الأمان في الإجراءات الجنائية

مقال بقلم د/ أشرف نجيب الدريني

عندما اطلعت على مقال الأستاذ الدكتور طارق فتحي سرور، أستاذ ورئيس قسم القانون الجنائي، تحت عنوان (همسات قانونية)، شعرت بأنني أمام نافذة على واقع لم نتوقف عنده بما يكفي، نافذة تكشف الصدام بين نصوص القانون وممارسة الإنسان اليومي، بين السلطة والحق المشروع في بيئة رقمية فرضت نفسها على حياتنا. ران على ذهني شعور مفاده أن هذه الواقعة ليست مجرد حدث عابر، بل هي انعكاس لحالة تتكرر بصمت في كثير من الأطر القضائية والإجرائية، حالة يظهر فيها خلل في (منطقة الأمان الإجرائي)، ويصبح المواطن محط اختبار دقيق، بين حسن النية والانزلاق غير المقصود إلى دائرة الاتهام.

لم تمض دقائق قليلة على القراءة حتى بدأت التساؤلات تتوالى: كيف يمكن أن يتحول حق الالتجاء إلى السلطة العامة إلى عبء على صاحبه؟! وكيف يمكن للوسيلة الرسمية نفسها، التي أُنشئت لتيسير الاتصال بالعدالة، أن تتحول فجأة إلى أداة ضغط قانوني؟ وإذا كان البلاغ قد حفظ، فهل يجوز أن يسحب من الشاكي حسن النية، ويصبح عرضة لتكييفات جنائية مشددة تتراوح بين القذف العلني أو إساءة استخدام وسائل الاتصال أو إنشاء حساب بقصد ارتكاب جريمة؟! هذه الأسئلة – وهي أسئلة الواقع- تجيب عن نفسها حين نفكر في الهدف من القانون: حماية الإنسان قبل حماية النص، وحفظ العدالة قبل فرض العقوبة!

ولا يقدح في هذا التحليل أن نؤكد أن الإجراءات الجنائية ليست مجرد نصوص جامدة، ولا مجرد خطوات إدارية يمكن للموظف أن يتبعها آليا. إنها مسار متكامل للأمان والضمان، وعقد اجتماعي بين الدولة والمواطن، يتيح للإنسان أن يلجأ إلى العدالة دون خوف، وأن يشعر أن القانون يحميه قبل أن يقيده. وقد عرف القانون الجنائي جريمة البلاغ الكاذب، ووضع لها حدود دقيقة، إدراكا لطبيعة العلاقة بين الشاكي والعدالة، وحرصا على عدم تحويل ممارسة حق مشروع إلى سبب للمساءلة. غير أن ما يطرحه التحول الرقمي اليوم يعيد تعريف هذه العلاقة ويضعها على المحك، فبينما يفترض القانون أن المواطن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة الرقمية، يفرض الواقع أن كثيرين يجهلون تعقيدات التكييف القانوني للبلاغ الإلكتروني، ويجدون أنفسهم فجأة في مواجهة اتهامات لم يكونوا يتصورونها.

الامثلة الواقعية كثيرة، وقد أبرزها الدكتور سرور نفسه: مواطنون تقدموا ببلاغات تكشف تدليسا أو إساءة أو اختلاسا، فإذا بهم يحالون إلى المحاكم الاقتصادية، ليس بسبب كذبهم أو سوء قصدهم، بل لأن البلاغ لم يقبل موضوعيا أو حفظ. وهنا يظهر انهيار (منطقة الأمان الإجرائي)، وتحول الإجراء الذي يفترض أن يكون ضمانة لحماية المواطن إلى مصدر تهديد يزرع الخوف في المجتمع، ويجعل الالتجاء إلى السلطات تجربة محفوفة بالقلق، بدل أن تكون حقا مضمونا!

ولا مناص من أن ندرك أن الأثر يتجاوز الأفراد، ليصل إلى المجتمع بأسره. المواطن الذي يرى البلاغ قد يتحول إلى فخ قانوني يختار الصمت، ليس تواطؤا، بل حماية لنفسه، وعندئذ تتآكل الثقة في الدولة ومؤسساتها، وتفرغ البيئة الرقمية من قيمتها كوسيلة تواصل وآلية حماية، ويصبح التحول الرقمي عبئا اجتماعيا وثقافيا، لا إنجازا تشريعيا أو تقنيا.

ويزداد الأمر حساسية عندما يتعلق البلاغ بقضايا تمس سمعة الإنسان أو حياته الخاصة، مثل قضايا الابتزاز والتحرش، أو أي اعتداءات تمس العرض والكرامة. فالمواطن الذي يرى أن رفع بلاغ ضد الابتزاز أو التحرش قد يقوده إلى مواجهة إجراءات معقدة أو اتهامات مضادة، يختار الصمت، وهو ما يولد (الرقم الأسود للجريمة) ويؤدي إلى تزايد الجرائم الخفية التي لا تصل إلى السلطات. كما أن انهيار الأمان الإجرائي في هذه القضايا يفاقم الضغط النفسي على الضحية، ويجعلها معرضة للخطر مجددا، إذ يفقد القانون دوره الأساسي في حماية الحق المشروع وتأمين العدالة. من هنا يتضح أن الأمان الإجرائي ليس رفاهية، بل ضرورة حياتية لحماية الإنسان ومجتمعه من الانزلاق إلى دائرة (الجريمة المستترة)، ويؤكد مرة أخرى على أن أي تهاون في هذه المنطقة يؤدي إلى ضعف العدالة وتنامي الظاهرة الإجرامية المخفية، التي تبقى خارج السيطرة الرسمية ويصعب رصدها أو الحد منها.

ويزداد التعقيد القانوني أحيانا بسبب تعدد النصوص العقابية التي يمكن أن تطال ذات الفعل، حيث لا يقتصر تنظيم العقوبة على قانون العقوبات وحده، بل يمتد إلى قوانين متخصصة مثل قانون تنظيم الاتصالات، وقانون مكافحة تقنية المعلومات، وقوانين حماية البيانات أو الجرائم الاقتصادية والإلكترونية. هذا التعدد يولد تشابكا في الاتهام، إذ يمكن للشخص نفسه أن يتهم بمخالفة عدة نصوص في آن واحد، عن الفعل ذاته، وهو ما يجعل الملاحقة القانونية أكثر صعوبة وأكثر تعقيدا، ويزيد من حدة الضغط النفسي على المتهم ويضاعف المخاطر القانونية. كما أن هذا التكرار يفتح المجال للتكييفات القضائية المتنوعة، التي قد تختلف من جهة قضائية إلى أخرى، فتتحول ممارسة حق مشروع إلى دوامة قانونية، ويصبح الشاكي أو المتهم أمام ترسانة من الاتهامات المتشعبة والمتكررة، كل منها يفرض عقوبات مستقلة، مما قد يؤدي إلى إرباك العدالة وتضييق منطقة الأمان الإجرائي، ويجعل الالتجاء إلى القضاء محفوفًا بالمخاطر، خصوصًا في البيئة الرقمية التي تتسم بسرعة انتشار الفعل وتأثيره على الآخرين.

إن الحل يكمن في إعادة بناء (منطقة أمان إجرائي) حقيقية، تحيط بالشاكي منذ اللحظة الأولى التي يقدم فيها بلاغه، تحمي حسن نيته، وتوضح حدود المسؤولية، وتضمن الفصل بين الخطأ في التقدير وسوء القصد، وبين البلاغ المشروع والجريمة الإلكترونية، وبين الوسيلة الرقمية كأداة للاتصال والتجريم بوصوفه استثناء لا يجوز توسيعه. هذه المنطقة لا تُستعاد بقوانين وحدها، بل تحتاج إلى تعليم رقمي، وتوعية قانونية، وثقافة عامة تجعل المواطن واثقا من حقوقه، والموظف ملتزمًا بدوره، والقضاء قادرًا على التمييز بين النية الحسنة والانحراف عن الحق.

وعندما ننظر إلى هذه التجربة بمنظار أوسع، ندرك أن الأمان في الإجراءات الجنائية ليس رفاهية نظرية، بل جوهر العدالة نفسها. الإجراء الذي يخيف من يلجأ إليه يفقد وظيفته، والقانون الذي يعاقب حسن النية يهدر شرعيته المعنوية قبل أن يهدر حريته، ويصبح العدالة مجرد شكل بلا روح. ولذلك، فإن كل بلاغ مشروع يجب أن يظل خطوة نحو الإنصاف، لا فخ محتمل، وكل إجراء رقمي يجب أن يحمي الإنسان، لا أن يهدد وجوده القانوني.

ختاما، العدالة الجنائية الحقيقية هي التي تجعل الإنسان محور الإجراء، لا طرفا سلبيا فيه، وأن (منطقة الأمان الإجرائي) ليست مجرد مفهوم قانوني، بل هي وعد أخلاقي وإنساني، يضمن أن يظل طريق العدالة مطمئنا، وآمنا، وفاعلا، لا مفخخا بالخوف والشك. وفي هذا تكمن الرؤية: العدالة ليست حكما فقط، بل سلامة الطريق الذي يسلكه الإنسان ليطالب بحقه، وهي الثقة التي تربط بين النص والروح، بين القانون والمجتمع. والله من وراء القصد.

زر الذهاب إلى الأعلى