
في رحاب لغة القانون.. الشركة العائلية
مقال للدكتور أحمد عبد الظاهر – أستاذ القانون الجنائي بجامعة القاهرة – المستشار القانوني بدائرة القضاء – أبو ظبي
مقدمة
مصطلح «الشركة العائلية» مكون من شقين، هما: لفظ «الشركة» منعوتة بصفة «العائلية». ومن ثم، فقد يتبادر إلى الذهن أن مفهوم «الشركة العائلية» ينطبق على كل شركة مملوكة لعائلة واحدة. ويمكن أن نصادف هذا الفهم في العديد من الكتابات حول هذا الموضوع. فعلى سبيل المثال، يعرف البعض الشركات العائلية (Family Businesses) بأنها مصطلح يستخدم في عالم الأعمال، ويشير إلى الشركات التي يديرها شخصان أو أكثر من العائلة نفسها (راجع: هارفارد بزنس ريفيو بالعربية، شركات ومؤسسات، الشركات العائلية). ويبدو أن هذا المفهوم هو المعتمد في قائمة فوربس لأقوى الشركات العائلية في العالم العربي، حيث تحتل الشركات الآتية المراتب العشرة الأولى، وهي:
– مجموعة منصور: شركة مصرية أسست عام 1952م، للعمل في مجال تصدير القطن، ثم توسعت بأعمالها لتشمل مجالات أخرى، منها السيارات والمواد الغذائية.
– مجموعة الفطيم: شركة إماراتية أسست عام 1930م، وتعمل في قطاعات السيارات والتمويل والعقارات والتجزئة والرعاية الصحية.
– شركة العليان المالية: شركة مقاولات سعودية أسست عام 1947م، وتوسعت هذه الشركة مع الوقت، لتشمل قطاعات الصناعة والتجارة والاستثمار.
– شركة الغرير للاستثمار: شركة إماراتية أسست عام 1960م، وتعمل في العديد من القطاعات، منها الإنشاءات والأغذية والطاقة.
– ماجد الفطيم القابضة: شركة إماراتية، أسست عام 1992م، للعمل في قطاعات التجزئة والعقارات والترفيه والأغذية والمشروبات.
– شركة عبد اللطيف جميل: شركة سعودية، أسست عام 1945م، وتعمل في العديد من القطاعات، مثل النقل والرعاية الصحية والطاقة.
– مجموعة المهيدب: مجموعة سعودية تعمل منذ عام 1943 في قطاعات الأغذية والمشروبات.
– شركة سدكو القابضة: شركة سعودية تعمل منذ عام 1976 في ثلاثة قطاعات، هي الخدمات المالية والعقارات والاستثمارات المباشرة، إذ تضخ استثماراتها في العديد من الأصول، ومنها التعليم والضيافة.
– مجموعة الغرير: مجموعة إماراتية أسست منذ عقد الستينيات من القرن الماضي، ولديها أعمال في العديد من القطاعات، مثل العقارات والصناعة والاستثمارات المالية.
– شركة الفيصل القابضة: شركة سعودية تعمل منذ عام 1964م، وتشمل أعمالها قطاعات عديدة أبرزها تجارة قطع غيار السيارات.
وغني عن البيان أن هذا البيان لأقوى الشركات العائلية وفقاً لقائمة فوربس ينظر فقط إلى ملكية الشركة، وكونها مملوكة لشركاء أو مساهمين من نفس العائلة، وبغض النظر عن أي شرط شكلي أو قانوني آخر. وسنحاول فيما يلي الوقوف على ما إذا كان المدلول القانوني للشركة العائلية يتسق مع المدلول اللغوي أو المدلول المتعارف عليه لدى عموم الناس. إذ يثور التساؤل عما إذا كان المشرع يكتفي في اعتبار الشركة عائلية بضابط شخصية الشركاء أو المساهمين فيها، ووجود رابط القرابة بينهم، أم أن ثمة شروط أخرى شكلية يستلزم المشرع توافرها لاعتبار الشركة عائلية. كذلك، يثور التساؤل عن الحكم القانوني بالنسبة للشركات التي يكون أغلبية الشركاء أو المساهمين فيها من عائلة واحدة، وما إذا كانت هذه الشركات ينطبق عليها وصف الشركة العائلية أم لا.
وللإجابة عن التساؤلات سالفة الذكر، سنقوم بإلقاء الضوء على مدلول الشركة العائلية في الاصطلاح القانوني، وذلك من خلال دراسة المرسوم بقانون اتحادي رقم 37 لسنة 2022 بشأن الشركات العائلية في دولة الإمارات العربية المتحدة وفي القانون رقم (10) لسنة 2021 بشأن حوكمة الشركات العائلية في إمـارة أبو ظبي.
مدلول الشركة العائلية في المرسوم بقانون اتحادي رقم (37) لسنة 2022 بشأن الشركات العائلية
طبقاً للمادة الأولى من المرسوم بقانون اتحادي رقم (37) لسنة 2022 بشأن الشركات العائلية، «الشركة العائلية: كل شركة تُؤسس وفقاً لأحكام قانون الشركات ويمتلك أغلب حصصها أو أسهمها أشخاص ينتمون لعائلة واحدة ويتم قيدها في السجل كشركة عائلية بموجب أحكام هذا المرسوم بقانون، ويصدر مجلس الوزراء بناء على توصية الوزير قراراً يُحدد فيه المقصود بالعائلة الواحدة».
والبين من هذا النص أن مفهوم الشركة العائلية يستلزم توافر شروط ثلاثة، وهي: أولها، أن تؤسس الشركة وفقاً لأحكام قانون الشركات. فلا يجوز أن تكون إحدى شركات الواقع. وثانيها، أن يمتلك أغلب حصصها أو أسهمها أشخاص ينتمون لعائلة واحدة، وذلك وفق التحديد الذي يصدر من مجلس الوزراء للمقصود بالعائلة الواحدة. وتجدر الإشارة في هذا الصدد أن المادة الأولى من المرسوم بقانون اتحادي المشار إليه قد تضمنت تحديداً عاماً للفظ العائلة، مبيناً أن هذا اللفظ يشمل الأقارب بالنسب والمصاهرة. فلا يجوز مثلاً أن يستبعد قرار مجلس الوزراء بشأن تحديد مفهوم العائلة الواحدة الأقارب بالمصاهرة من مفهوم العائلة الواحدة. وثالثها، أن يتم قيدها في السجل كشركة عائلية بموجب أحكام هذا المرسوم بقانون. وهذا الشرط الشكلي لازم ومفترض ضروري لاعتبار الشركة عائلية. فلا يكفي إذن أن يمتلك أغلب حصص أو أسهم الشركة أشخاص من عائلة واحدة.
ولعل المعنى السابق يتأكد بقراءة نص المادة الثالثة البند الأول من المرسوم بقانون اتحادي المشار إليه، والتي تحدد نطاق التطبيق، بنصها على أن «تسري أحكام هذا المرسوم بقانون على أي شركة عائلية قائمة في الدولة وقت العمل بأحكامه، أو يتم تأسيسها بعد بدء العمل بهذا المرسوم بقانون، ويقرر ملاك يملكون أغلبية حصصها، تسجيلها في السجل كشركة عائلية بموجب أحكامه، وتأخذ أي شكل من أشكال الشركات المنصوص عليها في قانون الشركات بما في ذلك شركة الشخص الواحد أو التشريعات المعمول بها في المناطق الحرة بحسب الأحوال». إذ يشير النص صراحة إلى تسجيل الشركة في السجل كشركة عائلية، الأمر الذي يفصح بجلاء عن ضرورة توافر شرط التسجيل في السجل كمفترض أساسي ولازم لانطباق مفهوم الشركة العائلية.
مدلول الشركة العائلية في القانون رقم (10) لسنة 2021 بشأن حوكمة الشركات العائلية في إمـارة أبو ظبي
طبقاً للمادة الثانية من القانون رقم (10) لسنة 2021 بشأن حوكمة الشركات العائلية في إمارة أبو ظبي، يحدد المشرع نطاق التطبيق، بنصها على أن «تطبق أحكام هذا القانون على الشركة بناءً على رغبة كافة ملاكها أو مؤسسيها أو أفراد العائلة الذين تجمعهم ملكية شركة عائلية تتخذ أحد الأشكال المنصوص عليها في القانون الاتحادي رقم (2) لسنة 2015 المشار إليه، سواءً كانت قائمة وقت العمل بهذا القانون أو يتم تأسيسها بعد العمل بأحكامه، وذلك بناءً على طلب يقدم منهم للدائرة». وهكذا، فقد ورد هذا النص خلواً من اشتراط التسجيل في سجل الشركات العائلية. بل إن هذا القانون لم يتضمن النص على سجل للشركات العائلية. ومن ثم، يبدو سائغاً القول إن التسجيل في سجل الشركات العائلية ليس شرطاً لاعتبار الشركة عائلية.
ولعل هذا الفهم يتأكد من خلال قراءة المادة الثالثة من القانون ذاته، والتي وردت تحت عنوان الشركة العائلية، وتنص على أن «أ. تعد الشركة شركة عائلية مهما كان شكلها القانوني في حال توافرت فيها أي من الحالات الآتية:
- 1. امتلاك أفراد العائلة الواحدة لكامل رأسمال الشركة.
- 2. امتلاك أفراد العائلة الواحدة لشركة مملوكة من قبل عدة أشخاص اعتبارية مملوكة بالكامل من أفراد هذه العائلة.
- 3. امتلاك الشخص المؤسس بمفرده لشركة الشخص الواحد، والذي يخصص كل أو بعض منافعها لمصلحة أفراد عائلته.
- 4. امتلاك العائلة لغالبية رأسمال الشركة أو احتفاظها بأغلبية الأصوات في حال إدخال شركاء من خارج العائلة إلى الحد المنصوص عليه في هذا القانون.
- 5. تخصيص الشركة العائلية جزء من أرباحها لمصلحة المستفيدين وفقاً لما يقرره المؤسسون أو أنظمة الشركة.
ب. تنشأ الشركة العائلية أو يتم تعديل وضعها لتتوافق مع هذا القانون بموجب عقود تأسيسها ونظامها الداخلي وملاحق تلك العقود وفقاً لما ينص عليه القانون الاتحادي رقم (2) لسنة 2015 المشار إليه والأنظمة واللوائح الخاصة بتنظيم الأنشطة الاقتصادية في إمارة أبو ظبي».
العلاقة بين القانون الاتحادي والقانون المحلي
وفقاً للمادة الثالثة البند الرابع من المرسوم بقانون اتحادي رقم (37) لسنة 2022 بشأن الشركات العائلية، «تسري أحكام هذا المرسوم بقانون على الشركات العائلية التي تؤسس في نطاق أي إمارة من إمارات الدولة، ما لم يوجد في تلك الإمارة تشريع محلي يُنظم هذه الشركات، وفي هذه الحالة يقتصر تطبيق أحكام هذا المرسوم بقانون على النواحي التي لم ينظمها أو ينص عليها القانون المحلي، ويجوز للإمارة من خلال التشريع المحلي أو القرارات الصادرة من السلطة المختصة بهذا الشأن، السماح للشركات المسجلة في نطاق ولايتها بالتسجيل في السجل وفق أحكام هذا المرسوم بقانون». وهكذا، يجعل المشرع الاتحادي الأولوية في التطبيق والسريان للقانون المحلي الصادر في الإمارة.