
الدور الأمني للقضاء الجنائي.. حماية الشهود
مقال للدكتور أحمد عبد الظاهر- أستاذ القانون الجنائي بجامعة القاهرة
في بداية الألفية الثالثة، وأثناء إحدى جلسات محاكمة الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، استمتعت هيئة المحكمة إلى إحدى شاهدات النفي، والتي كانت تعمل في جهاز المخابرات العامة العراقية، وكانت تؤدي الشهادة من وراء ستار، وبعد تغيير صوتها حتى لا يتعرف عليها أحد، فتصبح عرضة للخطر والاعتداء عليها. وقبل أن تؤدي شهادتها، استفسر منها القاضي رؤوف رشيد عبد الرحمن عن جنسها، مبرراً ذلك بأن الاسم المدون هو اسم يصلح أن يكون ذكراً أو أنثى. وهنا قالت له الشاهدة مستنكرة: شكراً سيادة القاضي.. لأنك بهذا السؤال قد أرشدت الناس وأفصحت لهم عن شخصيتي، لأنه لا يوجد العديد من الأشخاص داخل جهاز المخابرات العامة ممن يحملون اسماً ذو دلالة مزدوجة، بحيث يمكن أن يكون اسماً مذكراً أو اسم أنثى. والواقع أن هذه كانت هي الواقعة الأولى التي لفتت انتباهي إلى أهمية حماية الشهود في المحاكمات الجنائية.
وفي مصر، ومع نجاح ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011م في إزاحة نظام الرئيس الأسبق «محمد حسني مبارك»، شهدت البلاد فصول محاكمات العديد من رموز هذا النظام في عدد غير قليل من قضايا الفساد. وترتيباً على ذلك، تواتر الحديث عن ضرورة توفير نوع من الحماية للشهود في قضايا الفساد، الأمر الذي استدعى قيام مجلس الشورى إبان حكم جماعة الإخوان مشروع قانون حماية الشهود. وزعم أحد قيادات الجماعة المحظورة أن مشروع القانون يوفر حالة الأمان لكل من يبلغ عن حالات الفساد وكل من يشهد بحق في قضايا النهب والسرقة والاستيلاء على المال العام، ويضع كل من يبلغ أو يشهد في حماية الدولة ومؤسساتها (راجع: د. محمد جمال حشمت، حماية الشهود بوابة العدالة، جريدة الأهرام، قضايا وآراء، السنة 137، العدد 46174، الأربعاء 28 جمادى الآخرة 1434هـ الموافق 8 مايو 2013م). ومع ذلك، شاءت إرادة الله عز وجل أن تقوم ثورة الثلاثين من يونيو 2013م ضد حكم جماعة الإخوان الإرهابية، الأمر الذي استتبع عدم خروج مشروع القانون للنور، وبقي حبيس الأدراج. ويتكون مشروع القانون المشار إليه من عشر مواد، ويحمل عنوان «حماية الشهود والمبلغين والخبراء»، وتم عرضه آنذاك للحوار المجتمعي على الموقع الالكتروني الآتي: (https://sites.google.com/site/mojconsultations).
وفي يوم الأحد الرابع عشر من محرم 1435هـ الموافق الثامن عشر من نوفمبر 2013م، أطلق مجهولون ملثمون النار من أسلحتهم الآلية على المقدم «محمد مبروك» الضابط بجهاز الأمن الوطني ومسئول ملف الإخوان بالجهاز، وذلك أثناء خروجه من منزله متوجهاً إلى مقر عمله بالقرب من تقاطع شارعي عباس العقاد وذاكر حسين بمدينة نصر. وقد استقل الجناة في ارتكاب جريمتهم سيارتين ملاكي بدون لوحات معدنية، وأطلقوا النيران على الضابط المذكور، ما أدى إلى إصابته بسبع طلقات آلية، أثناء قيادته لسيارة تابعة لوزارة الداخلية، فأردوه قتيلاً. والضابط الشهيد هو من حرر محضر التحريات في قضية التخابر المتهم فيها الرئيس المعزول محمد مرسي، وقضية هروب المسجونين من سجن وادي النطرون، ويعد الشاهد الرئيسي في القضية، الأمر الذي يثير الحديث عن ضرورة حماية الشهود. وعلى إثر هذه الجريمة، تداعت الأصوات من جديد إلى ضرورة حماية الشهود (راجع: عماد المهدي، مبروك وقانون حماية الشهود، جريدة الأهرام، قضايا وآراء، السنة 138، العدد 46377، الأربعاء 23 محرم 1435هـ الموافق 27 نوفمبر 2013م؛ جريدة الأهالي، تحقيقات، الأربعاء 27 نوفمبر 2013م، تحقيق تحت عنوان «بعد اغتيال الشهيد مبروك: حماية الشهود ضرورة عاجلة»؛ جريدة النهار، 24 ديسمبر 2013م، تحقيق صحفي تحت عنوان «مطلوب فوراً في مصر.. قانون لحماية الشهود»).
وفي شهر سبتمبر 2014م، استشهد المقدم محمد محمود أبو سريع، إثر انفجار عبوة ناسفة بمنطقة بولاق أبو العلا، بالقرب من البوابة الخلفية لوزارة الخارجية، علماً بأن المقدم أبو سريع هو الشاهد رقم 24 في قضية الهروب من سجن وداي النطرون. وقد استدعى ذلك تعالي الأصوات من جديد للمطالبة بضرورة حماية الشهود، محذرة من أنه كلما مر الوقت كلما تعرض الشهود إلى عمليات تصفية، ومتسائلة عن صاحب المصلحة في التأجيل في إصدار الأحكام وتنفيذها والسبب وراء عدم تطبيق برنامج حماية الشهود في مصر (راجع: داليا مصطفى سلامة، الحماية مطلوبة، جريدة الأهرام، آراء حرة، السنة 139، العدد 46679، الخميس غرة ذو الحجة 1435ه الموافق 25 سبتمبر 2014م).
وفي يوم الجمعة الموافق الثالث من شهر أبريل 2015م، أطلق مجهولون النار على المحامي أحمد زنون شاهد الإثبات في قضية هروب المساجين بسجن وادي النطرون المعروفة إعلامياً بقضية «الهروب الكبير»، والمتهم فيها الرئيس الأسبق محمد مرسي وعدد من قيادات الجماعة، ما أسفر عن إصابته بطلق ناري في الظهر. وكان منزل المحامي زنون قد تعرض في شهر ديسمبر 2014م لحريق هائل، نتيجة إلقاء زجاجات المولوتوف عليه من قبل إرهابيين، واتهم المجني عليه في بلاغ رسمي أعضاء جماعة الإخوان الإرهابية بإشعال النيران في منزله (راجع: جريدة الوطن، القاهرة، الثلاثاء 9 يونيو 2015م، «الاغتيال جزاء الشهادة».. مبروك وسيف وأبو سريع أشهرهم).
وإدراكاً لأهمية دور الشهود في إرساء العدالة الجنائية، وفي السابع عشر من ربيع الأول 1435ه الموافق الثامن عشر من يناير 2014م، صدر دستور جمهورية مصر العربية المعدل لعام 2014م، متضمناً النص على التزام الدولة بحماية الشهود. فوفقاً للمادة (96) الفقرة الثالثة من هذا الدستور، «توفر الدولة الحماية للمجني عليهم والشهود والمتهمين والمبلغين عند الاقتضاء وفقًا للقانون». وهكذا، يوجب المشرع الدستوري على مؤسسات الدولة استصدار قانون بشأن حماية المجني عليهم والشهود والمتهمين والمبلغين.
وبالفعل، واتساقاً مع هذا الالتزام الدستوري، وخلال شهري يناير وفبراير 2014م، تواترت الأخبار الصحفية عن موافقة مجلس الوزراء على مشروع قانون بشأن حماية الشهود والمبلغين والخبراء، والذي أعدته اللجنة التشريعية بوزارة العدل، بالتعاون مع اللجنة القومية لجمع المعلومات والأدلة وتقصي الحقائق التي واكبت ثورة 30 يونيو (يراجع: جريدة الأهرام، تحقيقات، السنة 138، العدد 46423، الأحد 11 ربيع الأول 1435هـ الموافق 12 يناير 2014م، تحقيق صحفي تحت عنوان «بعد تعديل القانون: الشهود تحت مظلة الحماية!»؛ جريدة اليوم السابع، الأربعاء 19 فبراير 2014م، خبر تحت عنوان «ننشر نص مشروع قانون حماية الشهود والمبلغين.. يهدف إلى تشجيع المبلغين عن المعلومات المتعلقة بقضايا الفساد.. التزام الدولة بحماية الشاهد وأقاربه وتعويضه حال تعرضه للاعتداء»؛ جريدة الشروق، القاهرة، الاثنين 17 مارس 2014م، خبر تحت عنوان «الشروق تنشر تفاصيل قانون حماية الشهود والمبلغين والخبراء»).
ومع ذلك، لم يكتب لمشروع قانون حماية الشهود أن يخرج إلى النور، وذلك على الرغم من اغتيال أحد الشهود في قضية استاد بورسعيد في توقيت معاصر لموافقة مجلس الوزراء عليه. ففي شهر فبراير 2014م، تم اغتيال الرائد «فادي سيف» من قوة إدارة مرور بورسعيد خلال خدمته في شارع محمد علي بعد إطلاق مجهولين النار عليه. وكان الرائد المذكور يتولى عمل مدير مكتب حكمدار بورسعيد، أثناء أحداث مذبحة بورسعيد، وأدلى بشهادته التي كانت سبباً رئيسياً في إدانة مدير الأمن أثناء الحادث اللواء عصام سمك.
وفي الثلاثين من شهر يونيو 2015م، وعلى إثر توليه حقيبة وزارة العدل، قام المستشار أحمد الزند بعرض مشروع قانون حماية المجني عليهم والشهود والمبلغين على مجلس الوزراء للموافقة عليه والسير في إصداره، ويتكون مشروع القانون المشار إليه من عشرين مادة، مسبوقة بقانون إصدار. ورغم مرور عشرة أعوام تقريباً، وتعاقب أربعة وزراء للعدل خلال هذه الفترة، ما زال مشروع القانون حبيس الأدراج لم ير النور.
وهكذا، لا يوجد في النظام القانوني المصري حتى تاريخ كتابة هذه الدراسة قانون لحماية الشهود والمبلغين والخبراء، رغم المخاطر الجسيمة التي يمكن أن يتعرض لها هؤلاء، ولاسيما في حالة الجرائم المنظمة ومنها الجرائم الإرهابية، وبالرغم من أن إصدار هذا القانون يشكل التزاماً دولياً وضرورة وطنية في آن واحد. ويمكن أن نجد بعض النصوص التي وردت في صياغة عامة، دون أن تشتمل على تدابير محددة وتنظيم تفصيلي لحماية الشاهد. ففيما يتعلق بجرائم الاتجار في البشر، تنص المادة التاسعة من القانون رقم 64 لسنة 2010م بشأن مكافحة الاتجار بالبشر على أن «يعاقب بالسجن كل من أفصح أو كشف عن هوية المجني عليه أو الشاهد بما يعرضه للخطر، أو يصيبه بالضرر، أو سهل اتصال الجناة به، أو أمده بمعلومات غير صحيحة عن حقوقه القانونية بقصد الإضرار به أو الإخلال بسلامته البدنية أو النفسية أو العقلية». وطبقا للمادة 23 الفقرة الثانية (و) من ذات القانون ذاته، «وفي جميع الأحوال، تتخذ المحكمة المختصة من الإجراءات ما يكفل توفير الحماية للمجني عليه والشهود وعدم التأثير عليهم، وما يقتضيه ذلك من عدم الإفصاح عن هويتهم، وذلك كله دون الإخلال بحق الدفاع وبمقتضيات مبدأ المواجهة بين الخصوم».
وفي المقابل، وباستقراء تجارب الدول الأجنبية والعربية في هذا الشأن، لوحظ أن العديد منها أصدرت تشريعات لحماية الضحايا والشهود والخبراء والمبلغين، كما هو الشأن في القانون المغربي رقم (37.10) في شأن حماية الضحايا والشهود من الخبراء والمبلغين، والقانون الفرنسي رقم (1062 – 2001) الصادر في 15 نوفمبر 2001 بإضافة فصل عن حماية الشهود إلى قانون الإجراءات الجنائية، والقانون البريطاني بشأن الأدلة الجنائية (الشاهد المجهل) لسنة 2008م، والقانون الكندي المعمول به اعتباراً من أول يونيو 2009 بشأن برنامج حماية الشهود. وفي دولة الإمارات العربية المتحدة، صدر القانون الاتحادي رقم (14) لسنة 2020 بشأن حماية الشهود ومن في حكمهم.
والواقع أن حماية الشهود والمبلغين يشكل التزاماً دولياً وضرورة وطنية في آن واحد، ومصادر الالتزام الدولي بحماية الشهود متعددة؛ فمن ناحية أولى، وبموجب قرار رئيس الجمهورية رقم 294 لسنة 2003 بشأن الموافقة على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية، أصبحت مصر ملتزمة بأحكام الاتفاقية واتخاذ التدابير التشريعية والإدارية اللازمة لتنفيذ هذا الالتزام. وطبقاً للمادة الرابعة والعشرين من الاتفاقية، ينبغي على كل دولة طرف أن تتخذ تدابير ملائمة في حدود إمكانياتها لتوفير حماية فعالة للشهود الذين يدلون في الإجراءات الجنائية بشهادة بخصوص الجرائم المشمولة بهذه الاتفاقية، وكذلك لأقاربهم وسائر الأشخاص الوثيقي الصلة بهم، حسب الاقتضاء، من أي انتقام أو ترهيب محتمل. ولتوفير هذه الحماية، ينبغي على الدولة الطرف وضع قواعد إجرائية لكفالة الحماية الجسدية لأولئك الأشخاص، كالقيام مثلاً، بالقدر اللازم والممكن عمليًا، بتغيير أماكن إقامتهم، والسماح عند الاقتضاء بعدم إفشاء المعلومات المتعلقة بهويتهم وأماكن وجودهم أو بفرض قيود على إفشائها. كذلك، ينبغي على الدولة الطرف توفير قواعد خاصة بالأدلة تتيح الإدلاء بالشهادة على نحو يكفل سلامة الشاهد، كالسماح مثلاً بالإدلاء بالشهادة باستخدام تكنولوجيا الاتصالات، ومنها مثلاً وصلات الفيديو أو غيرها من الوسائل الملائمة. ويتعين على الدول الأطراف أن تنظر في إبرام اتفاقات أو ترتيبات مع دول أخرى بشأن تغيير أماكن إقامة الأشخاص المذكورين في الفقرة (1) من هذه المادة. وتنطبق أحكام هذه المادة كذلك على الضحايا من حيث كونهم شهوداً. وطبقاً للمادة 25 من الاتفاقية ذاتها، وتحت عنوان «مساعدة الضحايا وحمايتهم»، «1. تتخذ كل دولة طرف تدابير ملائمة في حدود إمكانياتها لتوفير المساعدة والحماية لضحايا الجرائم المشمولة بهذه الاتفاقية، خصوصًا في حالات تعرضهم للتهديد بالانتقام أو للترهيب. 2) تضع كل دولة طرف قواعد إجرائية ملائمة توفر لضحايا الجرائم المشمولة بهذه الاتفاقية سبل الحصول على التعويض وجبر الأضرار. 3) تتيح كل دولة طرف، رهنًا بقانونها الداخلي، إمكانية عرض آراء الضحايا وشواغلهم وأخذها بعين الاعتبار في المراحل المناسبة من الإجراءات الجنائية المتخذة بحق الجناة، على نحو لا يمس بحقوق الدفاع».
ومن ناحية أخرى، وبموجب قرار رئيس الجمهورية رقم 307 لسنة 2004 بشأن انضمام حكومة جمهورية مصر العربية لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، أصبحت مصر إحدى الدول الملزمة بأحكامها. وقد أكدت المادة الثانية والثلاثون البند الأول من الاتفاقية على مبدأ حماية الشهود والخبراء والضحايا، بنصها على التزام كل دولة طرف باتخاذ تدابير مناسبة، وفقاً لنظامها القانوني الداخلي، وضمن حدود إمكانياتها، لتوفير حماية فعالة للشهود الذين يدلون بشهادة تتعلق بأفعال مجرمة وفقاً لهذه الاتفاقية، وكذلك لأقاربهم ونظائر الأشخاص وثيقي الصلة بهم عند الاقتضاء من أي انتقام أو ترهيب محتمل. ويحدد البند الثاني من المادة ذاتها بعض التدابير المتوخاة لتوفير حماية فاعلة للشهود، دون مساس بحقوق المتهمين، ولاسيما حقهم في محاكمة حسب الأصول. وتحت عنوان «حماية المبلغين»، تنص المادة 33 من الاتفاقية ذاتها على أن «تنظر كل دولة طرف في أن تُدخل في صلب نظامها القانوني الداخلي تدابير مناسبة لتوفير الحماية من أي معاملة لا مسوغ لها لأي شخص يقوم، بحسن نية ولأسباب وجيهة، بإبلاغ السلطات المختصة بأي وقائع تتعلق بأفعال مجرمة وفقاً لهذه الاتفاقية».
وبالتمعن في نصوص الاتفاقيات الدولية سالفة الذكر، يبدو جلياً أن الخطاب الوارد بها موجه إلى سلطات كل دولة طرف بأن تدخل في صلب نظامها القانوني الداخلي تدابير مناسبة لتوفير الحماية من أي معاملة لا مسوغ لها لأي شخص يقوم، بحسن نية ولأسباب وجيهة، بإبلاغ السلطات المختصة بأي وقائع تتعلق بأفعال مجرمة وفقاً للاتفاقية، وكذا باتخاذ تدابير مناسبة، وفقاً لنظامها القانوني الداخلي، وضمن حدود إمكانياتها، لتوفير حماية فعالة للشهود الذين يدلون بشهادة تتعلق بأفعال مجرمة وفقاً للاتفاقية، وكذلك لأقاربهم ونظائر الأشخاص وثيقي الصلة بهم عند الاقتضاء من أي انتقام أو ترهيب محتمل. ومع ذلك، وإزاء خلو المنظومة القانونية المصرية من قانون متعلق بحماية الشهود، فإن التساؤل يثور عما إذا كانت بعض النصوص الواردة في الاتفاقيات سالفة الذكر قابلة للتطبيق بذاتها. ويثور التساؤل بوجه خاص عن حكم البند الثاني من المادة الثانية والثلاثين من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد والبند الثاني من المادة الرابعة والعشرين من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية، بنصهما على أمثلة لبعض التدابير المتوخاة، وهي:
– القيام بالقدر اللازم والممكن عملياً بتغيير أماكن إقامتهم.
– السماح عند الاقتضاء بعدم إفشاء المعلومات المتعلقة بهويتهم وأماكن وجودهم أو بفرض قيود على إفشائها.
– السماح بالإدلاء بالشهادة استخدام تكنولوجيا الاتصالات، كما هو الشأن بالنسبة لوصلات الفيديو أو غيرها من الوسائل الملائمة.
وفي اعتقادنا أن التدابير سالفة الذكر قابلة للتطبيق بذاتها، دون توقف على تدخل المشرع الوطني. ولكن، يبقى أن هذه التدابير قد وردت على سبيل المثال لا الحصر، ولذلك يبقى الالتزام قائماً على المشرع الوطني بالتدخل من خلال قانون يكفل وضع نصوص الاتفاقيات الدولية موضع التطبيق.
وللوقوف على صور الدور الذي يمكن أن يقوم به القضاء الجنائي في حماية الشهود، ومن خلال استقراء خطة التشريعات المقارنة في هذا الشأن، نرى من الملائم تناول أبرز التدابير المقررة في التشريعات المقارنة بشأن حماية الشهود، وهي:
القبول في برنامج الحماية
تحت عنوان «إجراءات القبول في برنامج الحماية»، وطبقاً للمادة التاسعة من القانون الاتحادي لدولة الإمارات العربية المتحدة رقم (14) لسنة 2020 بشأن حماية الشهود ومن في حكمهم، «1. يُرفع طلب الالتحاق في برنامج الحماية من السلطة المختصة أو الجهة القضائية إلى المحكمة المختصة، وتحدد اللائحة التنفيذية لهذا القانون المستندات المرفقة بالطلب. 2. تبحث المحكمة المختصة الطلب المقدم إليها وفق المعايير المنصوص عليها في المادة (8) من هذا القانون. 3. تُصدر المحكمة المختصة قراراً بالطلب المقدم إليها خلال مدة لا تجاوز (15) خمسة عشر يوم عمل من تاريخ عرض الطلب عليها، ويكون قرارها الصادر في هذا الشأن نهائياً وغير قابل للطعن عليه بأي طريق من طرق الطعن». وتحدد المادة الرابعة عشرة من القانون ذاته تدابير الحماية، بنصها على أن «1. يجب أن تتناسب تدابير الحماية مع درجة الخطورة التي قد يتعرض لها المشمول بالحماية، وتشمل ما يأتي:
أ. الحماية الجسدية.
ب. تغيير محل الإقامة.
ج. تغيير مكان العمل.
د. تغيير الهوية.
ه. استخدام وسائل تقنية للاتصال عن بعد.
و. أية تدابير أخرى توافق عليها المحكمة المختصة وتكون لازمة لضمان سلامة المشمول بالحماية».
إخفاء عنوان الشاهد
تنص المادة 706– 57 من قانون الإجراءات الجنائية الفرنسي، معدلة بموجب القانون رقم 1062 لسنة 2001 بشأن الأمن اليومي، على أن «الأشخاص الذين لا يوجد ضدهم أي دليل يحمل على الاعتقاد بأنهم ارتكبوا أو حاولوا ارتكاب جريمة، وتتوافر لديهم معلومات مهمة لإثبات الجريمة، يمكن – بناء على تصريح من وكيل الجمهورية أو قاضي التحقيق – أن يعلن عنوان قسم الشرطة كموطن له. وفي هذه الحالة، يتم تدوين العنوان الحقيقي للشخص في سجل منفصل وموقع عليه، يتم فتحه لهذا الغرض».
آلية مناقشة الشاهد المشمول بالحماية
طبقاً للمادة الخامسة عشرة من القانون الاتحادي رقم (14) لسنة 2020 بشأن حماية الشهود ومن في حكمهم، وتحت عنوان «التزامات الجهة القضائية»، «على الجهة القضائية عند مثول المشمول بالحماية أمامها، عدم اتخاذ أي إجراء يؤثر على تدابير الحماية، أو تَعريض الشاهد أو من في حكمه للخطر، ومنها:
- 1. رفض الأسئلة المقدمة من المتهم أو محاميه التي من شأنها الكشف عن هويته.
- عدم مواجهة المشمول بالحماية مع أي شاهد أو متهم في أي دعوى أخرى».
آلية إعلان المشمول بالحماية
تحت عنوان «إعلان المشمول بالحماية بالأوراق القضائية»، وطبقاً للمادة السادسة عشرة من القانون الاتحادي رقم (14) لسنة 2020 بشأن حماية الشهود ومن في حكمهم، «مع مراعاة أحكام الإعلان بالحضور في القانون الاتحادي رقم (35) لسنة 1992 المشار إليه، يكون إعلان المشمول بالحماية بالحضور أمام الجهة القضائية عن طريق وحدة الحماية».
الشهادة المجهلة وتدابير الحماية أمام الجهة القضائية
تنص المادة 706– 58 من قانون الإجراءات الجنائية الفرنسي، معدلة بموجب القانون رقم 1062 لسنة 2001 بشأن الأمن اليومي، على أنه «في حالة تعلق الإجراءات بجناية أو جنحة معاقبا عليها بالحبس لمدة خمس سنوات على الأقل، وكان سماع الشخص المشار إليه في المادة السابقة من شأنه أن يعرض حياته أو سلامته للخطر، أو يعرض للخطر بعض أفراد أسرته أو أقاربه، يجوز لوكيل الجمهورية أو قاضي التحقيق أن يقدم طلبا مسببا إلى قاضي الحريات والحبس، ويملك الأخير – بقرار مسبب – التصريح لذلك الشخص بالإدلاء بشهادته دون أن تظهر شخصيته في أوراق الدعوى. ويكون القرار الصادر من قاضي الحريات والحبس نهائيا لا يمكن الطعن فيه، وذلك مع مراعاة الأحكام الواردة في الفقرة الثانية من المادة 706 – 60. ويستطيع قاضي الحريات والحبس أن يسمع شهادة الشخص بنفسه. وفي حالة صدور قرار قاضي الحريات والحبس بالموافقة على عدم ظهور شخصية الشاهد، يتعين أن يرفق هذا القرار بالمحضر الذي تم فيه تدوين الشهادة، ولا يجوز أن يتضمن هذا المحضر توقيع الشاهد. وتسجل بيانات الشاهد وعنوانه في محضر آخر منفصل موقع عليه من الشاهد، ويتم حفظ هذا المحضر في ملف مستقل عن ملف القضية. كذلك يتم تدوين البيانات الشخصية للشاهد وعنوانه في سجل منفصل وموقع عليه في المحكمة الابتدائية».
وطبقاً للمادة السابعة عشرة من القانون الاتحادي رقم (14) لسنة 2020 بشأن حماية الشهود ومن في حكمهم، وتحت عنوان «تدابير الحماية أمام الجهة القضائية»، «يجوز للجهة القضائية، عند مثول المشمول بالحماية أمامها، اختيار أي تدبير من تدابير الحماية الآتية:
- 1. عدم ظهور المشمول بالحماية للعلن.
- 2. الاستماع لشهادة المشمول بالحماية من وراء ساتر.
- 3. تغيير صوت المشمول بالحماية.
- 4. تقديم الأسئلة التي يرغب أطراف الدعوى في توجيهها للمشمول بالحماية مكتوبة كلما أمكن.
- 5. الاستماع للشهادة بالوسائل الإلكترونية المناسبة.
- 6. استخدام تقنية الاتصال عن بعد.
- عقد الجلسة بشكل سري.
- 8. أية تدابير أخرى تحددها الجهة القضائية أو تنص عليها في اللائحة التنفيذية لهذا القانون».
إنهاء برنامج الحماية
طبقاً للمادة الثامنة عشرة من القانون الاتحادي رقم (14) لسنة 2020 بشأن حماية الشهود ومن في حكمهم، وتحت عنوان «إنهاء برنامج الحماية»، «للسلطة المختصة أن تطلب من المحكمة المختصة استبعاد المشمول بالحماية من برنامج الحماية في أي من الحالات الآتية:
- 1. رفضه مواصلة برنامج الحماية كتابةً.
- 2. انتهاء الحاجة إلى توفير الحماية له.
- 3. عدم تقيده بأحكام وشروط برنامج الحماية.
- 4. انتهاكه لشروط وثيقة الحماية.
- إدلائه عمداً بمعلومات خاطئة أو مضللة للجهة القضائية أو السلطة المختصة.
- 6. ارتكابه لسلوك يعرض سلامة البرنامج للخطر.
- 7. عدم امتثاله لأي من طلبات أو تعليمات وحدة الحماية.
- 8. ارتكابه لجريمة جزائية، وفقاً لما تحدده اللائحة التنفيذية لهذا القانون.
- 9. عدم الامتثال لقرارات الجهة القضائية.
وتصدر المحكمة المختصة قراراً بقبول أو رفض الطلب المقدم إليها، ويكون قراراً نهائياً غير قابل للطعن».
وعلى هذا النحو، يبدو جلياً أن القضاء الجنائي يمكن أن يسهم بدور فعال في حماية الشهود، وعدم تعريضهم لخطر الاعتداء والانتقام من المجرمين الخطرين. والدعوة واجبة إلى الجهات القائمة على التشريع في مصر بالعمل على إعداد قانون متكامل لحماية الشهود، استجابة للضرورة الوطنية الداعية إلى ذلك، وتنفيذاً للالتزامات المقررة بموجب الاتفاقيات الدولية المصادق عليها بواسطة الدولة، وأسوة بالعديد من التشريعات الأجنبية في هذا الشأن.