الحقيقة القضائية

مقال بقلم د. أشرف نجيب الدريني

هل يتعين على المحكمة أن تقول الحقيقة؟ وأي حقيقة تلك التي يطالب بها القاضي وهو يجلس بين نص جامد وواقع متحرك؟! أهي الحقيقة التي وقعت فعلا في (الخارج) أم الحقيقة التي أمكن (ضبطها) في الأوراق وإخضاعها لقواعد الإثبات، وتسبيبها في حكم؟! ثم، هل العدالة الجنائية معنية بالحقيقة بوصفها قيمة مطلقة أم بالحقيقة التي لا تهدد الشرعية ولا تقوض الضمانات؟وهل يمكن أصلا تصور عدالة جنائية بلا حقيقة أو حقيقة بلا عدالة؟!

لا غرو أن يظل مفهوم الحقيقة من أعقد المفاهيم التي واجهها الفكر الجنائي، إذ إن الحقيقة في هذا المجال ليست معطى واحدا، ولا حقيقة صماء، وإنما طبقات متراكبة، لكل طبقة منطقها ووظيفتها وحدودها. فالحقيقة (الواقعية) في جوهرها، هي ما حدث على النحو الذي حدث به، كاملة غير منقوصة قائمة بذاتها سابقة على القانون ولاحقة عليه في آن واحد. هي حقيقة وجودية لا تتأثر بعلم الناس بها ولا يقدح في قيامها عجز العدالة عن إدراكها أو قصور وسائل الإثبات عن الإمساك بها. فأن تجهل الحقيقة (الواقعية) لا يعني أنها لم تقع، كما أن تعذر إثباتها لا ينال من وجودها في عالم الوقائع.

غير أن هذه الحقيقة الواقعية على إطلاقها وكمالها لا تصلح بذاتها أن تكون أساسا للحكم الجنائي. فالقانون لا يتعامل مع ما وقع فحسب، بل مع ما يمكن إثباته على نحوٍ مشروع. وهنا تتبدى الحقيقة (القضائية) بوصفها حقيقة مغايرة في طبيعتها لا في قيمتها حقيقة تبنى ولا تكتشف تستخلص ولا تعاين تصاغ داخل إطار الخصومة الجنائية، وتحدد بحدود ما طرح في الدعوى وما خضع للمناقشة وما استوفى شروط الدليل.

ومن ثم، فإن الحقيقة القضائية ليست مرآة صافية للواقع وإنما صورة قانونية له مشروطة بقواعد الإثبات ومقيدة بمبدأ الشرعية الإجرائية ومحكومة بضمانات الدفاع وقرينة البراءة. وهي من هذا المنظور حقيقة (نسبية) لكن نسبيتها ليست ضعفا بل ضرورة. إذ لا عدالة جنائية بلا قيود ولا شرعية بلا حدود ولا يقين مطلق في مجال يتعامل مع فعل إنساني متغير وإدراك بشري قابل للخطأ.

ولا يقدح في قيمة الحقيقة (القضائية) أنها قد لا تطابق الحقيقة (الواقعية) في جميع الأحوال إذ إن التطابق التام بينهما ليس غاية واقعية في نظام قانوني إنساني. فالقانون الجنائي لا يطلب من القاضي أن يكون شاهدا على الماضي ولا مؤرخا للوقائع بل عقلا قانونيا يعيد تركيبها بمنطق معياري.

ولهذا فإن القاضي لا يحكم بما يراه محتملا ولا بما يستشعره وجدانا وإنما بما يثبت اقتناعا وبما ينهض عليه الدليل نهوضا سائغا، وبما يقصي الشك المعقول إقصاء مسببا.

وهنا يتدخل (المنطق القضائي) لا بوصفه أداة فحسب بل باعتباره فلسفة ضمنية للحكم. فهو منطق يقوم على الترجيح لا الجزم وعلى الاحتمال الراجح لا اليقين الفلسفي وعلى التسبيب لا الادعاء. منطق يوازن بين الأدلة ولا يجمعها جمعا آليا، ويستبعد ما يشوبه الشك ولو كان قريبا من الواقع ويقدم سلامة الطريق إلى الحقيقة على سرعة الوصول إليها. ولا سيما أن العدالة الجنائية إذا ما تخلت عن منطقها، تحولت من أداة للإنصاف إلى وسيلة للإدانة.

وقد يعرف القاضي من حيث الواقع أن الحقيقة كانت على وجهٍ مغاير لما انتهى إليه الحكم غير أن هذه المعرفة – ما لم تتحول إلى دليل مشروع- تظل خارج نطاق القضاء. فالقاضي في هذا المقام محكوم بأن يقول ما يثبت لا ما يعتقد وأن يحكم بما قام عليه الدليل لا بما دار في الخاطر. وتلك ليست قسوة في القانون، بل حكمة فيه لأن القانون الذي يسمح بالحكم بالحدس يفتح الباب واسعا للهوى.

وآية ذلك أن العدالة لا تقاس بمدى اقتراب الحكم من الحقيقة الواقعية وإنما بمدى احترامه لقواعد الوصول إلى الحقيقة. فحكم يصيب الواقع عبر مسلك معيب لا يرقى إلى العدالة بينما حكم يخطئ الواقع عبر مسلك سليم يظل حكما شرعيا في ميزان القانون. إذ إن العدالة الجنائية لا تقام على النتيجة وحدها بل على المنهج الذي أفضى إليها.

ومن هذا المنطلق لا يكون الفارق بين الحقيقة الواقعية والحقيقة القضائية موضع إدانة للنظام القانوني بل دليلا على إنسانيته. فالقانون يعترف ضمنا بأنه عاجز عن امتلاك الحقيقة الكاملة لكنه في المقابل يصر على ألا يدان إنسان إلا بحقيقة يمكن الدفاع عنها وتبريرها وتسبيبها والرقابة عليها.

وهكذا نعود إلى الأسئلة التي بدأنا بها: هل تقول المحكمة الحقيقة؟ نعم، لكنها لا تقول إلا الحقيقة التي يمكن أن تقال دون أن يهتز بها بنيان العدالة. وأي حقيقة تلك؟! إنها الحقيقة (القضائية) لا باعتبارها بديلا للحقيقة (الواقعية) بل باعتبارها أقصى ما يمكن للعقل القانوني أن يبلغه دون أن يتخلى عن ضميره الإجرائي. وبين هاتين الحقيقتين يقف القضاء الجنائي شاهدا على مفارقة إنسانية: السعي الدائم إلى الحقيقةمع اليقين بأن امتلاكها الكامل يظل على الدوام خارج المتناول. والله من وراء القصد.

زر الذهاب إلى الأعلى