مجال الانتفاع بالأعيان المؤجرة، ذلك أن كثرة من القيود تتزاحم في نطاق مباشرة المالك لسلطته المتعلقة باستغلاله لملكه، وهي قيود قصد بها في الأصل مواجهة الأزمة المتفاقمة الناشئة عن قلة المعروض من الأماكن المهيأة للسكنى وغيرها من الأماكن لمقابلة الزيادة المطردة في الطلب عليها، تلك الأزمة التي ترتد جذورها إلى الحربين العالميتين الأولى والثانية وما ترتب عليهما من ارتفاع أجرة الأماكن على اختلافها بعد انقطاع ورود المواد الأولية للبناء ونضوبها وازدياد النازحين إلى المدن، بالإضافة إلى الزيادة الطبيعية في سكانها، وكان أن عمد المشرع إلى مواجهة هذه الأزمة بتشريعات استثنائية مؤقتة – لا يجوز التوسع في تفسيرها أو القياس عليها – خرج فيها على القواعد العامة في عقد الإيجار مستهدفاً بها – على الأخص – الحد من حرية المؤجر في تقدير الأجرة واعتبار العقد ممتداً بقوة القانون بذات شروطه الأصلية عدا المدة والأجرة، غير أن ضراوة الأزمة وحدتها جعلت التشريعات الاستثنائية متصلة حلقاتها، مترامية في زمن تطبيقها، محتفظة بذاتيتها واستقلالها عن القانون المدني، متعلقة أحكامها بالنظام العام لإبطال كل اتفاق على خلافها ولضمان سريانها بأثر مباشر على الآثار التي ربتتها عقود الإيجار القائمة عند العمل بها ولو كانت مبرمة قبلها، وزايلتها بالتالي صفتها المؤقتة، وآل الأمر إلى اعتبار أحكامها من قبيل التنظيم الخاص لموضوعها مكملاً بقواعد القانون المدني باعتباره القانون العام، إذ كان ذلك، وكان الضرورة الموجهة لهذا التنظيم الخاص تقدر بقدرها، ومعها تدور القيود النابعة وجوداً وعدماً باعتبارها علة تقريرها، وكان حق المستأجر في العين المؤجرة – حتى مع قيام هذا التنظيم الخاص – لا زال حقاً شخصياً تؤول إليه بمقتضاه منفعة العين المؤجرة،و ليس حقاً عينياً يرد على هذه العين في ذاتها، تعين أن يكون البقاء في العين المؤجرة بعد انتهاء مدة الإجارة مرتبطاً بحاجة المستأجر إليها بوصفها مكاناً يأويه هو وأسرته أو يباشر مهنته أو حرفته فيها، فإذا انفكت ضرورة شغل العين عن مستأجرها، زايلته الأحكام الاستثنائية التي بسطها المشرع عليه لحمايته، ولم يعد له من بعد حق في البقاء في العين المؤجرة، ولا النزول عنها للغير بالمخالفة لإرادة مالكها، وهو ما رددته هذه التشريعات ذاتها بإلقائها على المستأجر واجبات ثقيلة غايتها ضمان أن يكون شغله العين المؤجرة ناشئاً عن ضرورة حقيقية يقوم الدليل عليها، لا أن يتخذها وسيلة إلى الانتهاز والاستغلال، ذلك أن القيود التي يفرضها المشرع على حق الملكية لضمان أدائها لوظيفتها الاجتماعية يتعين أن تظل مرتبطة بالأغراض التي تتوخاها، دائرة في فلكها، باعتبار أن ذلك وحده هو علة مشروعيتها ومناط استمرارها، متى كان ذلك، وكانت سلطة المشرع في مجال تنظيم الحقوق لا تعني ترخصه في التحرر من القيود والضوابط التي فرضها الدستور كحدود نهائية لهذا التنظيم لا يجوز تخطيها أو الدوران من حولها، وكان كل نص تشريعي لا يقيم وزنا للتوازن في العلاقة الإيجارية عن طريق التضحية الكاملة بحقوق أحد طرفيها – وهو المؤجر – يعتبر مقتحماً الحدود المشروعة لحق الملكية ومنطوياً على إهدار الحماية الدستورية المقررة لها، وكان الأصل في مهنة المحاماة التي نظمها القانون رقم ١٧لسنة١٩٨٣ بإصدار قانون المحاماة المعدل بالقانون رقم ٢٢٧ لسنة ١٩٨٤ أنها مهنة حرة قوامها مشاركة السلطة القضائية في تحقيق العدالة، وفي توكيد سيادة القانون وفي كفالة حق الدفاع عن حقوق المواطنين وحرياتهم، ويمارسها المحامون وحدهم في استقلال ولا سلطان عليهم في ذلك إلا لضمائرهم وأحكام القانون، ولتحقيق هذا الغرض حظر المشرع – وعلى ما قررته المادة ١٤ من هذا القانون – الجمع بينها وبين الأعمال التي عددتها والتي قدر المشرع منافاتها لها، كما كفل بالمادة ٥١ من ذلك القانون عدم جواز التحقيق مع محام أو تفتيش مكتبه إلا بمعرفة أحد أعضاء النيابة العامة، ولم يجز كذلك بنص الفقرة الأولى من المادة ٥٥ منه الحجز على مكتبه وكافة محتوياته المستخدمة في مزاولة المهنة، متى كان ذلك وكانت النصوص التي أوردها قانون المحاماة على النحو السالف بيانه تتضافر مع غيرها من النصوص التي بسطها في مجال توجهها نحو دعم مهنة المحاماة والتمكين من أداء رسالتها على الوجه الذي يكفل إرساء سيادة القانون، وبمراعاة ما يقتضيه تنظيم أصول المهنة سعياً للنهوض بها، فإن الفقرة الثانية من المادة ٥٥ منه – وهي النص التشريعي المطعون فيه – تبدو غريبة في بابها منفصلة عن مجموع الأحكام التي اشتمل عليها هذا القانون، منافية للتنظيم المتكامل لمهنة المحاماة، وهو تنظيم خاص توخى تحديد حقوق المحامين وواجباتهم بصورة دقيقة بما لا يخرج على أصول المهنة أو يخل بمتطلباتها محددة على ضوء الأغراض التي ترمى هذه المهنة إلى بلوغها، بما مؤداه انفصال الفقرة الثانية من المادة ٥٥ – في جوانبها المطعون عليها – عن الأحكام التي تقتضيها مزاولة مهنة المحاماة والقيام على رسالتها ، ذلك أنها تقرر لكلك محام – ولو بعد تخليه حال حياته عن مزاولة المهنة – ولورثته من بعده – ولو كانوا من غير المحامين، – مزية استثنائية تنطوي على إسقاط كامل لحقوق المالك المرتبطة بها، وتقدم المنفعة المجلوبة على المضرة المدفوعة بالمخالفة لمبادئ الشريعة الإسلامية، ويظهر ذلك على الأخص من وجهين: أولهما أن الفقرة المطعون عليها تتجاهل كلية موجبات التوازن في العلاقة الإيجارية التي استهدفتها المادة ٢٠ من القانون رقم ١٣٦ لسنة ١٩٨١ وذلك بحرمانها من قام بتأجير عين بملكها لآخر لاستخدامها مكتباً للمحاماة – دون غيره من المؤجرين – من الحصول على ٥٠% من مقابل التنازل إذا أراد إنفاذه ومن الانتفاع بالعين إذا أراد إهداره مقابل أداء هذه القيمة، ثانياً: أن مؤدى الفقرة المطعون عليها أن تنازل المحامي أو ورثته عن حق إيجار مكتبه يعتبر نافذاً في حق المالك بغير رضاه، إذ يظل عقد الإيجار قائماً ومستمراً لمصلحة المتنازل إليه، ودون مقابل يؤديه المتنازل إلى المالك، ولو كان المتنازل إليه لا يزاول مهنة المحاماة بل مهنة أخرى أو يمارس حرفة – أيا كان نوعها – شريطة أن تكون غير مقلقة للراحة أو مضرة بالصحة، وكلا الوجهين ينطوي على مخالفة للدستور، ذلك أن النص التشريعي المطعون فيه ليس له من صلة بالأغراض التي يتوخاها تنظيم مهنة المحاماة أو التمكين من أداء رسالتها، هذا بالإضافة إلى إسقاطه الكامل لحقوق المالك وتجاهلها بتمامها تغليباً لمصلحة مالية بحته لمن يمارسون مهنة بذاتها هي مهنة المحاماة، ولا يدخل ذلك في نطاق التنظيم التشريعي لحق الملكية، بل هو عدوان عليها لا يختار أهون الشرين لدفع أعظمهما، بل يلحق بالمؤجر وحده الضرر البين الفاحش منافياً بذلك المقاصد الشرعية التي ينظم ولى الأمر الحقوق في نطاقها، ومجاوزاً الحدود المنطقية لعلاقة إيجارية كان ينبغي أن تتوازن فيها المصالح توازناً دقيقاً، لا أن ينحدر الميزان كلية في اتجاه مناقض للمصالح المشروعة لأحد طرفيها، وهي حدود لا يجوز تخطيها بالنزول عن العين إلى الغير بعد انتفاء حاجة المتنازل إليها، ورغماً من مالكها، وبمقابل يختص به مستأجرها من دونه وأيا كان مقدراه، ولا محاجة في القول بأن النص التشريعي المطعون عليه يوفر مزيداً من الرعاية للمحامين عند اعتزالهم المهنة ولورثتهم من بعدهم تقديراً لدور المحامين في الدفاع عن حقوق المواطنين، لا محاجة في ذلك، ذلك أن قيام المحامين على واجباتهم الأصلية ونهوضهم بتبعاتها،لا يصلح سنداً لإهدار الحماية التي كفلها الدستور لحق الملكية في المادتين ٣٢، ٣٤ منه وهما تكفلان دعم الملكية الخاصة ممثلة فى رأس المال غير المستغل وتقرران صونها في إطار وظيفتها الاجتماعية، وباعتبار أن الحماية الدستورية لحق الملكية تمتد إلى عناصره المختلفة ويندرج تحتها استعمال المالك للشيء في كل ما أعد له واستغلاله استغلالاً مباشراً أو غير مباشر جنياً لثماره. وحيث إنه متى كان ذلك، تعين الحكم بعدم دستورية ما قررته الفقرة الثانية من المادة ٥٥ من قانون المحاماة الصادر بالقانون رقم ١٧ لسنة ١٩٨٣ من جواز نزول المحامي أو ورثته عن إيجار مكتبه لمزاولة غير المحاماة من المهن الحرة أو لمباشرة حرفة غير مقلقة للراحة أو مضرة بالصحة، لما ينطوي عليه التنازل عن الإجارة في هذه الأحوال من عدوان على الملكية الخاصة التي كفل الدستور حمايتها في المادتين ٣٢، ٣٤ منه، وبما مؤداه زوال الآثار القانونية التي يرتبها النص المطعون فيه على هذا التنازل ترتيباً على بطلانه في ذاته من الناحية الدستورية. فلهذه الأسباب حكمت المحكمة بعدم دستورية الفقرة الثانية من المادة ٥٥ من قانون المحاماة الصادر بالقانون رقم ١٧ لسنة ١٩٨٣ وذلك فيما قررته من جواز نزول المحامى أو ورثته عن إيجار مكتبه لمزاولة غير المحاماة من المهن الحرة أو لمباشرة حرفة غير مقلقة للراحة أو مضرة بالصحة، وما يرتبه هذا النص من آثار قانونية على التنازل المشار إليه، وألزمت الحكومة المصروفات، ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة.

زر الذهاب إلى الأعلى