
حدود حرية التصوير في الأماكن العامة
مقال بقلم د. أشرف نجيب الدريني
لقد أثار المستشار عصمت العيادي، الرئيس بمحكمة استئناف القاهرة، تساؤلًا بالغ الأهمية حول القياس بين حق تصوير الجرائم في الأماكن العامة وحق تصوير الأشخاص في أماكن عامة أخرى. انطلق هذا التساؤل من حادثة فنية، حين حضرت فنانة شهيرة عرضًا أوليًا لفيلم جديد، وقد ظهر منه -حسب الزاوية المصورة- ما قد يوصف (بفعل فاضح) نتيجة طريقة جلوسها وملابسها. التساؤل الأساسي كان: هل يمكن تطبيق نفس المنطق القانوني المقرر لتصوير الجرائم – الذي يرتبط بالضرورة القانونية والمصلحة العامة- على شخص لم يرتكب جريمة؟ وهل يجوز نشر هذا التصوير على الملأ، أم أن هناك حدودًا واضحة تحمي الإنسان والكرامة؟!
هذه التساؤلات تفتح الباب لمناقشة مبدأ القانون الجنائي في (التوسيط بين الضرورة والمصلحة العامة). في حالة تصوير الجرائم الخطرة، مثل القتل أو البلطجة أو الاعتداء، هناك خطر مباشر على النظام العام والمصلحة العامة، لذا يبيح القانون (توثيق) هذه الوقائع لضمان التحقيق والمتابعة القانونية. أما ما إذا كان التصوير لفعل فاضح لشخص في مكان عام -كما في حالة الفنانة- فهذا القياس لا يستقيم، لأن الضرر المحتمل لا يرتبط بالمصلحة العامة، بل يكون تصويرًا لموقف عابر لا يشكل تهديدًا قانونيًا مباشرًا، والغرض منه غالبًا الفضول أو التشهير، لا التوثيق القانوني.
هنا يظهر الفرق الجوهري بين التوثيق القانوني للجرائم والنشر العام للفعل الفردي. تصوير مرتكب جريمة يتم لغرض التوثيق القانوني، حماية للمصلحة العامة، وضمان مساءلة الجاني. أما تصوير فعل فاضح لشخص، مهما بدا مخالفًا للحياء، فلا يشكل ضرورة قانونية للتوثيق، والنشر هنا يضع الناشر تحت طائلة المسؤولية القانونية، لأنه حول لحظة عارضة خاصة إلى مادة عامة تسبب أذى مباشر للمجني عليها.
ويعزز هذا التمييز ما أكدت عليه النيابة العامة ووزارة الداخلية عبر وسائل التواصل الاجتماعي: من يوثق واقعة مجرَّمة يجب أن يرسلها للجهات المختصة عبر القنوات الرسمية، مثل أرقام واتساب وصفحات رسمية، وليس نشرها على العلن. هذه التعليمات توضح أن الإباحة في مواجهة الجرائم محدودة بالضرورة القانونية، وليست (رخصة) للفضول أو للتشهير. وكما يعزز ذلك أيضًا ما قاله الإمام علي رضي الله عنه: “لو رأيت الفضيحة بأم عين لسترتها بردائي.” فالستر قيمة أخلاقية وإنسانية، تؤكد أن الواجب حماية الإنسان والكرامة، حتى لو كان الفعل مخالفًا للعرف أو مبنيًا على خطأ عابر، وأن الفضول لا يبرر الانتهاك أو النشر.
ويظل القانون الجنائي واضحًا في مبدأه: لا فرق بين الشريفة والعاهرة في الحماية الجنائية. فإذا ارتكبت جريمة، مثل الاغتصاب، فإن العقوبة تقع على الجاني دون تمييز، وقد تصل إلى الإعدام شنقًا، حماية للحق العام والخاص على حد سواء. وهذا يعكس فلسفة القانون الجنائي التي تضع حماية الإنسان والكرامة فوق أي اعتبار آخر، وتمنع تحويل الاستثناءات القانونية إلى ذريعة لانتهاك الحقوق الفردية.
ختاما، يظهر جليًا أن فلسفة القانون الجنائي تقوم على التوازن بين الحرية والمسؤولية، الإعلام والكرامة، القانون والإنسانية، وأن الإنسان يظل محميًا أينما وجد، والاستثناءات القانونية مرتبطة بالضرورة والمصلحة العامة، ولا يجوز لها أن تتحول إلى قاعدة لتبرير الانتهاك أو التشهير. والله من وراء القصد.