
تأصيل الحصانة القضائية لأعضاء النيابة الإدارية
المستشار الدكتور إسلام إحسان ـ نائب رئيس هيئة النيابة الإدارية
حيث إن المادة ( ١٩٧ ) من الدستور المصري الصادر عام ٢٠١٤ نصت على أن ” النيابة الإدارية هيئة قضائية مستقلة ، تتولى التحقيق فى المخالفات الإدارية والمالية، وكذا التى تحال إليها ويكون لها بالنسبة لهذه المخالفات السلطات المقررة لجهة الإدارة فى توقيع الجزاءات التأديبية، ويكون الطعن فى قراراتها أمام المحكمة التأديبية المختصة بمجلس الدولة، كما تتولى تحريك ومباشرة الدعاوى والطعون التأديبية أمام محاكم مجلس الدولة، وذلك كله وفقًا لما ينظمه القانون .
ويحدد القانون اختصاصاتها الأخرى، ويكون لأعضائها الضمانات والحقوق والواجبات المقررة لأعضاء السلطة القضائية. وينظم القانون مساءلتهم تأديبيًا.ً
و نصت المادة ( ٢٢٤ ) من الدستور على أن ” كل ما قررته القوانين واللوائح من أحكام قبل صدور الدستور، يبقى نافذًا، و لا يجوز تعديلها، و لا إلغاؤها إلا وفقًا للقواعد، والإجراءات المقررة فى الدستور.
وتلتزم الدولة بإصدار القوانين المنفذة لأحكام هذا الدستور. ”
و حيث إنه من المستقر قانوناً و قضاءً و فقهاً و إفتاءً انه متى كان النص التشريعي واضحاً جلى المعنى قاطع الدلالة على المراد منه فلا يجوز الخروج عليه أو تأويله لأن ذلك لا يكون إلا عند غموض النص أو وجود لبس فيه ، و ان تفسير النصوص القانونية يكون بوجوب مراعاة التناسق فيما بينهما و ذلك بعدم تفسير النص بمعزل عن النصوص الآخرى .
ومن المقرر كذلك ان تطبيق القانون على وجهه الصحيح ، لا يحتاج إلى طلب من الخصوم ، انما هو التزام على القاضي باستظهار الحكم القانوني الصحيح المنطبق على الواقعة المطروحة عليه وإنزاله عليها أياً كان النص الذى استند إليه الخصوم في تأييد طلباتهم أو دفاعهم أو دفوعهم فيها.
ومن هذا المنطلق فإن القاضي يلتزم عند تطبيق النصوص القانونية على واقعات الدعوى المطروحة عليه ان يكون ذلك فى اطار القواعد الدستورية و التشريعية الحاكمة و من على رأسها ان يكون النص القانونى غير مخالف لأحكام الدستور ، فإذا رانت عليه شبهة مخالفة الدستور يجب احالته الى المحكمة الدستورية العليا لإستجلاء وجه دستوريته من عدمه و من ثم عدم تطبيقه حتى يبرأ من تلك الشبهة ، أو يقضى بعدم دستوريته فيزول من الوجود القانونى .
و حيث إنه بإنزال ما تقدم على الموضوع محل هذا البحث ، فإنه يبين بجلاء ان الدستور افرد المادة ( ١٩٧ ) منه لتنظيم عمل النيابة الادارية و بيان المركز القانونى لأعضائها ، ناصاً على ان يتمتع اعضاء النيابة الإدارية بالضمانات والحقوق والواجبات المقررة لأعضاء السلطة القضائية .
وحيث ان الضمانات المقررة لأعضاء السلطة القضائية تتمثل فى ضمانتي عدم جواز اتخاذ الإجراءات الجنائية بحقهم الا بعد الحصول على إذن بذلك من المجلس المختص بنظر شئونهم الوظيفية ايا كان مسماه ( المجلس الأعلى – المجلس الخاص ) و ذلك فى غير أحوال التلبس بالجريمة ، و كذلك ضمانة عدم القابلية للعزل بغير الطريق التأديبي ، فإنه و نزولا على صريح نص المادة ( ١٩٧ ) من الدستور يتمتع اعضاء النيابة الإدارية بهاتين الضمانتين شأنهم فى ذلك شأن اقرانهم من اعضاء السلطة القضائية .
ولا ينال من ذلك عدم تعديل المادة ( ٤٠ ) من القانون رقم ١١٧ لسنة ١٩٥٨ بعد صدور الدستور لتتفق و ما ورد بالمادة ( ١٩٧ ) المار ذكرها للأسباب الاتية :-
أولا .. تراخى المشرع فى تعديل المادة ( ٤٠ ) لا يكسبها حصانة تعصمها من عدم الدستورية ، الملازم لها منذ صدور الدستور عام ٢٠١٤ ، و هو ما يجب على القضاء استظهاره و إحالة تلك المادة الى المحكمة الدستورية العليا اعلاءُ لحكم الدستور و اعمالا لمبدأ سمو الدستور و علو نصوصه .
ثانياُ .. لما كان الاستثناء يقدر بقدره و لا يجوز التوسع فى تفسيره و تطبيقه ، فإن ما ورد بالمادة ( ٢٢٤ ) من الدستور من استمرار سريان القوانين السابقة على الدستور الى ان تعدل ، هو حكم استثنائي وقتى استنه المشرع لتجنب حدوث فراغ تشريعي فى الفترة التالية لصدور الدستور و ذلك بمنح السلطة التشريعية الوقت اللازم لتعديل القوانين المخالفة لما استحدثه الدستور من أحكام ، فلا يجب ان يحاج بذلك الاستثناء لتعديل الشرعية الدستورية، أو اتخاذه سببا لتعطيل نفاذ نص الدستور و تغليب القانون المخالف على النص الدستوري ، و التنصل مما اوجبته الفقرة الأخيرة من المادة ( ٢٢٤) من التزام الدولة بإصدار القوانين المنفذة لأحكام هذا الدستور.
و من هذا المنطلق يأتي دور القضاء بإحالة القانون المخالف للدستور إلى المحكمة الدستورية كلما عرض عليه بمناسبة دعوى قضائية ، ليأتى حكم المحكمة الدستورية كاشفاً عن العوار فى نص القانون، و تفعيل التزام الدولة بإجراء التعديل اللازم.
ثالثا .. لا نصيب من الصحة للرأى القائل بأن ما ورد بشأن الضمانات المقررة لأعضاء النيابة الإدارية فى المادة( ١٩٧) موقوف نفاذه الى حين تعديل القانون ، و ذلك لانعدام اى أساس دستورى لهذا الرأى ، اذ عمد الدستور الى تقسيم المادة ( ١٩٧) الى فقرتين ، خصص الفقرة الأولى لبيان اختصاصات النيابة الإدارية و ناصا فى ختام تلك الفقرة على أن يكون مباشرة تلك الاختصاصات على الوجه المبين في القانون، فى حين خصص الفقرة الثانية من المادة لبيان المركز القانوني لأعضاء النيابة الإدارية و لم ينص على ان يكون ذلك على الوجه المبين في القانون.
و بذلك يكون من المتيقن ان الفقرة الثانية من المادة ( ١٩٧ ) نافذة بذاتها قولا واحدا دون ارجاء الى حين صدور قانون بها .
رابعا .. لما كانت صياغة المادة. ( ١٩٧ ) مطابقة لصياغة المادة (٩١) من القانون ٤٧ / ١٩٧٢ والتى اكتفت بالنص على ان اعضاء مجلس الدولة يتمتعون بالضمانات التى يتمتع بها القضاة ، دون أي إضافة تشريعية فى القانون ٤٧ / ٧٢ المار ذكره ، و استقر القضاء على كفاية ذلك لسريان نصوص الحصانة المقررة للقضاة و أعضاء النيابة العامة على أعضاء مجلس الدولة ، فإنه يكون من باب أولى من الواجب و اللازم استصحاب ذات الحكم على اعضاء النيابة الإدارية الذين يستمرون مركزهم القانونى في هذا الشأن من الدستور ذاته .
و تكون المغايرة فى المعاملة و التفسير بين ما هو مقرر فى شأن مجلس الدولة عما هو مقرر في شأن أعضاء النيابة الإدارية تحكمية و تتسم بالتعسف و إهدار علو نصوص الدستور .
و بناء على ما سبق، نرى عدم جواز اتخاذ اية إجراءات جنائية ضد أعضاء النيابة الإدارية في غير أحوال التلبس بالجريمة ، الا بعد الحصول على إذن بذلك من المجلس الأعلى للنيابة الإدارية استناداً للفقرة الثانية من المادة. ( ١٩٧ ) من الدستور و يترتب على الإخلال بذلك انعدام إجراءات التحقيق و المحاكمة.