وماذا بعد؟

ماهر الحريري

ولست كالحرباء أتلون، ولا لكل الموائد أسعى. في الحق، أكتب غير مبال، فلا أنتظر ثناء مؤيد، ولا يزعجني غضب معارض. من يغضبه صوت الحق، فهذا شأنه، ولكل دينه. فالأيام تتداول، والمواقف تتغير، فتتبدل الأشخاص، وتتلون فينا الوجوه.
وهكذا الحياة، ليس لها من ثوابت، فأصدقاء اليوم قد يكونون أعداء الغد، والعكس صحيح. وما أسطره هو رأيي، وبه أفتخر، وما أطرحه هو حصاد فكري وقراءتي دون توجيه من أحد، كما يظن صغار العقول، ويتوهم ضعاف النفوس. ولست ممن يهلهلون ثياب الغير، خاصة أن جعبة مستنداتي مليئة. فالحكماء يناقشون موضوعات ليرسموا بها سياسات ترتقي بالمحاماة، فكرا وأداء، في مرحلة مستقبلية. فبعد أيام يناقش، مجلس نوابكم بجلسته العامة تعديلات قانوكم، والتي أتمنى إقرارها، وتنتهي بعد شهور دورة نقابية غاية في الصعوبة، ليزيد من صعوبتها رحيل من رحلوا من أعمدة العمل النقابي الذي ما زلت وبحق لم أر له من الحاليين بديلاً، ليس من شأنهم بتقليل، لكن لأدائه بتمييز. هكذا بالفعل، كان خالد الأمين. ويزعجني على صفحات التواصل، بغير إنصاف، لوم واتهام لنقيب عام دون سواه. وتوهم البعض أننا الضحية، وعلى أنفسنا حقيقة نحن الجناة، فكنا أصحاب الاختيار لأعضاء المجالس، عامة وفرعيات. فمن منا كان مجردا في اختياره؟ حقيقة والحق أقول، كانت اختياراتنا مخيبة للآمال، فمنا من اختار توددا ونفاقا، وربما مجاملة ورياء.

ومن كان اختياره مجاملة لهذا، وربما
نكاية بذاك، فكانت النتيجة مجالس في مجملها ضعيفة تفتقر لأبسط قواعد العمل النقابي، فراح بعضهم يتوهم أنهم الأسياد، ونحن لهم العبيد، فتكبر البعض، والبعض تجبر، واشتد بهم الغرور، ومنهم من ظن أنهم ملائكة يجري بعروقهم الدم الأزرق، فارتقى بنفسه لمرحلة ما فوق البشر.
ومنهم من بحق تربح، والأيام لهم بكاشفة، ومنهم من صمت عند مشكلاتنا صمت الأموات بالقبور. ومنهم من تخاذل، وفي ذلك خدمة الخط الساخن عليهم خير شاهد.
ومنهم من انشغل بليلاه غير مبال
بما يعانيه زملاؤه من مشكلات. ومنهم من راح يبحث عنها بين زحام قاهرة المعز. ومنهم من أمتعنا بمنشورات على صفحات التواصل، تبرز جهله بأبسط قواعد اللغة.. ومنهم ومنهم.
وقليل منهم من رحم ربي، وما هم في الحقيقة إلا شهود إثبات أظهرناهم نحن باختيارنا السيئ على مسرح الأحداث. فما زرعنا بالأمس، نجني اليوم ثماره، فراح بعضنا يشعر بالندم؛ نتيجة سوء اختياره. وراح البعض بغير حياء يلقى باللوم على النقيب العام، وكأنه كان لهم صاحب الاختيار. لكني وبحق أتساءل: وماذا بعد التعديلات؟ فإن أردتموها محاماة قوية، كما تتمنون، فارتقوا بأنفسكم أولا، وأحسنوا منهم الاختيار. فلا قوة للمحاماة بغير الأقوياء، ولا رقي لها بغير اختيار واع صحيح لكل قوي أمين، قوامه أسس موضوعية بعيدة كل البعد عن المجاملة، والمحسوبية، والضخ بدماء جديدة حرة وأبية.
فاصرخوا في كل متخاذل، فكم من التليفونات في وقت شدة أغلقت، واستبعدوا من اختياركم كل متاجر بهمومكم، فكم من أناس ارتدت ثوب الشجاعة لتصنع لنفسها بطولات زائفة. ومع نهاية يونيو، سقطت عنهم الأقنعة.. فلا تلوموا نقيبكم العام، فلكل قائد جنود، وأنتم من فرض عليه أولئك باختياركم هؤلاء. فإن أردتم للمحاماة عزة، فتذكروا القاعدة العامة للاختيار:
“إن خير من استأجرت القوى الأمين”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *