
التراث الثقافي غير المادي.. فانوس رمضان
الدكتور أحمد عبد الظاهر – أستاذ القانون الجنائي بجامعة القاهرة
شهر رمضان من أكثر الشهور التي يحبها المصريون. وما إن تهل نسائم هذا الشهر الفضيل حتى تخلع الشوارع المصرية عباءتها التقليدية، لترتدي ثوباً جديداً بألوان زاهية، فترى الفوانيس وقد صُفّت على الجانبين بإضاءتها الجميلة وألوانها المختلفة.
ويُعدّ فانوس رمضان واحداً من أبرز الرموز الشعبية المرتبطة بالشهر الفضيل في المجتمع المصري، حيث اكتسب مكانة خاصة في الوجدان الجمعي. فمع اقتراب حلول شهر رمضان من كل عام، تمتلئ الأسواق بأشكال الفوانيس المختلفة، وتُزيَّن الشوارع والبيوت بأضوائها الملوّنة، وتقول دائرة المعارف البريطانية إن الفوانيس الاحتفالية تضيء الشوارع والمنازل ليلاً خلال شهر رمضان في مشهد يعكس حالة الفرح والترقب التي ترافق هذا الشهر.
ويرتبط الفانوس في الذاكرة الفردية بفترة الطفولة؛ فحين أتحدث عن جيلي والأجيال السابقة علينا، لا فإن أحد أهم المشاهد التي لا تفارق ذاكرتي هو حمل الفانوس والتجول به، مردداً الأناشيد الرمضانية، ولاسيما أغنية «وحوي يا وحوي». وعلى المستوى العام، يمثّل شراء الفانوس طقساً سنوياً لدى كثير من الأسر، بحيث يشكل إيذاناً ببداية الاستعداد الروحي والاجتماعي للشهر الفضيل. وبذلك، تحوّل الفانوس إلى وسيلة للتعبير عن البهجة الجماعية، وعن خصوصية رمضان بوصفه موسماً للتقارب الأسري والتكافل الاجتماعي.
وتعود جذور تقليد فانوس رمضان إلى أكثر من عشرة قرون مضت، أي ما يزيد على ألف عام، حيث ارتبط استخدام الفانوس بالحاجة إلى الإضاءة ليلاً في زمن لم تكن فيه الكهرباء معروفة، ومع تطور المجتمعات الإسلامية، اكتسبت الفوانيس أشكالاً فنية وزخرفية مستوحاة من العمارة والفنون الإسلامية، حتى صار قطعة تراثية تعكس ذائقة جمالية خاصة.
وقد أسهمت التحولات التاريخية والسياسية في انتقال الفانوس من أداة وظيفية إلى رمز احتفالي متجذر في الثقافة الشعبية. لذلك، فإن دراسة تاريخ فانوس رمضان لا تقتصر على تتبع نشأته فحسب، بل تكشف أيضاً عن تفاعل الدين والعادات والتقاليد مع الحياة اليومية للمجتمعات الإسلامية. إذ يقف الفانوس شاهداً على استمرارية التراث رغم تغير الأزمنة، وعلى قدرة الرموز الشعبية على تجاوز وظيفتها الأصلية لتصبح جزءاً من الهوية الثقافية.
ويمكن القول إن الفانوس ظاهرة ثقافية مصرية رمضانية، تحولت عبر الزمن من مجرد كونها وسيلة للإضاءة ليلاً، إلى وظيفة كرنفالية احتفالية؛ ولتصبح أيضاً صناعة ثقافية وحرفة تراثية، ومصدر دخل مهماً للعديد من الأسر المصرية، تتركز مناطق صناعته بين صناع مبدعين ومهرة في مناطق أشهرها منطقة «الربع» المتفرع من ميدان باب الخلق بالقاهرة. ومن شوارع القاهرة وحواريها، انتقل الفانوس إلى غيرها من الدول العربية وإلى العديد من دول العالم الإسلامي، ليصبح جزءاً من تقاليد المظاهر الاحتفائية بشهر رمضان في هذه الدول. وغني عن البيان أن كل بلد انتقل إليه الفانوس قد أضفى لمسات من بيئته وثقافته على شكل ووظيفة الفانوس وخاماته.
وسنحاول فيما يلي إلقاء الضوء على هذا التراث الثقافي غير المادي من خلال المباحث الآتية:
المبحث الأول: الأصل اللغوي لكلمة فانوس.
المبحث الثاني: أصل نشأة الفانوس في التراث الثقافي المصري.
المبحث الثالث: صناعة الفانوس.
المبحث الرابع: الفانوس في الشعر العربي.
المبحث الخامس: الفانوس في الأغاني الشعبية.
المبحث السادس: رأي دار الإفتاء بشأن حكم تعليق الزينة والفوانيس في شهر رمضان.
المبحث السابع: الدعوة إلى إدراج فانوس رمضان ضمن التراث الثقافي المادي المصري.
للاطلاع على الدراسة كامل من هـــــــنـــا