
حرمة الخصوصية
مقال بقلم د. أشرف نجيب الدريني
هل يمكن لمشهد عابر أن يتحول إلى وصمة تلاحق إنسانا في عمله وسمعته وحياته النفسية؟! وهل باتت الكاميرا، لا القانون، هي التي تحدد من المخطئ ومن الضحية؟ ثم أين يقف الحد الفاصل بين ما هو شأن خاص، وما هو محمي بالخصوصية، وما يجوز تصويره، وما يحظر نشره؟ هذه الأسئلة لا تطرح بوصفها تمهيدا بل بوصفها مفتاحا لفهم واقعة (جينيفر كاسترو)، التي تكشف بجلاء خطورة الخلط بين مفاهيم متمايزة عمدا في الوعي العام.
الواقعة في أصلها بسيطة وواضحة: رحلة داخلية على متن طائرة، مقعد بجانب النافذة تم اختياره ودفع ثمنه مسبقا، وراكبة تجلس في مكانها المشروع. عندما طلب منها التنازل عن هذا المقعد لطفل يبكي، رفضت. هذا الرفض، من الناحية القانونية، فعل مباح لا ينطوي على أي إخلال بالنظام أو اعتداء على حق الغير، ويدخل في نطاق الحرية الشخصية والعلاقة التعاقدية بين الراكب وشركة الطيران. غير أن الواقعة خرجت من إطارها الطبيعي بمجرد أن قرر أحد الركاب تصوير (جينيفر) دون علمها أو رضاها، ثم نشر المقطع على نطاق واسع، لتبدأ (محاكمة اجتماعية) لا تعترف بالسياق ولا تقيم وزنا للحقوق.
وهنا يصبح التفريق بين المفاهيم ضرورة. فالحياة الخاصة هي المجال العام الذي يضم تفاصيل السلوك الإنساني اليومي، من اختيارات بسيطة وتصرفات عادية لا يقصد بها صاحبها الظهور أو التأثير في الغير. هي الإطار الواسع الذي يعيش فيه الإنسان بوصفه فردا لا محتوى. أما (الخصوصية) فهي الحماية القانونية لهذا المجال، أي الحق في أن يقرر الشخص ما إذا كان هذا السلوك يكشف أو يحجب، وكيف ولمن. الخصوصية ليست انعزالا عن المجتمع، بل هي (سلطة الإرادة) على ما يتصل بالذات الإنسانية.
أما التصوير، فيجب النظر إليه بوصفه فعلا مستقلا لا يقاس بمكان وقوعه وحده، بل بمدى مشروعيته ورضا من يصور. فليس كل ما يرى يجوز التقاطه، وليس كل وجود في فضاء يضم آخرين يعد تنازلا ضمنيا عن الحق في الصورة. التصوير دون رضا، حين يستهدف شخصا بعينه ويخرجه من سياقه الطبيعي، يكون في ذاته اعتداء على الخصوصية، حتى قبل الانتقال إلى مرحلة النشر.
ويأتي النشر ليشكل المرحلة الأخطر. فالنشر لا ينقل الصورة فحسب، بل يحملها دلالة، ويضعها في سياق قد يكون مشوها أو مجتزأ، ويحول الفرد من إنسان إلى موضوع حكم جماعي. النشر هو الذي يحدث الضرر، وهو الذي يطلق سلسلة الآثار الاجتماعية والنفسية والمهنية التي لا يمكن السيطرة عليها. لذلك يميز الفقه القانوني بدقة بين فعل التصوير وفعل النشر، ويعتبر الثاني، في كثير من الأحيان، اعتداء مستقلا بذاته ولا يقدح في ذلك أن التصوير قد تم في مكان يضم جمهورا.
الطائرة، في هذا الإطار، تعد فضاء عاما منضبطا، لا مكانا عاما مطلق الإباحة. هي ليست ملكا خاصا، لكنها تخضع لقواعد تعاقدية وتنظيمية صارمة تحكم سلوك الركاب داخلها. وجود عدد من الأشخاص لا يخلق حقا عاما في التصوير، ولا يمنح أي راكب سلطة تحويل الآخرين إلى مادة رقمية. الراكب يحتفظ داخل الطائرة بحقه في صورته، وبحقه في ألا يعرض للتشهير أو الإدانة العلنية دون مسوغ.
الآثار التي لحقت (بجينيفر كاسترو) كانت مباشرة وقاسية: حملة تشهير واسعة، ضغط نفسي شديد، تشويه للسمعة، وانتهاء بفقدان الوظيفة. هذه النتائج لا يمكن فصلها عن فعل التصوير والنشر، ولا يمكن اختزالها في اختلاف وجهات نظر. ما جرى تجاوز حدود النقد، ودخل في نطاق الإيذاء المعنوي والاجتماعي المنظم.
من هنا جاء لجوء (جينيفر) إلى القضاء، ورفعها دعوى ضد شركة الطيران وضد الراكب الذي قام بالتصوير والنشر. دعوى تؤسس على مسؤولية مزدوجة: مسؤولية فرد انتهك الخصوصية والحق في الصورة عبر النشر دون رضا، ومسؤولية شركة أخفقت في واجب الحماية داخل فضاء يخضع لسلطتها التنظيمية. فشركة الطيران لا تلتزم فقط بنقل الركاب، بل بحمايتهم من الاعتداء، المادي والمعنوي، متى كان ذلك في حدود قدرتها وسلطتها.
لا مناص من أن القضية في جوهرها ليست عن مقعد أو طفل أو تعاطف، بل عن حدود السلطة في العصر الرقمي. إنها عن إنسان جرد من حقه في أن يكون عاديا، وعن مجتمع بات يخلط بين الحياة الخاصة والخصوصية، وبين التصوير والنشر، وبين الرأي والإدانة. وإذا لم يعاد ترسيم هذه الحدود بوضوح، فإن الخطر لن يقف عند واقعة واحدة، بل سيطال الجميع، في زمن أصبحت فيه الكاميرا أسرع من القانون، وأقسى من العدالة. والله من وراء القصد.