مدى دستورية قرار فرض رسوم على الهواتف المحمولة للمصريين العاملين بالخارج

بقلم الدكتور/ محمد طرفاوي محمد المحامى

بتاريخ 21//1/2026 أصدرت مصلحة الجمارك المصرية قرارها بوقف الإعفاء الخاص بمنح المصري المغترب عدد واحد هاتف محمول معفى من الرسوم الجمركية، ونقصد هنا بالرسوم الجمركية الضريبة وضريبة القيمة المضافة ورسم تنمية الدولة، وقد قررت الجباية سالفة الذكر بموجب القانون رقم (207 لسنة 2020) والقانون رقم (10 لسنة 2003) وقد صدر بناء عليهما  قرار رئيس الجمهورية رقم 558 لسنة 2021 بتحديد الرسوم التي قدرت تقريباً ب 38,5 % إجمالاً كضريبة جمركية وضريبة قيمة مضافة ورسم تنمية الدولة.

جاء قرار تفعيل “منظومة حوكمة أجهزة الهواتف المحمولة” في مصر واقعاً ونافذاً بشكل كامل، هذا القرار ليس مجرد إجراء جمركي، بل هو تحول رقمي شامل يربط بين مصلحة الجمارك، الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات (NTRA)، وشركات الخدمات الهاتفية.

ظاهر الأمر خير إلا أن باطنه شر، فظاهر القرار طبقاً لمبررات المسئولين حماية الصناعة الوطنية حيث أصبحت مصر تمتلك اليوم عدداً من المصانع ويجب حماية انتاجها، وأن الإعفاء كان استثناء لمدة عام وقد تم إلغاء الاستثناء، إلا أن الأمر لا علاقة له بالصناعة الوطنية، فعندما تصطدم الرسوم بالدستور وتُخل بمبادئ العدالة الاجتماعية فلا مجال للحديث عن دعم الصناعة الوطنية، فقد أصبح إلقاء العبء على كاهل المواطن كما لو كانت الدولة تفرض جباية لا ضريبة.

ومن هذا المنطلق نوضح في هذا المقال، معنى الضريبة الجمركية عامة والهدف منها وقواعد العدالة الضريبية، ثم نوضح أثر قرار رئيس الجمهورية سالف الذكر على العدالة الاجتماعية والاعتداء على الملكية الخاصة، وصولاً لمعيار محدد حول ما إذا كان فرض هذه الرسوم دستوري من عدمه.

الرسوم الجمركية هي ضرائب غير مباشرة تفرضها سلطات الجمارك على البضائع والمنتجات عند عبورها حدود الدولة (استيراداً أو تصديراً). تهدف إلى حماية الصناعة الوطنية، موازنة الأسعار، وزيادة الإيرادات، وتحسب غالباً كنسبة مئوية من القيمة الجمركية للسلعة.

وعطفاً على ما سبق وبمطالعة قرار الجمارك الأخير المنبثق عن القرار رقم 558 لسنة 2021 نجده يحدد آلية محددة حال إدخال أي جهاز هاتف محمول ولو للاستخدام الشخصي إلى مصر، فقررت الجمارك بالتعاون مع هيئة تنظيم الاتصالات قطع الخدمة عن الهاتف غير المسدد للضريبة الجمركية ومعاملته على أنه مُهَرَب وهو أمر غريب لا يوافق صحيح النصوص الدستورية فبه اعتداء صارخ على حق الملكية الخاصة المقرر دستورياً، كما أنه يجافي قواعد العدالة الضريبية، فالدولة لا تفرض الضريبة لمجرد ملء الخزينة (جباية)، بل يجب أن يكون وراءها هدف تنموي أو إعادة توزيع للدخل لتحقيق التكافل الاجتماعي؛ وأن الضريبة التي تستهلك أصل الثروة بدلاً من استقطاع جزء من “الدخل” أو “الأرباح”، فهي تتحول من ضريبة إلى “مصادرة” وهو عمل غير دستوري؛ فإذا أدت الضريبة إلى تآكل رأس المال نفسه، أو منعت الشخص من استغلال ملكيته، فهي تعتبر “عدواناً على الملكية الخاصة” وتخالف المادتين 32 و34 من الدستور (دستور 71 في ذلك الوقت) المقابلة لنص المادتين 33 و 34 من الدستور الحالي. (المحكمة الدستورية العليا – الدعوى رقم 5 لسنة 10 ق . د – جلسة 19/6/1993 – ج 5/2 – دستورية ص 331)

تنص المادة (38) من الدستور على أن” يهدف النظام الضريبي وغيره من التكاليف العامة إلى تنمية موارد الدولة، وتحقيق العدالة الاجتماعية، والتنمية الاقتصادية. لا يكون إنشاء الضرائب العامة، أو تعديلها، أو إلغاؤها، إلا بقانون، ولا يجوز الإعفاء منها إلا في الأحوال المبينة في القانون. ولا يجوز تكليف أحد أداء غير ذلك من الضرائب، أو الرسوم، إلا في حدود القانون. ويراعى في فرض الضرائب أن تكون متعددة المصادر. وتكون الضرائب على دخول الأفراد تصاعدية متعددة الشرائح وفقاً لقدراتهم التكليفية، ويكفل النظام الضريبي تشجيع الأنشطة الاقتصادية كثيفة العمالة، وتحفيز دورها في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، والثقافية. تلتزم الدولة بالارتقاء بالنظام الضريبي، وتبني النظم الحديثة التي تحقق الكفاءة واليسر والإحكام في تحصيل الضرائب. ويحدد القانون طرق وأدوات تحصيل الضرائب، والرسوم، وأي متحصلات سيادية أخرى، وما يودع منها في الخزانة العامة للدولة. وأداء الضرائب واجب، والتهرب الضريبي جريمة.”

وقد تعرضت المحكمة الدستورية العليا، لأمر قواعد وإجراءات تحصيل الرسوم في الدستور الحالي، حال تعرضها لرسوم النظافة المقررة، إذ قضت بعدم دستورية نص الفقرة الرابعة من المادة (8) من القانون رقم 38 لسنة 1967 في شأن النظافة العامة، معدلاً بالقانون رقم 10 لسنة 2005، فيما تضمنه من النص على تفويض المحافظ المختص، في تحديد إجراءات تحصيل رسوم النظافة، مشيدة قضاءها، تأسيساً على “أن الدستور سلك في شأن الرسوم، التى تُستأدى جبرًا مقابل خدمة محددة، يقدمها الشخص العام لمن يطلبها عوضًا عن تكلفتها، وإن لم يكن بمقدارها، مسلكًا وسطًا، فأجاز للسلطة التشريعية، أن تفوض السلطة التنفيذية فى تنظيم أوضاعها، ولكنه لم يشأ أن يكون هذا التفويض مطلقًا، وإنما مقيد بالقيود التى حددها الدستور ذاته، وأخصها أن تكون فى حدود القانون، أي أن يحدد القانون حدودها وتخومها ويشي بملامحها، مبينًا العريض من شئونها، فلا يحيط بها فى كل جزئياتها، وإنما يكون تفويض السلطة التنفيذية، فى استكمال ما نقص من جوانبها، فالقانون هو الذى يجب أن يحدد نوع الخدمة التى يُحصل عنها الرسم، وحدوده القصوى التى لا يجوز تخطيها، بأن يبين حدودًا لها، حتى لا تنفرد السلطة التنفيذية بهذه الأمور، على خلاف ما أوجبه الدستور، من أن يكون تفويضها فى فرض هذه الرسوم “فى حدود القانون”، والقيود التى قيد بها الدستور، من أن يكون تفويضها للسلطة التنفيذية، فى شأن الفرائض المالية الأخرى غير الضريبة العامة، تتفق وكون هذه الفرائض، مصدرًا لإيرادات الدولة، ووسيلة من وسائل تدخلها فى التوجيه الاقتصادى والاجتماعى، تأكيدًا لإتاحة الفرص المتكافئة، للحصول على الخدمات العامة التى تؤديها الدولة، وحتى لا تكون الرسوم، مجرد وسيلة جباية، لا تقابلها خدمات حقيقية يحصل عليها من يدفعها، ولا يتأتى ذلك كله، إلا بمسلك متوازن من المشرع. كذلك جرى قضاء هذه المحكمة، على أنه لا يجوز للسلطة التشريعية- فى ممارستها لاختصاصاتها، فى مجال إقرار القوانين – أن تتخلى بنفسها عنها، إهمالاً من جانبها لنص المادة (86) من دستور سنة 1971، والمقابلة للمادة (101) من دستور سنة 2014، اللتين عهدتا إليها أصلاً بالمهام التشريعية، ولا تخول السلطة التنفيذية مباشرتها إلا استثناء، وفى الحدود الضيقة التى بينتها نصوص الدستور حصرًا، ويندرج تحتها إصدار اللوائح اللازمة لتنفيذ القوانين، والتى لا يدخل فى مفهومها، توليها ابتداء تنظيم مسائل خلا القانون، من بيان الإطار العام الذى يحكمها، فلا تُفصل اللائحة عندئذٍ، أحكامًا أوردها المشرع إجمالاً، ولكنها تُشرع ابتداء من خلال نصوص جديدة، لا يمكن إسنادها إلى القانون، وبها تخرج اللائحة، عن الحدود التى ضبطتها بها المادة (144) من الدستور، الصادر سنة 1971، والتى تقابلها المادة (170) من دستور سنة 2014. (المستشار الدكتور/ طارق عبدالقادر – المبادئ الحاكمة للفرائض المالية في قضاء المحكمة الدستورية العليا مقال منشور بتاريخ 21/2/2024)

لما كان ذلك وهدياً به، فإن القرار سالف الذكر قد خالف مبادئ دستورية مستقرة منذ زمن إذ جعل الضريبة الجمركية وضريبة القيمة المضافة ورسم تنمية الدولة مجرد وسائل جباية تعتدي على حرمة المكلية الخاصة لأكثر من سبب على النحو التالي:

السبب الأول:

لئن كان من حق المشرع أن يفرض رسماً لتنمية الدولة، وأن يقرر فرض الضرائب بمسياتها وأنواعها المختلفة – بما فيها الرسوم الجمركية وهي ضريبة غير مباشرة – إلا أنه مقيد في ذلك بمراعاة قواعد العدالة الاجتماعية التي قررها الدستور بنص المادة (4) إذ نصت على أن” السيادة للشعب وحده، يمارسها ويحميها، وهو مصدر السلطات، ويصون وحدته الوطنية التي تقوم على مبادئ المساواة والعدل وتكافؤ الفرص بين جميع المواطنين، وذلك على الوجه المبين في الدستور.”؛ ونص المادة (8) التي تنص على أن” يقوم المجتمع على التضامن الاجتماعي. وتلتزم الدولة بتحقيق العدالة الاجتماعية وتوفير سبل التكافل الاجتماعي، بما يضمن الحياة الكريمة لجميع المواطنين، على النحو الذي ينظمه القانون.”؛ وبذلك يكون فرض ضريبة القيمة المضافة على سلعة لم تنتج أو تباع داخل جمهورية مصر العربية مخالفة لمبادئ العدالة الاجتماعية خاصة وأن الغرض من إدخالها البلاد ليس تجارياً حتى يمكن تبرير مسلك المشرع ولكن العرض للاستخدام الشخصي وهو ما يؤكد الإخلال بالعدالة الاجتماعية، إذ تم فرض الضريبة الجمركية وضريبة القيمة المضافة على شكل جباية تحصل عليها الدولة دون خدمة مقدمة وهو ما يخالف ما استقر عليه قضاء المحكمة الدستورية العليا في المباديء الدستورية لفرض الضريبة.

السبب الثاني:

يعد مسلك القرار مخالفاً لحقو الملكية الخاصة، فبنظرة بسيطة صان الدستور الملكية الخاصة بما ورد بنص المادة (33) من الدستور التي تنص على أن” تحمي الدولة الملكية بأنواعها الثلاثة، الملكية العامة، والملكية الخاصة، والملكية التعاونية.”؛ ونص المادة (35) التي تنص على أن” الملكية الخاصة مصونة، وحق الإرث فيها مكفول، ولا يجوز فرض الحراسة عليها إلا في الأحوال المبينة في القانون، وبحكم قضائي، ولا تنزع الملكية إلا للمنفعة العامة ومقابل تعويض عادل يدفع مقدماً وفقاً للقانون.”؛ وبذلك فسرت المحكمة الدستورية العليا حالة فرض الضريبة التي تؤدي إلى نقص كبير في رأس المال أو إهداره أو منعت الشخص من استغلال ملكيته، تفسيراً واضحاً وضريحاً بأن ذلك عدواناً على الملكية الخاصة ما يصم القرار بعدم الدستورية إذ تم تقريره على سلعة مملوكة للشخص لم تباع في مصر ولم تقدم الدولة اي خدمة تقابل ما تفرضه من رسوم.

يؤكد ذلك التعاون مع الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات إذ أنه بمجرد عدم سداد الأموال للدولة – الجباية – وخلال مدة لا تزيد على التسعون يوماً يتم فصل الخدمة بما مؤداه حرمان الشخص من استغلال ملكه الخاص حرماناً مطلقاً لا رجعة فيه بما يؤكد الاعتداء على حق الملكية الخاصة.

وقد تعسف القرار في قيمة الضريبة المفروضة فقد أصبحت مضاعفة تزيد عن قيمة ما يكسبه منتج السلعة ذاته وهو أمر لا يوافق العقل والمنطق، كيف تحصل الدولة رسوماً تزيد على نسبة ربح المنتج ذاته وهو ما يؤكد فكرة الجباية المحرمة دستورياً ما يفيد عدم دستورية القرار حتى من ناحية قيمة الضريبة المفروضة.

السبب الثالث:

إخلال القرار بمبادئ العدالة الاجتماعية، حيث تنص المادة (27) من الدستور على أنه” يهدف النظام الاقتصادي إلى تحقيق الرخاء في البلاد من خلال التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية، بما يكفل رفع معدل النمو الحقيقي للاقتصاد القومي، ورفع مستوى المعيشة، وزيادة فرص العمل وتقليل معدلات البطالة، والقضاء على الفقر. ويلتزم النظام الاقتصادي بمعايير الشفافية والحوكمة، ودعم محاور التنافسية وتشجيع الاستثمار، والنمو المتوازن جغرافياً وقطاعياً وبيئياً، ومنع الممارسات الاحتكارية، مع مراعاة الاتزان المالي والتجاري والنظام الضريبي العادل، وضبط آليات السوق، وكفالة الأنواع المختلفة للملكية، والتوازن بين مصالح الأطراف المختلفة، بما يحفظ حقوق العاملين ويحمي المستهلك. ويلتزم النظام الاقتصادي اجتماعياً بضمان تكافؤ الفرص والتوزيع العادل لعوائد التنمية وتقليل الفوارق بين الدخول والالتزام بحد أدنى للأجور والمعاشات يضمن الحياة الكريمة، وبحد أقصى في أجهزة الدولة لكل من يعمل بأجر، وفقاً للقانون.” وتنص المادة (38) على مبادئ العدالة الاجتماعية في فرض الضرائب كما أسلفنا، ونتيجة لما سبق يتضح أن فرض هذه الرسوم جاء مخالفاً للدستور فيما يلي:

الخروج عن مفهوم الضريبة إلى مفهوم “الجباية”: حيث استقرت أحكام المحكمة الدستورية العليا (برئاسة المستشار عوض المر) على أن الضريبة غايتها اجتماعية، فإذا تجاوزت هذا الهدف وأصبحت وسيلة لملء الخزينة دون مراعاة لحقوق الممول، فقدت مشروعيتها.

الاعتداء على “حد الكفاف”: إن فرض رسوم باهظة على الهواتف المحمولة (وهي وسيلة اتصال ضرورية لا غنى عنها في العصر الحديث) يعد مساساً بالحد الأدنى لمتطلبات الحياة الكريمة للمواطن.

انتفاء التناسب: إن قيمة الرسوم المفروضة (تذكر النسبة هنا) لا تتناسب طردياً مع “القدرة التكليفية” للمواطن، مما يجعلها نوعاً من المصادرة المقنعة للملكية الخاصة.

السبب الرابع:

أن الأعباء التي يجوز فرضها على المواطنين أو في الحدود سواء كان فى بنيانها – ضريبة أو رسمًا أو تكليفاً آخر، هي التي نظمها الدستور بنص المادة (۳۸) منه، وكانت هذه المادة، وإن خص بها الدستور النظام الضريبي، متطلباً أن تكون العدالة الاجتماعية مضمون لمحتواه، وغاية يتوخاها، فلا تنفصل عنها النصوص القانونية التي يقيم المشروع عليها النظم الضريبية على اختلافها، فإن الضريبة بكل صورها، تمثل في جوهرها عبئًا مالياً على المكلفين بها، شأنها في ذلك، شأن غيرها من الأعباء التي انتظمتها هذه المادة، ويتعين بالتالي- وبالنظر إلى وطأتها وخطورة تكلفتها – أن يكون العدل، من منظور اجتماعي، مهيمناً على هذه الأعباء، بكل صورها، محدداً الشروط الموضوعية لاقتضائها، نائياً عن التمييز بينها دون مسوغ، فذلك وحده يضمن خضوعها لشرط الحماية القانونية المتكافئة، التي كفلها الدستور للمواطنين جميعًا في شأن الحقوق عينها، فلا تحكمها إلا مقاييس موحدة لا تتفرق بها ضوابطها؛ (حكم المحكمة الدستورية العليا، الصادر بجلسة 1/2/1997 في الدعوى رقم 65 لسنة 17 قضائية “دستورية) أن تحديد دين الضريبة، يتطلب التوصل إلى تقدير حقيقي لقيمة المال الخاضع لها، باعتباره شرطاً لازماً لعدالة الضريبة، ولصون مصلحة كل من الممول والخزانة العامة، ويتعين في هذا الإطار، أن يكون وعاء الضريبة، ممثلاً في المال المحمل بعبئها، محققاً ومحدداً على أسس واقعية، يكون ممكناً معها الوقوف على حقيقته على أكمل وجه، ولا يكون الوعاء محققا،ً إلا إذا كان ثابتاً بعيداً عن شبهة الاحتمال أو الترخص، ذلك أن مقدار الضريبة أو مبلغها أو دينها، إنما يتحدد مرتبطاً بوعائها، وفق الشروط التي يقدر معها المشرع واقعية الضريبة وعدالتها، بما لا مخالفة فيه لأحكام الدستور، التي تتطلب أن تكون العدالة الاجتماعية مضموناً لمحتواها وغاية تتوخاها، فلا تنفصل عنها النصوص القانونية التي يقيم عليها المشرع النظم الضريبية على اختلافها، إلا أن الضريبة بكل صورها، تمثل في جوهرها عبئاً مالياً على المكلفين بها، شأنها في ذلك شأن الأعباء التي انتظمتها المادة (38) من الدستور، ويتعين تبعاً لذلك وبالنظر إلى وطأتها وخطورة تكلفتها، أن يكون العدل من منظور اجتماعي مهيمناً عليها بمختلف صورها، محدداً الشروط الموضوعية لاقتضائها، نائياً عن التمييز بينها دون مسوغ. (المستشار الدكتور/ طارق عبدالقادر – المبادئ الحاكمة للفرائض المالية في قضاء المحكمة الدستورية العليا مقال منشور بتاريخ 21/2/2024)

وبذلك فما تم فرضه على الهواتف المحمولة مؤخراً بموجب قرار وقف يخالف الدستور لعدم مراعاة قواعد العدالة الاجتماعية في محتوي القرار إذ جاء بتمييز واضح وعنصري ضد المقيمين بالخارج لاسيما وأن إدخال هذه الأجهزة لا للتجارة بل للاستخدام الشخصي وهو تمييز مرفوض يأباه الدستور، كما أن تحديد قيمة دين الضريبة جاء مخالفاً للقواعد المقررة بقضاء المحكمة الدستورية العليا – على فرض دستورية القرار من ناحية الأحقية في فرض الضريبة – فالتوصل إلى تقدير حقيقي لقيمة المال الخاضع لها، باعتباره شرطاً لازماً لعدالة الضريبة، ولصون مصلحة كل من المغترب والخزانة العامة، ويتعين في هذا الإطار، أن يكون وعاء الضريبة، ممثلاً في المال المحمل بعبئها، محققاً ومحدداً على أسس واقعية وهو ما لا يتحقق فكيف تأخذ الدولة 38,5 % وهو رقم لا تربحه شركة المنشأ ذاتها أين عدالة التقدير.

السبب الخامس

تتجرد الضريبة من خصائصها إذا كان من شانها تدمير وعائها أو كان لها وطأة الجزاء بما يباعد بينها وبين الأغراض المالية التي ينبغي أن تتوخاها أصلاً وكذلك كلما قام الدليل على انتفاء المصلحة المشروعة التي تسوغها وهو ما يقع بوجه خاص إذا كان معدل الضريبة أو أحوال فرضها مناقضاً للأسس الموضوعية التي لا تقوم الضريبة إلا بها، (الدعوى رقم 19 لسنة 15 ق.د – جلسة 8/4/1995 – ج 6 دستورية – ص 609) ويمكن حصر أهم الأسس الموضوعية للضريبة في مبدأ “القدرة التكليفية” (المقدرة على الدفع) مبدأ “العمومية والتجريد” مبدأ “التبعية أو الارتباط الاقتصادي” مبدأ “الغرض الاجتماعي والتنموي” وهنا وتوضيحاً لأمر هام قد يقول قائل أن المبالغ المطلوبة رسوم وليست ضرائب – وعلى الفرض الجدلي بصحة ذلك –  نوضح أن الرسم يجب أن يكون مقابل خدمة خاصة فما هي الخدمة التي تستدعى فرض هذه النسبة التي لا يحصل عليها من انتج الهاتف ذاته!!!

وبمخلص عام نجد المحكمة الدستورية العليا في حكم لها تقول” وحيث أن الحماية التى فرضها الدستور للملكية الخاصة ، تمتد إلى كل أشكالها، وتقيم توازناً دقيقاً بين الحقوق المتفرعة عنها، والقيود التى يجوز فرضها عليها، فلا ترهق هذه القيود تلك الحقوق بما ينال من محتواها أو يقلص دائرتها، لتغدو الملكية فى واقعها شكلاً مجرداً من المضمون، وإطاراً رمزياً لحقوق لا قيمة لها عملا، فلا تخلص لصاحبها، ولا يعود عليه ما يرجوه منها إنصافاً، بل تثقلها تلك القيود لتنوء بها، مما يخرجها عن دورها كقاعدة للثروة القومية التى لا يجوز استنزافها من خلال فرض قيود لا تقتضيها وظيفتها الاجتماعية .

وهو ما يعنى أن الأموال بوجه عام ينبغى أن توفر لها من الحماية ما يعُينها على أداء دورها، ويكفل اجتناء ثمارها ومنتجاتها وملحقاتها، وبما يقيها تعرض الأغيار لها سواء بنقضها أو بانتقاصها من أطرافها. ولم يعد جائزاً بالتالى أن ينال المشرع من عناصرها، ولا أن يغير من طبيعتها، أو يجردها من لوازمها، ولا أن يفصلها عن بعض أجزائها، أو يدمر أصلها، أو يقيد من مباشرة الحقوق التى تتفرع عنها فى غير ضرورة تقتضيها وظيفتها الاجتماعية . ودون ذلك تفقد الملكية ضماناتها الجوهرية ، ويكون العدوان عليها غصباً أدخل إلى مصادرتها.

وحيث أن الدستور، وأن قرن العدل بكثير من النصوص التى تضمنها كالمواد (4، 23، 53، 57) وخلا فى الوقت  ذاته من كل تحديد لمعناه، إلا أن مفهوم العدل – سواء بمبناه أو أبعاده – يتعين أن يكون محدداً من منظور اجتماعى ، باعتبار أن العدل يتغيا التعبير عن تلك القيم الاجتماعية التى لا تنفصل الجماعة فى حركتها عنها، والتى تبلور مقاييسها فى شأن

ما يعتبر حقاً لديها، فلا يكون العدل مفهوماً مطلقاً ثابتاً باطراد، بل مرناً ومتغيراً وفقاً لمعايير الضمير الاجتماعى ومستوياتها، وهو بذلك لا يعدو أن يكون نهجاً متواصلاً منبسطاً على أشكال من الحياة تتعدد ألوانها، وازناً بالقسط تلك الأعباء التى يفرضها المشرع على المواطنين، فلا تكون وطأتها على بعضهم عدواناً، بل تطبيقها فيما بينهم إنصافاً، وإلا صار القانون منهياً للتوافق فى مجال تنفيذه، وغدا الغاؤه لازماً.

وحيث أن الأعباء التى يجوز فرضها على المواطنين بقانون أو فى الحدود التى يبينها- وسواء كان بنيانها ضريبة أو رسماً أو تكليفاً آخر- هى التى نظمها الدستور بنص المادة (119)؛ وكانت المادة (38) من الدستور، وإن خص بها النظام الضريبى متطلبا أن تكون العدالة الاجتماعية مضمونا لمحتواه، وغاية يتوخاها، فلا تنفصل عنها النصوص القانونية التى يقيم المشرع عليها النظم الضريبية على اختلافها، إلا أن الضريبة بكل صورها، تمثل فى جوهرها  عبئاً مالياً على المكلفين بها، شأنها فى ذلك شأن غيرها من الأعباء التى انتظمتها المادة (119) من الدستور، ويتعين بالتإلى – وبالنظر إلى وطأتها وخطورة تكلفتها – أن يكون العدل  من منظور اجتماعى ، مهيمنا عليها بمختلف صورها، محدداً الشروط الموضوعية لاقتضائها، نائياً عن التمييز بينها دون مسوغ، فذلك وحده ضمان خضوعها لشرط الحماية القانونية المتكافئة التى كفلها الدستور للمواطنين جميعاً فى شأن الحقوق عينها، فلا تحكمها إلا مقاييس موحدة لا تتفرق بها ضوابطها.

وحيث أن البند (ج) من المادة (21) المشار إليها، لم يحدد قيمة العقار -فى الأحوال التى ينُص فيها على تقدير الرسم النسبى على أساس هذه القيمة – وفق ما هو مدون بشأنها فى المحرر محل الشهر، ولا هو استعاض عنها -وعلى ما جاء بالأعمال التحضيرية للقانون رقم 6 لسنة 1991- بمعايير دقيقة تنضبط بها أسس التقدير، فلا يكون تطبيقها محل نزاع، وإنما اتخذ من الجباية منهاجا، متوخيا أن يوفر عن طريقها  -وعلى غير أسس موضوعية – موارد للدولة تعينها على   إشباع جانب من احتياجاتها، بل إنها أدرجتها فعلاً بموازنتها على ضوء توقعها الحصول عليها من خلال رسومها عن أعمال التوثيق والشهر.

وهو ما يعنى ملاحقتها الممولين من أجل استئدائها تأميناً لمبلغها، ورغم ما دل عليه العمل من تباين القيم التى قدرتها لأموال عقارية تتماثل مواقعها ومكوناتها، وجنوحها بالتالى إلى المغالاة فى تقدير رسومها، وعلى الأخص من خلال ما قرره هذا البند من التمييز بين الأموال  التى يتناول الشهر محرراتها، تبعاً لموقعها، فلا يقل سعر المتر المربع بشأنها عن مائة وخمسين جنيهاً فى الأماكن السياحية ، ولا عن خمسين جنيهاً فيما عداها، ورجوعها كذلك فى تحديد هذه الأماكن إلى القرارات الصادرة بشأنها، ودون ما اعتداد بتعلقها بغير الأغراض التى صدر قانون رسوم التوثيق والشهر من أجلها، ولا بأن الأصل فى تلك الأماكن هو احتواء مكوناتها على قيم تعكس تراثاً تاريخياً أو حضارياً أو جمالياً أو بيئياً أو دينياً، ولا شأن لها بالتالى بأموال يتم التعامل فيها من خلال قيمتها السوقية .

وحيث أن المشرع عزز اتجاه الجباية التى استهدفها بالبند المطعون فيه – والتى كان من شأنها وقوع منازعات عديدة بين مصلحة الشهر العقارى والتوثيق والمتعاملين معها- بنظام التحرى عن القيمة الحقيقية للعقار بعد تمام عملية الشهر واستكمال إجراءاتها، تمهيداً لإخضاع ما قد يظهر من زيادة فى هذه القيمة لرسوم تكميلية يكون طلبها من ذوى الشأن مصادما لتوقعهم المشروع، فلا يكون مقدارها معروفا قبل الشهر، ولا عبؤها ماثلا فى أذهانهم عند التعامل، فلا يزنون خطاهم على ضوء تقديرهم سلفا لها ولا يعرفون بالتالى لأقدامهم مواقعها، بل تباغتهم المصلحة بها، ليكون فرضها نوعا من المداهمة التى تفتقر لمبرراتها، ومن ثم حرص القانون رقم 6 لسنة 1991 بتعديل قانون رسوم التوثيق والشهر على اقتلاعها بإلغاء رخصتها، ضمانا لاستقرار الملكية العقارية التى لا يجوز زعزعتها بما يلحق الضرر بأوضاع بيئتها الاقتصادية والاجتماعية والقانونية ، ويرتد بنظم شهرها على أعقابها إذا أحجم المواطنون عن ولوجها، وإخلالا – فوق هذا -بحقائق العدل الاجتماعى التى احتضن بها الدستور الأعباء المالية على اختلافها، محدداً على ضوئها شروط اقتضائها، فإذا أهدرها المشرع -مثلما هو الحال فى النزاع الماثل- كان ذلك عدواناً على الملكية الخاصة من خلال اقتطاع بعض عناصرها دون مسوغ.

وحيث إنه على ضوء ما تقدم يكون البند (ج)  المطعون عليه، مخالفاً لأحكام المواد (32، 34، 38، 65، 119، 120) من الدستور. (المحكمة الدستورية العليا الدعوى رقم  65 لسنة 17 قضائية “دستورية “- 1/2/1997 )

ونتيجة لما سبق فقد قرر قرار رئيس الجهورية رقم 558 لسنة 2021 قد قرر رسوماً على الهواتف التي ترد من الخارج رفقة المغتربين المصريين رسوماً تخالف في معظمها الدستور، فلو كان رسم تنمية الدولة يجد له السند الدستوري الصحيح لفرضه، إلا أن الضريبة الجمركية وضريبة القيمة المضافة على هذه الأجهزة جاءت مخالفة للدستور، ما نلتمس معه الغاء القرار ، أو اتخاذ إجراءات الطعن عليه بعدم الدستورية.

في ذات المعنى الوارد بالمقال تراجع أحكام المحكمة الدستورية الصادرة في الدعاوى التالية:

  • حكم المحكمة الدستورية العليا في الدعوى رقم 65 لسنة 17 قضائية “دستورية”، الصادر بجلسة 1/2/1997.
  • حكم المحكمة الدستورية العليا، الصادر بجلسة 15/11/1997 في الدعوى رقم 58 لسنة 17 قضائية “دستورية” .
  • حكم المحكمة الدستورية العليا، الصادر بجلسة 3/2/1996 في الدعوى رقم 33 لسنة 16 قضائية “دستورية”.

 

زر الذهاب إلى الأعلى