توريث الأمان الاجتماعي

مقال بقلم د. أشرف نجيب الدريني

لماذا تتجدد فكرة التوريث في بعض الوظائف العامة رغم ما استقر من مبادئ تكافؤ الفرص والمساواة أمام القانون؟
ولِم يبدو المجتمع في لحظات بعينها وكأنه يعيد إنتاج ذاته داخل دوائر مغلقة لا لأن النصوص تأمر بذلك بل لأن الوعي الجمعي يستبطنه باعتباره المسار الأكثر أمانا؟أهو قصور في القواعد؟ أم ضعف في التطبيق؟! أم أن الإشكال أعمق قائم في بنية التفكير نفسها وفي الطريقة التي تعاد بها صياغة القيمة والمكانة والمستقبل في المجتمع؟!

دراسة هذه الظاهرة تتطلب الوقوف على الحقائق الاجتماعية قبل الإجراءات القانونية. فالتوريث لا يبدأ عند لجان التعيين، ولا يصنع داخل القرارات الإدارية بل يتشكل في (الوعي الجمعي) قبل أن يتجسد في نص أو وظيفة، حيث تحمل بعض المواقع بمعانٍ تتجاوز طبيعتها القانونية فتتحول إلى رمز للأمان ووعاء للطمأنينة وملاذ اجتماعي، لا مجرد وظيفة عامة. ولا سيما حين يختل ميزان التقدير داخل المجتمع فينظر إلى العمل ليس من حيث قيمته الموضوعية، وإنما من حيث قربه من السلطة أو درجته في السلم الوظيفي. في هذه الحالة يصبح الاختيار ليس تعبيرا عن القدرة والكفاءة، وإنما عن الرغبة في الامتثال لأمان اجتماعي، ويغدو السؤال الفعلي: أين يكون الفرد في مأمن لا ماذا يستطيع أن ينجز؟!
ويتحول التوريث حينئذ من فعل مستنكر إلى ممارسة مفهومة اجتماعيا، حتى وإن بقيت مرفوضة أخلاقيا!!

فالآباء لا يورثون المناصب بقدر ما يورثون شعور الأمان ولا ينقلون الوظيفة ذاتها بل ينقلون ((الرمزية الاجتماعية)) المرتبطة بها والحماية التي يعتقدون أنها ضرورة لحياة الأبناء. وأخطر ما يترتب على ذلك ليس فقط تقييد العدالة الفردية بل خلق حالة من (الانغلاق المؤسسي) حيث تعيد المؤسسة إنتاج نفسها من داخلها وتفضل الألفة على التنوع والاستمرار على المراجعةوالمألوف على المختلف. وفي هذا الانغلاق تتآكل الحيوية وتضعف القدرة على النقد الذاتي وتتحول القواعد من أدوات تنظيمية إلى أعراف موروثة لا تسائل ولا تراجع.

والمؤسسة المنغلقة، مهما بدت قوية على الورق، تفقد تدريجيا قدرتها على التجدد والتفاعل مع المجتمع. فهي لا تعود ترى فيه مصدرا للشرعية، ولا يعود المجتمع يراها أداة عامة بل كيانا خاصا، له لغته وأبناؤه وقواعده. وهنا يقع الانفصال الأشد خطورة: انفصال (معنوي صامت) يضعف الثقة ويعوق التجدد. وقد يظن أن الحل يكمن في تشديد القواعد أو إحكام الرقابةأو فرض ضوابط إدارية أكثر صرامةغير أن هذه الوسائل مهما بلغت تبقى سطحية ما لم تتزامن مع إعادة بناء الوعي الجمعي. فالقانون وحده لا يغير سلوكا يستمد مبرره من (ثقافة اجتماعية) ترى بعض الوظائف أعلى قيمة من غيرها وبعض الأدوار أقل تأثيرا ولو كانت جميعها حيوية لقيام الدولة.

ومن هنا فإن المعالجة الحقيقية (للتوريث) تبدأ بإعادة تعريف القيمة الاجتماعية (للعمل) ذاته. فالمجتمعات المتقدمة لم تصل إلى ما وصلت إليه لأنها قدست المناصب بل لأنها أرست قناعة متجذرة: الإنسان يستمد قوته واعتباره من إتقانه لعمله أيا كان هذا العمل لا من اسمه الوظيفي أو درجته الإدارية. في تلك المجتمعات ينظر إلى العامل كما ينظر إلى الوزيرلا من حيث الرتبة بل من حيث القيمة الاجتماعية والإنسانية لما يؤديه. فكلاهما يؤدي دورا مكملا داخل منظومة واحدة وكلاهما يقاس بإتقانه وكلاهما يحترم بقدر ما ينجز. ولا ينظر إلى البقاء في وظيفة ما، مهما بدت بسيطة بوصفه دونية بل بوصفه اختيارا مشروعا داخل فريق عمل متكامل.

وهذا الفهم يولد ثقافة العمل الجماعي الحقيقية (teamwork) حيث يعمل الجميع من أجل هدف واحد: خدمة الوطن وحماية المجتمع وبناء الدولة. لا درجات في الكرامة ولا تراتبية في القيمة، وإنما اختلاف في الأدوار داخل منظومة واحدة يكمل فيها كل عنصر الآخر. ولا يعني ذلك إنكار التفاوت الطبيعي بين البشر، فالله سبحانه وتعالى خلق الناس درجات والقدرات متباينة. غير أن التفاوت المشروع هو تفاوت في المسؤوليات والأدوار، لا في الكرامة والقيمة الإنسانية. أما حين يحمل الموقع ما لا يحتمل، وتفرغ بعض الأعمال من معناها ننتقل من التنوع المشروع إلى التمييز الاجتماعي ومن التنظيم إلى خلل مؤسسي.

وحين يستقر في الوعي الجمعي أن كل مهنة شريفة ضرورة اجتماعية، وأن كل من يؤدي عمله بإتقان هو شريك أصيل في بناء الوطن، وحين يشعر المواطن أن مكانته محفوظة بعمله لا بموقعه تسقط فكرة التوريث تلقائيا، لأنها تفقد المبرر النفسي والاجتماعي قبل أن تفقد الشرعي. وتلك هي الحقيقة التي لا مراء فيها: المجتمعات لا تتقدم بتقديس المواقع، بل بإعلاء قيمة العمل ولا تحصن مؤسساتها بالتوريث بل بالثقة والانفتاح والكفاءة ولا تبنى الدول بتراتبية الكرامة، بل بوحدة الهدف. فحين نرى أنفسنا فريقًا واحدًا، يعمل كل فرد فيه من موقعه بإتقان وإخلاص تصبح الدولة حقيقية، والتوريث بلا وظيفة، والوطن هو الضمان الحقيقي للجميع. والله من وراء القصد.

زر الذهاب إلى الأعلى