
الجريمة والضمير والإيمان
مقال بقلم د. أشرف نجيب الدريني
بينما كنت جالسا في السيارة أنتظر صديقا تأخر قليلا، وجدت نفسي-دون ترتيب أو قصد- بين مسجد عن يساري وكنيسة عن يميني. لم يكن المشهد عابرا، ولا مجرد صدفة مكانية، بل بدا كأنه لحظة إنسانية اختزلت سؤال السلوك والمسؤولية والاختيار في النفس البشرية. عندها تذكرت قوله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ (سورة الشمس: 7–8)، نفس مهيأة للتقوى والفجور معا، قابلة للخير والشر، وما بينهما صراع دائم يشكل لحظة الاختيار التي تسبق الفعل. وهنا، لا يخاطب الشعور وحده، بل يستدعى العقل: كيف يمكن ضبط هذه النفس؟ وأي ضابط يحول ميلها للفجور إلى سلوك صالح؟!
من الجانبين، كان الخطاب مختلفا في اللغة ومتقاربا في الجوهر دعوة واحدة إلى تهذيب النفس وكبح النزعات وتذكير الإنسان بأنه ليس مطلق الحرية، ولا منفصلا عن الحساب. وهنا يتضح أثر المعتقدات الدينية بوصفها (قيدا داخليا) يسبق القانون، ويشكل الضمير قبل أن يفرض عليه النص. ولا مناص من الإقرار بأن أي نص قانوني مهما بلغت صرامته يظل عاجزا عن ضبط الإنسان إذا غابت القدرة على الحكم الداخلي، وإذا ران على النفس شغف أو رغبة، لم يكن القانون وحده كافيا.
وتتجلى هذه الحقيقة أيضا في الإنجيل، سفر متى 16:26:
“ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه” هنا لا توجد عقوبة مادية، ولا تهديد قانوني بل استدعاء داخلي للضمير، يحاكم الاختيار قبل الفعل ويعيد تشكيل مفهوم المسؤولية قبل العقوبة. وهكذا يلتقي الدين بالقانون عند نقطة مركزية: ضبط النفس وتحقيق الامتثال قبل أي نص أو سلطة خارجية.
لقد شدد المفكر الفرنسي (إميل دوركايم) على أن القانون يعبر عن الضمير الجمعي، وأن أي نص جنائي لا يستطيع العمل بفاعلية إذا لم يجد أرضية أخلاقية ثابتة في المجتمع. كما أشار (ليون ديجي) إلى أن قبول المجتمع للنصوص القانونية هو ما يجعلها نافذة، فالجزء الظاهر من القانون لا يساوي شيئا إذا لم يواكبه التوجيه الأخلاقي الداخلي.
الجريمة إذن، لا تبدأ عند مخالفة النص، بل عند انهيار الداخل. تبدأ في اللحظة الصامتة التي يسبق فيها الفعل صراع خفي: أأقدم أم أمتنع؟ هنا لا يكون القانون حاضرا إلا بقدر ما استقر في الضمير من إيمان وقيم. وإذا ضعف المعتقد أو غاب الإحساس بالمحاسبة الأخلاقية، ران على النفس ما يجعل القانون عاجزا، مكتفيا بملاحقة الفعل بعد وقوعه.
ولا يقدح ذلك في قيمة القانون الوضعي ولا في ضرورته، بل يضعه في موقعه الصحيح. فالقانون ليس بديلا عن الإيمان، ولا عدوا له، بل شريك موضوعي في حماية المجتمع من الانحراف. ولا سيما في الجرائم المعقدة التي تتداخل فيها الدوافع الداخلية مع الظروف الاجتماعية، فإن الضمير يظل المراقب الأول، والنية الأساس الذي يبنى عليه الركن المعنوي للجريمة.
بين المسجد عن يسارك والكنيسة عن يمينك، بدا الإنسان واحدا، والنفس واحدة، والصراع واحدا. تختلف العقائد، لكن سؤال الخير والشر ثابت. يتبدل تصور الجزاء لكن فكرة الحساب تظل قائمة، سواء أكان حسابا دنيويا أم أخرويا. ومن هذا الثابت الإنساني نشأ القانون الجنائي، لا بوصفه أداة انتقام، بل باعتباره تعبيرا عن حاجة المجتمع إلى حماية قيمه الأساسية من عبث النفس حين تنفلت من قيدها.
حين حضر صديقي وتحركت السيارة غادرنا المكان لكن المشهد لم يغادرني. أدركت أن أخطر ما يواجه المجتمعات ليس ضعف النصوص ولا قصور العقوبات، بل (تآكل الضمير). وأن العدالة، في جوهرها، تبدأ من (الداخل) قبل أن تدون في التشريعات أو تنطق في الأحكام، حيث يلتقي الإيمان بالقانون التقاء ضرورة، لا ترفا فكريا ولا خيارا ثانويا.
آية ذلك أن أي محاكمة جنائية فاعلة لا تكتفي بنص العقوبة، بل تتطلب فهم الدافع النفسي وتحليل الضمير واستحضار أثر المعتقدات الدينية والثقافية في السلوك البشري. فالتوازن بين النص القانوني والضمير الحي هو ما يحول القانون من مجرد قاعدة إلى أداة حية للعدالة، ويضمن ألا يظل النص مجرد تهديد، بل سلاحا فعالا لمواجهة الشر في لحظة الاختيار الأولى داخل النفس البشرية. والله من وراء القصد.