تأثير العرف في تقدير القصد الجنائي

 بقلم د. أشرف نجيب الدريني

من أدق المسائل التي يواجهها القانون الجنائي في تطبيقه اليومي تلك الحالات التي يقف فيها القاضي أمام متهم ارتكب فعله وهو لا يعتقد أنه يرتكب جريمة، لا هروبا من المسؤولية، بل لأن (البيئة الاجتماعية) التي نشأ فيها رسخت في وجدانه أن ما أقدم عليه سلوك مألوف لا يستوجب عقابا. وهنا يثور التساؤل الجوهري الذي يتصل بصميم (النظرية العامة للجريمة) كيف يتعامل القانون الجنائي مع هذا التباين بين ما يُجرمه النص وما يُبيحه العرف في ضمير الفاعل؟

فهل يكفي أن يقع الفعل المادي حتى نقول إن الجريمة قد تحققت؟ أم أن القانون الجنائي في حقيقته لا ينظر إلى الفعل في ذاته بقدر ما ينفذ إلى الإرادة التي وقفت خلفه؟ وماذا لو كان الفاعل قد نشأ في بيئة استقرت فيها أعراف تجعل بعض الأفعال مألوفة، بل تعد في نظر الجماعة سلوكا طبيعيا لا يثير استهجانا؟ أيبقى القصد الجنائي قائما في هذه الحالة على النحو ذاته الذي يقوم به لدى من يدرك تمام الإدراك أن فعله خروج صريح على القانون؟ وهل يمكن أن يبلغ أثر العرف حدا يتحول معه التكييف القانوني للفعل من جريمة عمدية إلى جريمة قائمة على الخطأ؟! هذه التساؤلات تمس واقع القضاء حين يقف القاضي أمام متهم لم يكن يعتقد لحظة ارتكابه فعله أنه يرتكب جريمة.

فالجريمة لا تقوم بمجرد وقوع الفعل المادي، وإنما لا بد أن ينهض إلى جانبه (ركن معنوي) يعكس الحالة النفسية للفاعل. والقانون الجنائي على خلاف سائر فروع القانون لا يحاسب الإنسان على الحركة المجردة التي تصدر عنه، وإنما يحاسبه على الإرادة التي دفعت إلى هذه الحركة. وقد استقر الفقه على أن القصد يقوم على اتحاد عنصرين لا غنى لأحدهما عن الآخر: العلم بعناصر الفعل وآثاره، والإرادة الحرة المتجهة إلى تحقيقه رغم هذا العلم. وللقصد صورتان: القصد العام الذي يتحقق بمجرد علم الجاني بفعله وإقدامه عليه مختارا، والقصد الخاص الذي يستلزم فوق ذلك توافر غاية بعينها يحددها القانون كنية التملك أو قصد الإضرار. وعلى هذا الأساس يتضح أن الفعل المادي الواحد قد تختلف قيمته القانونية اختلافا جذريا بحسب الإرادة التي صدر عنها؛ فالشخص الذي يوجه ضربة إلى آخر بقصد الاعتداء يختلف كليا في نظر القانون عن شخص دفع غيره عرضا في زحام الطريق، رغم أن الحركة الجسدية قد تبدو متقاربة. ومن هنا تمتد مهمة القاضي الجنائي من إثبات وقوع الفعل إلى استجلاء (الحالة النفسية) التي صدر عنها، وهي مهمة بالغة الدقة والخطورة في آنٍ واحد.

والذي يجعل هذه المهمة أشد تعقيدا أن الإرادة الإنسانية لا تنشأ في فراغ معزول، بل تتكون داخل بيئة اجتماعية تتداخل فيها القيم والعادات والتقاليد. فالإنسان يتعلم منذ نشأته الأولى أنماط السلوك المقبول والمرفوض من خلال محيطه، وقد ترسخ بعض الأعراف في الضمير الجمعي إلى درجة تجعلها تبدو وكأنها قواعد طبيعية تحكم العلاقات بين الناس. وفي مثل هذه البيئات قد يقع الفعل في ظل تصور اجتماعي راسخ يجعله يبدو أقل خطورة في نظر الفاعل مما هو عليه في التقييم القانوني. ففي بعض البيئات الريفية أو العائلية قد يتدخل أحد أفراد الأسرة في نزاع بين أقاربه فيمارس سلوكا عنيفا بدافع ما يراه واجبا اجتماعيا تفرضه عليه الأعراف السائدة. وفي سياق مغاير قد يلجأ شخص في مجتمع تقليدي إلى أخذ مال منقول من جار أو قريب بوصفه شكلا متعارفا عليه من أشكال المعاملة المألوفة، دون أن تنصرف إرادته إلى ما يُعد في نظر القانون سرقة. وفي كلتا الحالتين يزن القانون الجنائي السلوك بميزان الشرعية القانونية لا بميزان الاعتبارات الاجتماعية، بيد أن التباين بين ما يدركه الفاعل وما يقرره القانون يبقى واقعة إنسانية حقيقية لا يمكن تجاهلها.

ولعل أول ما يستوقف الفقيه الجنائي هنا هو قاعدة (عدم جواز الاعتذار بالجهل بالقانون) وهي قاعدة تفرضها ضرورة استقرار النظام القانوني ذاته؛ إذ لو جاز لكل متهم أن يحتج بأن أعراف بيئته أوهمته بمشروعية فعله، لأصبح تطبيق القانون أمرا بالغ الاضطراب ولانفرط عقد الحماية التي يكفلها للمجتمع. ومن ثم استقر القضاء على رفض الدفع بالجهل بالنصوص الجنائية سببا لنفي المسؤولية. غير أن الإقرار بهذا المبدأ لا يعني البتة أن يغلق القاضي عينيه عن السياق الإنساني الكامل الذي صدر عنه السلوك. فقد استقر قضاء محكمة النقض على أن القصد الجنائي أمر باطني لا يدرك بالحس الظاهر، وإنما يستخلصه القاضي من ظروف الواقعة وملابساتها جميعها. وهذا يعني أن العرف الاجتماعي، وإن عجز عن نفي المسؤولية الجنائية، قد يسهم في رسم الخلفية الإنسانية الحقيقية للواقعة بما يؤثر في تقدير القاضي لمدى توافر الإرادة الإجرامية .

ومن هذه النقطة ينبثق السؤال الأكثر إثارة للجدل في موضوعنا: هل يمكن أن يؤدي أثر العرف إلى تحول الجريمة من العمد إلى الخطأ؟! تقوم التفرقة بين الجريمتين على اتجاه الإرادة نحو النتيجة الإجرامية؛ فإذا قصد الجاني إحداث النتيجة قامت الجريمة العمدية، وإذا وقعت النتيجة بسبب إهمال أو رعونة أو سوء تقدير دون أن تتجه إليها الإرادة، كان الفعل في نطاق الخطأ غير العمدي. والذي يعنينا هنا أن إدراك الإنسان لخطورة سلوكه قد يتأثر بالتصورات الاجتماعية السائدة في بيئته؛ فقد يمارس شخص سلوكا درج عليه أبناء محيطه دون أن يتوقع ما قد يترتب عليه من نتائج وخيمة، فإذا وقعت النتيجة المأساوية وجب البحث في حقيقة قصده. وقد يكشف التمحيص الدقيق للواقعة أن الفاعل لم يكن يريد النتيجة ولم يتوقعها، وإنما اندفع في سلوكه تحت وطأة تقدير خاطئ أملته عليه بيئته. وفي هذه الحالة يكون التحول من التكييف العمدي إلى تكييف قائم على الخطأ ممكنا قانونا، لا استجابة للعرف في ذاته، بل لانتفاء عنصر توجيه الإرادة نحو النتيجة، وهو انتفاء يسهم العرف في تفسيره وإثباته أمام القضاء.

وإلى جانب ما تقدم، يثور تساؤل مكمل لا يقل أهمية: ما أثر العرف الاجتماعي على ((الباعث)) الذي دفع الفاعل إلى ارتكاب جريمته؟! والمعلوم أن الباعث في القانون الجنائي هو الدافع النفسي البعيد الذي حرك إرادة الجاني نحو الفعل، وهو يختلف عن القصد الجنائي الذي يمثل الإرادة المباشرة المتجهة إلى النتيجة. وقد استقر الفقه والقضاء على أن الباعث لا أثر له في قيام الجريمة أو انتفائها، فمن قتل بدافع الغيرة أو الانتصار للشرف يبقى قاتلا في نظر القانون، ومن سرق لإطعام أسرته جائعة لا يعفى من المسؤولية. غير أن هذا الإغفال لا يمتد إلى مرحلة تقدير العقوبة، إذ يملك القاضي في هذه المرحلة هامشا من التقدير يستطيع من خلاله أن يلتفت إلى الباعث الذي أوجده العرف في نفس الفاعل. فمن ارتكب جريمته مدفوعا ببواعث نابعة من موروث اجتماعي راسخ كالانتصار للعائلة أو صون ما يراه شرفا، قد يجد القاضي في هذا الباعث ظرفا يبرر النزول بالعقوبة أو الأخذ بالرأفة، لا تبريرا للجريمة، بل إدراكا لحجم التأثير الذي مارسه المجتمع على إرادة هذا الإنسان بعينه. وهكذا يدخل العرف من باب الباعث إلى مرحلة العقوبة بعد أن أُغلق في وجهه باب المسؤولية، ليؤدي دورا تخفيفيا لا تبريريا، مما يعبر في حقيقته عن رؤية إنسانية تميز بين العدالة الصارمة في تقرير الجريمة والعدالة المنصفة في تقدير الجزاء.

وهكذا تتضح الإجابة عن التساؤلات التي افتُتح بها هذا المقال. فالأعراف الاجتماعية لا تملك أن تنفي القصد الجنائي ولا أن تُبيح ما جرمه القانون. لكن الإنسان الذي تتشكل إرادته داخل مجتمع بعينه يحمل معه إلى لحظة الفعل كل ما رسخته فيه تلك البيئة من قيم وتصورات، وهذا الواقع الإنساني لا يستطيع القاضي العادل أن يتجاهله حين يسعى إلى استجلاء الحالة النفسية الحقيقية للفاعل. فالقانون الجنائي رغم صرامة قواعده، يطبق على بشر لا على أنماط مجردة، ومن ثم تظل مهمة العدالة الجنائية قائمة على تحقيق التوازن الدقيق بين احترام النص القانوني وفهم الطبيعة الإنسانية التي تتشكل في ظل الأعراف والتقاليد، بحثا عن الحقيقة الكامنة في تلك اللحظة التي تتحول فيها الإرادة من مجرد سلوك اجتماعي مألوف إلى قصد جنائي ينهض عليه بنيان الجريمة. والله من وراء القصد.

زر الذهاب إلى الأعلى