مواجهة حرب الشائعات بالقانون 1-3

أسماء دياب

أصبحت “السوشيال ميديا” واقعا مؤثرا فى تشكيل الرأي العام المجتمعى، مما يعكس الأثر الذى يشكله، وما ينشر من خلاله من أخبار ومعلومات ملفقة، وتداولها بين جمهور ذلك الفضاء المرئي بحسبانها حقيقة، وما يمثله ذلك من إشاعة للبلبلة والتشكيك فى نفوس الناس، ولا يكون نشر معلومة ملفقة من سبيل المصادفة، بل تعمل جهات وجماعات على تعمد ترويج الأخبار الكاذبة. فتزييف الحقائق عملية تستخدم كحرب نفسية فى أوقات الأزمات، وفى المراحل الحرجة والانتقالية للدول، ويعد أداة لتحقيق أغراض سياسية.

والمتتبع لمواقع التواصل الاجتماعى فى مصر، خاصة فى الآونة الأخيرة، يجد أن هناك احتمالات لترويج الإشاعات الممنهجة، التى تعمل على نشر الأكاذيب والتشكيك، وبث الإحباط واليأس فى النفوس، مستغلة عدم الوعى المجتمعى، خاصة بين رواد السوشيال ميديا، من ضرورة التحقق من المعلومة أو الخبر من المصادر الموثوق بها، بل وصل الأمر إلى تشكيك المواطن فى المصادر الرسمية، التابعة للدولة، واعتبار أنها هى التى تزييف الحقائق، والاعتماد على مصادر مجهولة، أو مصادر تابعة لجهات أو جماعات معادية للدولة، واعتبارها المعلومات الموثوق فى صحتها.

فقد عملت القوى المعادية للدولة، متمثلة فى جماعة “الإخوان المسلمين” ، وبمساعدة دول معادية، على خلق حالة من السخط تجاه الدولة عن طريق نشر الإشاعات والأخبار الملفقة، وسرعة تداولها بشكل مكثف عن طريق الميلشيات الإلكترونية التابعة للجماعة، من خلال حسابات مزيفة بأعداد كبيرة، تعمل ليل نهار على إعاده تدوير الإشاعات والأخبار الكاذبة، والتعليق عليها بشكل يعطى الانطباع بتوجه الرأي العام إلى اتجاه معين ضد الدولة، بالإضافة إلى مواقع لا يبدو عليها الطابع السياسى، سواء فنية أو دينية أو رياضية، إلى أن تكسب ثقة شريحة معينة من رواد هذه المواقع، وبعدها تنشر المعلومة أو الخبر المزيف، متوقعة بذلك عدم تشكك المتابع فى صحة الخبر، وبذلك تكون قد دست السم فى العسل.

ففى السابق، كانت الشائعات بطيئة الانتشار، يكفى الصمت وعدم الرد عليها للقضاء عليها فى مهدها. أما فى ظل حالة الهوس المجتمعى بوسائل التواصل الاجتماعى، فقد أدى ذلك إلى سرعة انتشار الشائعة، وعدم السيطرة عليها، بالإضافة إلى تداول مشاهد مفجعة فيها انتهاك لآدمية الأشخاص، وتعد على الحرمات، حتى أصبحنا متبلدى المشاعر، وعديمى النخوه، للدرجة التى أصبحنا نرى  من يتصور سيلفى وقت الحوادث، بدلا من تقديم يد المساعدة لإنقاذ الجرحى، لذا أصبحنا بحاجة ملحة إلى تطوير آليات مواجهة الشائعات، وتشديد الرقابة على ما ينشر على مواقع التواصل، وتشديد المنظومة العقابية على أى خروقات، بعد أن باتت “السوشيال ميديا” جزءا لا يتجزأ من المشهد السياسى.

وعلى مستوى الدولة، فهى تعمل على رصد هذه الشائعات والرد عليها، ولكن ينقصها السرعة فى التعامل معها، وكثافة العرض للردود الرسمية فى القنوات الأعلى مشاهدة، وعلى وسائل التواصل الاجتماعى أيضا، عن طريق رسائل قصيرة وسريعة ومكثفة لتناسب الطبيعة النفسية لرواد السوشيال ميديا، وتوعية المواطن بشكل دائم بأهمية التحقق من المعلومة، فالكثير لا يفرق بين المعلومة الواردة من مصدر موثوق فيه، والمعلومة مجهولة المصدر.

أما على المستوى التشريعى، فقد تعالت الأصوات داخل البرلمان مطالبة بأن يمتد التشريع القانونى الجديد الخاص بالجرائم الإلكترونية إلى معاقبة كل من يتورط فى الترويج للإشاعات الإلكترونية المتداولة من قبل الميليشيات الإلكترونية للجماعة المحظورة، على أن يشمل ضمن نصوصه تجريم الشائعات الإلكترونية. وإلى أن يحدث ذلك، علينا تفعيل أحكام الدستور، حيث تنص المادة 86  من دستور 2014 على أن “الحفاظ على الأمن القومى واجب، والتزام الكافة بمراعاته مسئولية وطنية يكفلها القانون”.

فعندما يتم نشر أخبار كاذبة، أو بيانات ملفقة، فإن ذلك يؤدى إلى تكدير السلم العام، أو نشر الفزع بين الناس، أو إلحاق الضرر بالمصلحة العامة، فبذلك تتحقق جريمة نشر أخبار كاذبة، طبقاَ لما نصت عليه المادة 102 مكرر من قانون العقوبات التى تنص على: “يعاقب بالحبس وبغرامة لا تقل عن خمسين جنيها، ولا تجاوز مائتى جنيه كل من أذاع عمدا أخبارا أو بيانات أو إشاعات كاذبة، إذا كان من شأن ذلك تكدير الأمن العام أو إلقاء الرعب بين الناس أو إلحاق الضرر بالمصلحة العامة”. وتنص المادة 818 من القانون نفسه على: ” يعاقب بالحبس مدة لا تجاوز سنة وبغرامة لا تقل عن خمسة آلاف جنيه، ولا تزيد عن عشرين ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من نشر بسوء قصد أخبارا أو بيانات أو إشاعات كاذبة إذا كان من شأن ذلك تكدير السلم العام……………..”.

وسنتطرق في المقال المقبل، إن شاء الله، لقانون مكافحة الجريمة الإلكترونية، ونحاول تطبيق أهم نصوصه على مروجى الشائعات الإلكترونية، والتي بدت فى الفترة الأخيرة  وكأنها نار في الهشيم.

 

زر الذهاب إلى الأعلى