
اللغة الجنائية التقنية
مقال بقلم د أشرف نجيب الدريني
لم تعد اللغة في القانون الجنائي مسألة شكل أو أسلوب بل باتت في ذاتها كاشفا صريحا عن رؤية المشرع، وحدود تدخل الدولة وطبيعة الإنسان الذي يفترض القانون مخاطبته. وحين تتقاطع هذه اللغة مع التقنية لا يعود السؤال مقتصرا على وصف وسيلة جديدة للجريمة، بل يمتد إلى جوهر الفعل الإجرامي ذاته. هل تغير الفعل أم تغيرت اللغة التي نصفه بها؟ وهل اختلاف المصطلحات بين «الإلكترونية» و«المعلوماتية» و«المؤتمتة» و«الخوارزمية» و«الذكاء الاصطناعي» اختلاف في الألفاظ، أم اختلاف في التصور الجنائي ومناط المسؤولية؟!
عند الحديث عن «الإلكترونية»، فإننا نكون- في الغالب- أمام وصف يتعلق بالوسيط لا بالفعل في جوهره. فالجريمة الإلكترونية لا تعني بالضرورة جريمة جديدة وإنما فعلا تقليديا جرى ارتكابه أو تسهيله عبر نظام إلكتروني أو شبكة رقمية. الاحتيال يظل احتيالا وانتهاك الخصوصية يظل كذلك غير أن الوسيط الإلكتروني هو الذي أعاد تشكيل الفعل من حيث السرعة والانتشار واتساع الأثر. هذا الفهم يفسر اتجاه المشرّع الفرنسي إلى استخدام توصيف électronique عند تنظيم جرائم ترتبط بوسائل الاتصال أو المعالجة الآلية للبيانات دون أن يجعل «المعلوماتية» عنوانا عاما للتجريم. التركيز هنا ينصب على الأداة، لا على المعرفة في ذاتها، وعلى الوسيلة، لا على مضمونها.
أما «المعلوماتية»فالأمر يختلف جذريا. نحن هنا أمام لغة جنائية تتعامل مع المعلومة بوصفها قيمة مستقلة،لها وزنها وخطورتها، وتستحق الحماية لذاتها. الجريمة المعلوماتية لا تُقاس فقط باستخدام وسيط إلكتروني بل تستهدف المساس بالبيانات من حيث جمعها أو تحليلها أو تخزينها أو استغلالها خارج الإطار المشروع. اختراق قاعدة بيانات طبية، على سبيل المثال، لا يمكن فهمه مجرد استخدام غير مشروع لنظام إلكتروني، بل هو اعتداء مباشر على مضمون معلوماتي شديد الحساسية تتصل به حقوق أساسية في الخصوصية والكرامة الإنسانية. هنا يصبح القصد الجنائي مرتبطا بالوعي بقيمة المعلومة وآثار العبث بها لا بمجرد الضغط على زر أو الدخول إلى نظام.
ومن هذا التمييز تنتقل الإشكالية إلى مستوى آخر مع الأنظمة المؤتمتة. فالأتمتة تعني التنفيذ لا الاختيار. النظام المؤتمت يعمل وفق قواعد محددة سلفا، دون تقدير أو مفاضلة أو وعي بالنتائج. فإذا أخطأ، فإن الخطأ لا يفهم إلا برده إلى مرحلة سابقة: تصميم غير دقيق، برمجة معيبة، أو رقابة غائبة. في التطبيقات العملية، كما في أنظمة توقيع الغرامات أو الجزاءات الإدارية المؤتمتة، لا تنسب المسؤولية إلى النظام ذاته، وإنما إلى من أنشأ القاعدة أو سمح باستمرار العمل بها رغم علمه بعيوبها.
الخوارزمية، على النقيض، تفتح بابا أكثر تعقيدا. فهي لا تكتفي بالتنفيذ، بل تقوم على منطق حسابي يسمح بالمفاضلة واتخاذ القرار، وقد تتغير نتائجها بمرور الوقت تبعا للبيانات التي تتغذى عليها. هنا يظهر التحدي الجنائي الحقيقي: نحن لسنا أمام أداة صمّاء، ولا أمام فاعل إنساني مكتمل، وإنما أمام منطقة وسطى تتطلب حذرا شديدا في الإسناد. ولهذا اتجه الفقه المقارن، خاصة في بريطانيا وإيطاليا، إلى التمسك بإسناد المسؤولية الجنائية إلى الإنسان القائم خلف النظام، سواء كان مبرمجا أو مشغلا أو جهة مالكة، مع رفض إضفاء صفة الفاعل الجنائي على الكيان الخوارزمي ذاته.
وتبلغ هذه الإشكالية ذروتها مع أنظمة الذكاء الاصطناعي بتعدد صورها بين نظم محدودة الوظيفة وأنظمة تعلم آلي ونماذج توليدية تنتج محتوى جديدا. ورغم هذا التطور تظل القاعدة الجنائية مستقرة: لا مسؤولية جنائية بلا إرادة بشرية قابلة للمساءلة. الذكاء الاصطناعي، مهما بلغت درجة تعقيده، لا يملك وعيا أخلاقيا ولا إدراكا قانونيا، ومن ثم لا يمكن أن يكون فاعلا بالمعنى الجنائي، وإنما أداة متقدمة تثار بشأنها مسؤوليات بشرية متعددة بحسب الدور والموقع.
وتكمن خطورة المرحلة الراهنة في الخلط بين هذه اللغات، أو استخدام مصطلحات تقنية متجاورة دون وعي بفروقها الجنائية. فالوصف «الإلكتروني» لا يؤدي الوظيفة ذاتها التي يؤديها الوصف «الخوارزمي» واستعمال «المؤتمت» يختلف في آثاره عن «الذكي». وكل انزلاق لغوي غير محسوب قد يفتح بابا لاضطراب في الإسناد، أو لتوسيع غير مبرر في دائرة التجريم.
نافلة القول، أن اللغة الجنائية التقنية ليست زينة اصطلاحية، بل أداة ضبط وحماية. وكلما كانت هذه اللغة منضبطة، ظل القانون الجنائي أقرب إلى وظيفته الأصلية: حماية الإنسان لا الانبهار بالآلة.فالقانون، مهما تطورت وسائل الجريمة، يظل خطابا موجها إلى البشر وروحه لا تستمد من دقة الخوارزميات بل من عدالة القيم التي تحكمها. والله من وراء القصد.