صناعة التشريعات الجنائية في عالم متغير.. تغيير الجنس

بقلم/ الدكتور أحمد عبد الظاهر – أستاذ القانون الجنائي بجامعة القاهرة

 

المقصود بمصطلح «تغيير الجنس» هو خضوع الفرد لعملية جراحية يترتب عليها تغيير أو تحويل جنسه من ذكر إلى أنثى أو من أنثى إلى ذكر. ولعل الحديث عن هذا الموضوع يستدعي إلى الذهن الواقعة التي شهدها المجتمع المصري في سنة 1988م، والمتعلقة بالشاب «سيد» الذي كان آنذاك طالباً في كلية الطب بجامعة الأزهر، وخضع لعملية تحويل جنس من ذكر إلى أنثى، بناء على التقارير الطبية التي تؤكد أن نسبة هرمون الأنوثة أكبر كثيراً من هرمونات الذكورة، والتي لا تتعدى نسبتها لديه ستة في المائة. وبناء على ذلك، قام طالب الطب «سيد» بتغيير اسمه إلى «سالي». ولكن، جامعة الأزهر أصدرت قرارها بفصله، رافضة تحويله إلى كلية الطب بنات. بل إن الجامعة قدمت آنذاك بلاغاً إلى النائب العام، طالبة التحقيق مع الطبيب الذي أجرى العملية الجراحية للطالب «سيد». وبعد التحقيق في الواقعة، وفي سنة 1989م، أصدرت النيابة العامة أمرها بألا وجه لإقامة الدعوى. أما محكمة القضاء الإداري، فقد أيدت قرار الجامعة بفصل الطالب «سيد». ولكن، وبعد ثمانية عشر عاماً على حدوث العملية الجراحية، وفي سنة 2006م، قضت المحكمة الإدارية العليا بأحقية «سالي» في استكمال دراستها بكلية طب البنات بجامعة الأزهر، وألغت بذلك حكم محكمة القضاء الإداري بتأييد قرار الجامعة بفصلها وعدم تحويلها للدراسة بكلية طب البنات في الجامعة.

 

ومنذ واقعة الطالب «سيد» المتحول إلى «سالي»، والذي يعتبر أول متحول جنسياً في مصر، حدثت العديد من وقائع التحول الجنسي، وبعضها يتم التحول فيها من ذكر إلى أنثى كما هو الشأن في حالة الطالب «سيد»، وبعضها يتم التحول من أنثى إلى ذكر. وتفاعلاً مع هذه القضية المجتمعية، قدمت السينما المصرية أعمالا مختلفة عن التحول الجنسي، مثل «الآنسة حنفي» أو «السادة الرجال». كذلك، كثر الحديث مؤخراً في وسائل الإعلام المختلفة عن مرض «اضطراب الهوية الجنسية»، حيث ظهر عديد من الأشخاص يدَّعون أنهم في معاناة حقيقية وحياة مريرة بسبب هذا المرض، وأن الحل الجذري لمشكلتهم هو إجراء عملية جراحية للتحويل إلى الجنس الآخر، زاعمين أن عقولهم وأرواحهم تنتمي إلى الجنس الآخر لكنها تجسدت في الجسد الخطأ، ويصفون العملية الجراحية بـأنها تصحيح للجنس، وليست تغييراً للجنس، تجنباً لتهمة العبث وتغيير خلق الله. ويستشهد هؤلاء بتصريحات لبعض الأطباء تؤكد أن هذا المرض لا يستجيب للعلاج الهرموني ولا العلاج النفسي، بل إنه لا علاج له حتى الآن سوى تغيير الجنس. ومن ثم، يثور التساؤل عما إذا كان ما يطلق عليه مرض «اضطراب الهوية الجنسية» يعد عذراً شرعيّاً أو سبباً قانونياً يجيز إجراء عملية التحويل.

 

وفي الإجابة عن هذا التساؤل، ورغم مرور أكثر من ثلاثة عقود على واقعة الطالب «سيد»، فإن المشرع المصري لم يتدخل لتنظيم الموضوع، سواء بالحظر المطلق أو بالإباحة المشروطة والمقيدة أو بالإباحة غير المشروطة. وبالنظر لأن الموضوع له جوانب طبية وشرعية، لذا فإن أي تنظيم قانوني للموضوع لابد وأن يراعي الأحكام الشرعية والنظريات الطبية في هذا الشأن. كذلك، ولأن الاستهداء والاسترشاد بالتجارب المقارنة يشكل أحد مصادر الصناعة التشريعية، ولاسيما فيما يتعلق بالدول والمجتمعات ذات الظروف النظيرة، لذا نرى من المفيد إلقاء الضوء على خطة التشريعات العربية في هذا الشأن.

 

تصنيف منظمة الصحة العالمية لمرض اضطراب الهوية الجنسية

 

اضطراب الهوية الجنسية، أو ما يسمى باللغة الإنجليزية (Gender Identity Disorder)، والمعروف اختصاراً بـ (GID)، هو تشخيص يطلقه أطباء وعلماء النفس على الأشخاص الذين يعانون من حالة من عدم الارتياح أو القلق حول نوع الجنس الذي ولدوا به، وهو يعتبر تصنيفاً نفسيّاً، يصف المشاكل المتعلقة بالتغير الجنسي وهوية التحول الجنسي والتشبه بالجنس الآخر، وهذا المرض النفسي يعني باختصار أن يجد المريض في نفسه شعوراً لا إراديّاً بأنه ينتمي إلى الجنس الآخر رغم اكتمال خلقته الجسدية وسلامة أعضائه التناسلية.

 

حكم الشرع بشأن تغيير الجنس لعلاج اضطراب الهوية الجنسية

 

في فتواها رقم (94) الصادرة في الخامس من مارس 2013م، ورداً على السؤال المحال إليها من وزارة الصحة بتاريخ 13 فبراير 2013م تحت رقم (و ص د/ م و 28/ 2013) لبيان الحكم الشرعي في تغيير وتصحيح الجنس، أكدت اللجنة الشرعية بالهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف في دولة الإمارات العربية المتحدة أن السؤال يتضمن موضوعين، يختلف الحكم الشرعي يختلف في كل واحد منهما عن الآخر، وفيما يلي بيان لحكم كل منهما.

«الموضوع الأول: تغيير الجنس: وهذا يخص الشخص الذي يكون انتماؤه الجنسي واضحاً ذكورة وأنوثة، وهو الشخص الذي تتطابق ملامحه الجسدية الجنسية مع خصائصه الفسيولوجية والبيولوجية ولا يوجد اشتباه في انتمائه الجنسي – ذكر أو أنثى – فمثل هذا شخص لا يجوز العمل – أو محاولة العمل – على تغيير جنسه، فلا يجوز تغيير الخصائص الجنسية والجسدية لغرض تغيير صفة الشخص، من ذكر لأنثى أو العكس. لأن في ذلك تغييراً لخلق الله تعالى، وهذا يعد في الشرع جريمة يستحق فاعلها العقوبة، لأن من جملة ما يترتب عليها من أضرار: أنها تؤدي إلى خلل في كثير من الحقوق المستقرة: الشرعية منها والقانونية والاجتماعية، وقد وصف الله تعالى في كتابه تغيير خلق الله بأنه من عمل الشيطان الذي يوسوس به ويأمر به من يريد إضلاله، ووصف من يستجيب لوساوسه بأنه من أولياء الشيطان الخاسرين. وقد جاء الخبر عما يقوله الشيطان لأتباعه في قوله تعالى: وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ۚ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا [سورة النساء: الآية 119].

الموضوع الثاني: تصحيح الجنس. وهذا يخص الذي يكون انتماؤه الجنسي غامضاً، فهو مشتبه في أمره: بين أن يكون ذكراً أو أنثى، وذلك كأن تكون له ملامح جسدية جنسية مخالفة للخصائص الفسيولوجية والبيولوجية للشخص – كمن تدل ملامحه على أنه ذكر بينما هو في الحقيقة أنثى أو العكس -، وكذلك الحال بالنسبة لمن اجتمع في أعضائه علامات الذكور والإناث، أو تكون له ملامح غير واضحة، ولا تدل على جنس بعينه، فهذه الحالات الشاذة عن الخلقة السوية تعد حالة مرضية، لذلك يجوز أن تعالج بالعلاج الطبي المناسب الذي يزيل الاشتباه في جنسه، ويلحقه بالجنس الذي ينتمي إليه حقيقة – ذكراً كان أو أنثى – فتصحيح الجنس يجوز لأنه علاج يقصد منه الشفاء من حالة مرضية وليس تغييراً لخلق الله تعالى.

والخلاصة: إن عمليات تغيير الجنس – التي يقصد بها التغيير في خصائص الشخص الجنسية والجسدية بحيث يتم بموجب ذلك تغيير الشخص من ذكر لأنثى أو العكس – فهذه عمليات محرمة لأن في ذلك تغيير لخلق الله تعالى المحرم في الشرع أشد التحريم. أما عمليات تصحيح الجنس – التي تعني التدخل الطبي المناسب لتعديل خلل جسدي عضوي في الشخص أدى إلى غموض في تحديد جنسه – فهذه جائزة شرعاً لأنها علاج لحالة مرضية يقصد بها إزالة الاشتباه في الانتماء الجنسي للشخص، ليلحق بالجنس الذي ينتمي إليه حقيقة – ذكراً أو أنثى -، فهذا ليس تغييراً لخلق الله وإنما هو علاج يقصد به طلب الشفاء، وذلك مطلوب شرعاً، وأما الميولات الجنسية فلا عبرة بها ولها علاجها الخاص بها. مع ملاحظة ما يأتي:

1. أن يتم التثبت من أن الدلائل الطبية – المعتمدة في تعيين الجنس – تؤكد كلها أو غالبها على أن هذا الشخص هو ذكر في حقيقته أو هو في الحقيقة أنثى.

2. إن الشخص الغامض الانتماء إلى جنس معين يسمى في الفقه والقانون: (الخنثى المشكل) وله في كثير من شؤونه أحكام خاصة به، وقد يترتب على تصحيح جنسه أحكام شرعية مغايرة، وكذلك حقوق قانونية واجتماعية ومالية، ولذلك فإنه قبل الإقدام على عملية تصحيح الجنس لا بد من أخذ الموافقة على ذلك من الجهات المعنية: القضائية وغيرها.

3. بعد حصول القناعة الطبية – من حقيقة الجنس الذي ينتمي إليه الشخص المشتبه في ذكورته وأنوثته وبعد حصول الموافقة من الجهات المعنية على تصحيح الجنس، فإنه يجوز عندئذ القيام بالتدخل الطبي المناسب – سواء الجراحي وغيره – لإزالة الاشتباه في ذكورة الشخص الذي هو في الحقيقة ذكراً، أو إزالة الاشتباه في أنوثته إذا كان هو في الحقيقة أنثى، ويباح في هذه الحالة بعض المحظورات التي تدعو إليها ضرورة قيام المعالج بعمله كالنظر إلى العورة ونحو ذلك، فقد نص على هذا الفقهاء: ومن ذلك ما جاء في الثمر الداني شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني أنه (يجوز للطبيب والجراح النظر إلى موضع العلة وإن كانت عورة)، وذكر ابن الحاج في المدخل: أنه (يجوز عند العلماء كشف العورة للطبيب سواء كان المريض ذكراً أو أنثى)» (يراجع: فتوى شرعية بشأن حكم جراحة تصحيح الجنس، الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف، الإمارات العربية المتحدة، 22/ 4/ 1434ه الموافق 5 مارس 2013م، فتوى رقم 94).

 

وفي السادس والعشرين من فبراير 2013م، وبموجب الكتاب رقم (13/ 185/ DG)، طلبت مدير عام هيئة الصحة في إمارة أبو ظبي من رئيس الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف بيان الضوابط الشرعية في جراحة تصحيح الجنس، مؤكدة أن التشريعات الوضعية آنذاك في دولة الإمارات العربية المتحدة في المجال الطبي قد خلت من أي أحكام تتعلق بإجازة أو عدم إجازة جراحة تصحيح الجنس (من ذكر إلى أنثى أو من أنثى إلى ذكر). وحيث إن الهيئة وفق قانون إنشائها هي الجهة التنظيمية في المجال الصحي في إمارة أبو ظبي وقد عرضت عليها حالات تصحيح جنس من أنثى إلى ذكر بناء على تقارير طبية مؤكدة للحالة. وعليه تأمل الهيئة موافاتها بالضوابط الشرعية في مجال تصحيح الجنس حتى يمكن تضمينها لسياسات الجراحات المقررة في القطاع الصحي في إمارة أبو ظبي.

 

ورداً على ذلك، وبتاريخ العشرين من مايو 2013م، وبموجب الكتاب رقم (12/ م م ع)، ذكر رئيس الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف توضيحات اللجنة الشرعية في هذا الشأن، مؤكداً ما يلي:

أولاً: إن أخذ موافقة الجهات القضائية تعد ضرورية قبل الإقدام على إجراء عملية تصحيح الجنس بالنسبة للقاصر الذي ليس له ولي فإن القاضي ولي من لا ولي له.

ثانياً: إن أخذ موافقة الجهات القضائية تعد ضرورية قبل الإقدام على إجراء عملية تصحيح الجنس بالنسبة لغير القاصر من أجل المحافظة على حقوق المريض، والاحتراز من استعمال مستند التصحيح الصادر عن الجهات الطبية بشكل خاطئ أو غير مشروع، لأن عمليات تصحيح الجنس تتغير بها أحكام يجب التحفظ بشأنه والاحتياط لها وبعضها أحكام تتعلق بالأنساب والأعراض.

ثالثاً: إن جميع ما ورد في الفتوى المشار إليها يعد حكماً عاماً، ولا بد من إحالة كل حالة مرضية تستدعي تصحيح الجنس وعرضها على لجنة متخصصة تقوم بمنح الإذن الخاص لكل حالة وتتأكد من مطابقتها للمعايير والضوابط الشرعية والقانونية والقضائية والإدارية.

وعليه يمكن تحديد الجهات المعنية بعملية تصحيح الجنس، وتشكيل اللجنة المذكورة من الخبرات التالية:

1. خبير طبي.

2. خبير قضائي.

3. خبير شرعي.

4. خبير قانوني.

5. خبير نفسي.

6. خبير في الإجراءات الإدارية المتعلقة بإثبات الهوية الشخصية والوثائق الأخرى.

 

من ناحية أخرى، وفي الفتوى الصادرة عنه والمنشورة على الموقع الالكتروني له، أفتى فضيلة الدكتور علي جمعة، مفتي الديار المصرية السابق بعدم جواز إجراء العملية الجراحية التي تسمى «تحويل الجنس أو تغييره أو تصحيحه» إلا في حالة الخنثى الذي اجتمعت فيه أعضاء جسدية تخص الذكور والإناث (كآلة التناسل مثلا)، كما يتضح أنه لا يجوز شرعا الاعتماد في تحديد هوية (الخنثى المشكل) الجنسية على سلوكه وميوله إلا في حالتين: الأولى: عند العجز عن التحديد بناء على العلامات المادية المذكورة، والثانية: إذا لم يكن له ذكر رجل ولا فرج أنثى، وفيما عدا هاتين الحالتين لا يجوز إلحاقه بأي الجنسين بناء على ميوله القلبية أو ما يمكن أن يعبر عنه اليوم بالإحساس الداخلي بأن روحه تنتمي إلى الجنس الآخر. وفي بيان الأسانيد والحجج الشرعية لهذه الفتوى، أورد ما يلي:

أولاً: الإنسان لا يملك جسده ملكا حقيقيا ولا يجوز له بالتالي التصرف في أعضاء جسده

حقيقة الإنسان أنه كائن فقير وضعيف، فهو في حاجة دائمة إلى أن يستمد وجوده ومقومات حياته من خالقه الذي أوجده في هذه الدنيا، وقد أمر الله تعالى رسوله الكريم صلى الله عليه وآله وسلم بإظهار حقيقة الإنسان وحقيقة ما يملكه قائلا: {وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} [النساء: 28]، {قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ} [يونس: 49]، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ 15 إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ 16 وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ } [فاطر: 15 – 17]، وقد يتوهم الإنسان لنفسه ملكية حقيقية يدعيها جاهلاً مفتوناً على خلاف واقع الأمر كما قال تعالى: {فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [الزمر: 49]، وروى الترمذي في سننه عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ». وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال له: «فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا».

 

فدلت هذه النصوص الشرعية على أن الإنسان لا يملك جسده ملكا حقيقيا؛ لأنه مسؤول عنه أمام الله تعالى، ومجازى على تصرفه فيه وما اقترفه من ظلم في حق نفسه وجسده، بينما المالك الحق لا يُسأل ولا يُجازى على ما فعل في ملكه، قال تعالى: {قُلِ اللهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ} [آل عمران: 26]، وقال تعالى: {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء: 23]، وكما تدل محاسبة الإنسان على ماله – من أين اكتسبه وفيما أنفقه – على أنه لا يمتلكه ملكا حقيقيا يبيح له حرية التصرف المطلقة، فكذلك تدل محاسبته على جسده فيما أبلاه.

 

يقول ابن الحاج المالكي في «المدخل» (1 /132، ط. دار التراث): «وإن كان للإنسان أن يتصرف في ماله لكن تصرفا غير تام محجوراً عليه فيه؛ لأنه لا يملك الملك التام؛ لأنه أبيح له أن يصرفه في مواضع ومنع أن يصرفه في مواضع، فالمال في الحقيقة ليس هو ماله وإنما هو في يده على سبيل العارية على أن يصرفه في كذا ولا يصرفه في كذا، وهذا بيِّن منصوص عليه في القرآن والحديث» اهـ.

 

وعلى هذا الأساس، لا يحق للإنسان التصرف في أعضاء جسده إلا في حدود ما بينت شريعة الإسلام إباحته بنص خاص أو بنص عام، قال تعالى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ 116 فَتَعَالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ} [المؤمنون: 115،116]، فالإنسان لم يخلق عبثًا ولن يترك سدى بلا أمر ونهي وحساب، فإنه عبد مكلف في الحياة الدنيا بمهام محددة يؤديها ويثاب أو يعاقب بناء على ما عمل، {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [التوبة: 105].

 

الأصل في التدخل الجراحي في الأعضاء التناسلية هو المنع إلا للضرورة

فيما يتعلق بالتدخل الجراحي في أعضاء الإنسان التناسلية، فأصله المنع إلا للضرورة أو الحاجة التي تنزل منزلة الضرورة؛ لأن الشريعة الإسلامية قد حرمت الخصاء وما في معناه لكونه تغييرا لخلق الله تعالى، قال عز وجل: {إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا 117 لَعَنَهُ اللهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا 118 وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آَذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا} [النساء: 117-119]، فالقرآن الكريم يوضح أن تغيير خلق الله تعالى محرم؛ لأنه امتثال لأمر الشيطان وولاء له من دون الله وخسران مبين، والخصاء ونحوه تغيير لخلق الله، ومخالفة لفطرته التي فطر الناس عليها فهو حرام، وقد جاء في التفسير عن ابن عباس وأنس بن مالك رضي الله عنهم وأيضا عن غيرهما من السلف الصالح، أن المراد بتغيير خلق الله الوارد في الآية الكريمة: هو الخصاء. (انظر: تفسير الإمام الطبري، جامع البيان 9 /215- 216، ط. مؤسسة الرسالة)، لكن إذا كان في الجراحة بتر بعض أعضاء الجسد للإبقاء على الحياة مثلا أو منافع سائر الأعضاء، فالقاعدة أن الضرورات تبيح المحظورات، وأنه إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضررًا بارتكاب أخفهما. (انظر: الأشباه والنظائر للسيوطي ص 84، 87، ط دار الكتب العلمية).

 

ثالثاً: عدم جواز تصحيح الجنس سوى في حالة الخنثى وفق التحديد الوارد في كتب الفقه

اضطراب الهوية الجنسية لبعض الأشخاص مشكلة معروفة منذ زمن قديم سابق لعصور الإسلام، لكن معناها أن تجتمع في الشخص الواحد علامات ومؤشرات شكلية وسلوكية للذكورة والأنوثة مع تفاوت في نسبة ذلك بين مريض وآخر، غير أن هذه المشكلة لها حالتان: فقد تكون مشكلة فعلية لا دخل لإرادة الشخص فيها؛ وقد تكون مفتعلة بإرادته، ولكل حالة من هاتين حكم وعلاج. ويسمى من ابتلي بهذا الاضطراب (خنثى) إذا كان الاضطراب جسدياً شكلياً فكانت له آلة تناسل الذكر والأنثى، فإذا استحكم اللبس وأشكل الأمر بحيث لم يعلم أيهما الأصل وأيهما الزائد سمي: (خنثى مشكل) وكذا إذا لم يكن له آلة أصلاً.

 

وقد ذكر الفقهاء أن ترجيح جنس الخنثى المشكل بميوله القلبية لا يعتبر إلا في حالتين؛ الأولى: عند العجز عن علامات ظاهرة، والثانية: إذا كان ليس له ذكر رجل ولا فرج أنثى، وفيما عدا هاتين الحالتين لا يجوز إلحاقه بأي الجنسين بناء على ميوله القلبية أو ما يمكن أن يعبر عنه اليوم بالإحساس الداخلي بأن روحه تنتمي إلى الجنس الآخر (انظر: روضة الطالبين للنووي، 1 /79، ط. المكتب الإسلامي).

 

وجاء في «الأشباه والنظائر» للسيوطي (ص241- 242): «قال النووي: الخنثى ضربان: ضرب له فرج المرأة، وذكر الرجال. وضرب ليس له واحد منهما. بل له ثقبة يخرج منها الخارج، ولا تشبه فرج واحد منهما، فالأول: يتبين أمره بأمور: أحدها: البول، فإن بال بذكر الرجال وحده: فرجل، أو بفرج النساء: فامرأة، أو بهما اعتبر بالسابق، إن انقطعا معًا. وبالمتأخر إن ابتدآ معًا، فإن سبق واحد، وتأخر آخر: اعتبر بالسابق، فإن اتفقا فيهما فلا دلالة في الأصح، ولا ينظر إلى كثرة البول من أحدهما، ولا إلى التزريق بهما، أو الترشيش. الثاني، والثالث: خروج المني والحيض في وقت الإمكان. فإن أمنى بالذكر، فرجل، أو الفرج أو حاض، فامرأة. بشرط أن يتكرر خروجه ليتأكد الظن به، ولا يتوهم كونه اتفاقيا. كذا جزم به الشيخان. قال الإسنوي: وسكوتهما عن ذلك في البول يقتضي عدم اشتراطه فيه. والمتجه: استواء الجميع في ذلك، قال: وأما العدد المعتبر في التكرار فالمتجه: إلحاقه بما قيل في كلب الصيد: بأن يصير عادة له. فإن أمنى بهما، فالأصح أنه يستدل به، فإن أمنى نصفه مني الرجال فرجل، أو نصفه مني النساء، فامرأة، فإن أمنى من فرج الرجال نصفه منيهم ومن فرج النساء نصفه منيهن، أو من فرج النساء نصفه مني الرجال، أو عكسه، فلا دلالة، وكذا إذا تعارض بول وحيض، أو مني بأن بال بفرج الرجال، وحاض أو أمنى بفرج النساء. وكذا إذا تعارض المني والحيض في الأصح. الرابع: الولادة. وهي تفيد القطع بأنوثته، وتقدم على جميع العلامات المعارضة لها. قال في شرح المهذب: ولو ألقى مضغة وقال القوابل: إنه مبدأ خلق آدمي: حكم به. وإن شككن دام الإشكال. قال: ولو انتفخ بطنه، وظهرت أمارة حمل: لم يحكم بأنه امرأة، حتى يتحقق الحمل. قال الإسنوي: والصواب الاكتفاء بظهور الأمارة فقد جزم به الرافعي في آخر الكلام على الخنثى. وتبعه عليه في الروضة. كذا في شرح المهذب في موضع آخر وهو الموافق الجاري على القواعد المذكورة في الرد بالعيب، وتحريم الطلاق، واستحقاق المطلقة النفقة، وغير ذلك. الخامس: عدم الحيض في وقته علامة على الذكورة، يستدل بها عند التساوي في البول نقله الإسنوي عن الماوردي، قال: وهي مسألة حسنة قل من تعرض لها. السادس: إحباله لغيره، نقله الإسنوي عن العدة، لأبي عبد الله الطبري، وابن أبي الفتوح وابن المسلم. قال: ولو عارضه حبله قدم على إحباله، حتى لو وطئ كل من المشكلين صاحبه» فأحبله، حكمنا بأنهما أنثيان، ونفينا نسب كل منهما عن الآخر. السابع: الميل ويستدل به عند العجز، عن الأمارات، السابقة، فإنها مقدمة عليه، فإن مال إلى الرجل فامرأة، أو إلى النساء فرجل، فإن قال: أميل إليهما ميلا واحدا، ولا أميل إلى واحد منهما، فمشكل. الثامن: ظهور الشجاعة، والفروسية، ومصابرة العدو، كما ذكره الإسنوي تبعا لابن المسلم. التاسع إلى الثاني عشر: نبات اللحية، ونهود الثدي، ونزول اللبن، وتفاوت الأضلاع في وجه. والأصح أنها لا دلالة لها. وأما الضرب الثاني -أي الذي ليس له ذكر رجل ولا فرج أنثى- ففي شرح المهذب عن البغوي: أنه لا يتبين إلا بالميل. قال الإسنوي: ويتبين أيضا بالمني المتصف بأحد النوعين، فإنه لا مانع منه. قال: وأما الحيض، فيتجه اعتباره أيضا. ويحتمل خلافه؛ لأن الدم لا يستلزم أن يكون حيضا، وإن كان بصفة الحيض، لجواز أن يكون دم فساد بخلاف المني» اهـ.

 

أما إذا كان الاضطراب اللاإرادي والمشابهة عارضة للسلوك والكلام والحركات، فيسمى المبتلى مخنَّثا (بفتح النون المشددة) إذا كان ذكرا، ومُتَرَجِّلَة إذا كانت أنثى، ولا يلحق هذا المبتلي عقاب ولا لوم إلا إذا أمكنه دفع هذا الاضطراب فلم يفعل.

 

رابعاً: المخنثون والمترجلات بإرادتهم المتشبهون بالجنس الآخر ملعونون بنص الحديث

أما من افتعل هذا الاضطراب، بأن يتشبه بالجنس الآخر، فإن كان رجلا سمي مخنَّثا (بالفتح) وقيل: بل مخنِّثا (بكسر النون المشددة)، وإن كانت امرأة سميت مترجلة، وفي الحديث الشريف الذي أخرجه البخاري في صحيحه عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَعَنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المُخَنَّثِينَ مِنَ الرِّجَالِ، وَالمُتَرَجِّلاتِ مِنَ النِّسَاءِ، وَقَالَ: «أَخْرِجُوهُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ» قَالَ: فَأَخْرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فُلانًا، وَأَخْرَجَ عُمَرُ فُلانًا. (رواه البخاري)، وفي رواية أخرى للحديث توضح أن المقصود بالمخنثين والمترجلات المتشبهون بالجنس الآخر بافتعال وتصنع واختيار، جاء فيها: «لَعَنَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ، وَالمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَال».

 

يقول الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» (10 /332، ط دار المعرفة): «قال الطبري: المعنى لا يجوز للرجال التشبه بالنساء في اللباس والزينة التي تختص بالنساء ولا العكس. قلت: وكذا في الكلام والمشي فأما هيئة اللباس فتختلف باختلاف عادة كل بلد فرب قوم لا يفترق زي نسائهم من رجالهم في اللبس لكن يمتاز النساء بالاحتجاب والاستتار، وأما ذم التشبه بالكلام والمشي فمختص بمن تعمد ذلك، وأما من كان ذلك من أصل خلقته فإنما يؤمر بتكلف تركه والإدمان على ذلك بالتدريج فإن لم يفعل وتمادى دخله الذم ولا سيما إن بدا منه ما يدل على الرضا به، وأخذ هذا واضح من لفظ المتشبهين وأما إطلاق من أطلق كالنووي وأن المخنث الخلقي لا يتجه عليه اللوم فمحمول على ما إذا لم يقدر على ترك التثني والتكسر في المشي والكلام بعد تعاطيه المعالجة لترك ذلك وإلا متى كان ترك ذلك ممكنا ولو بالتدريج فتركه بغير عذر لحقه اللوم» اهـ.

 

فالاضطراب المفتعل انحراف سلوكي يقتضي التعزير والردع وإعادة تأهيل المنحرف، فإذا تجاوز افتعال الاضطراب والتشبه بالجنس الآخر حد السلوك إلى حد إجراء عملية جراحية من أجل التشبه بالجنس الآخر، كان هذا التصرف جريمة لا يجوز الإقدام عليها طلبا وفعلا تستحق العقوبة؛ لأنه تغيير لخلق الله وكفر لنعمته وتشويه وإضرار بالنفس غير جائز شرعا، ويقال في هذا ما قاله العلماء عن جراحة الخصاء وما شابهها.

 

خامساً: النهي الشرعي عن الخصاء دال على تحريم تغيير الجنس

يقول الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» (9 /119): «قوله: (فنهانا عن ذلك) – أي عن الخصاء – هو نهي تحريم بلا خلاف في بني آدم لما تقدم، وفيه أيضا من المفاسد تعذيب النفس والتشويه مع إدخال الضرر الذي قد يفضي إلى الهلاك، وفيه إبطال معنى الرجولية وتغيير خلق الله وكفر النعمة؛ لأن خلق الشخص رجلا من النعم العظيمة فإذا أزال ذلك فقد تشبه بالمرأة واختار النقص على الكمال» اهـ.

 

ويقول الإمام القرطبي في تفسيره (الجامع لأحكام القرآن 5 /391، ط. دار الشعب): «وأما الخصاء في الآدمي فمصيبة فإنه إذا خصي بطل قلبه وقوته عكس الحيوان وانقطع نسله المأمور به في قوله عليه السلام: «تناكحوا تناسلوا فإني مكاثر بكم الأمم»، ثم إن فيه ألما عظيما ربما يفضي بصاحبه إلى الهلاك فيكون فيه تضييع مال وإذهاب نفس وكل ذلك منهي عنه، ثم هذه مُثْلة وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن المثلة، وهو صحيح وقد كره جماعة من فقهاء الحجازيين والكوفيين شراء الخصي من الصقالبة وغيرهم وقالوا: لو لم يشتروا منهم لم يخصوا، ولم يختلفوا أن خصاء بني آدم لا يحل ولا يجوز لأنه مُثْلَةٌ وتغيير لخلق الله تعالى وكذلك قطع سائر أعضائهم في غير حد ولا قود، قاله أبو عمر» اهـ.

 

أما الاضطراب اللاإرادي فهو ابتلاء مرضي ينبغي علاجه ويراعى في معالجته استقراء علامات الذكورة والأنوثة العضوية فتتحدد هوية المريض بناء على ذلك، ويجوز حينئذ إجراء العملية الجراحية وما تتطلبه من علاج بعد تحديد الهوية الجنسية لإبراز الهوية الحقيقية، وإزالة العناصر العضوية والآثار النفسية التي سببت اضطراب الهوية الجنسية للمريض؛ لأن القاعدة الشرعية أن (الضرر يزال)، ولا شك أن هذا التشابه والالتباس ضرر، فإزالته واجبة قدر الاستطاعة؛ لأن تركه مع إمكان دفعه يوقع صاحبه في إثم التشبه بالجنس الآخر المستوجب للَّعن.

 

وبناء على ما سبق فإنه لا يجوز إجراء العملية الجراحية التي تسمى: تحويل الجنس أو تغييره أو تصحيحه إلا في حالة الخنثى الذي اجتمعت فيه أعضاء جسدية تخص الذكور والإناث (كآلة التناسل مثلا)، كما يتضح أنه لا يجوز شرعا الاعتماد في تحديد هوية (الخنثى المشكل) الجنسية على سلوكه وميوله إلا في حالتين: الأولى: عند العجز عن التحديد بناء على العلامات المادية المذكورة، والثانية: إذا لم يكن له ذكر رجل ولا فرج أنثى، وفيما عدا هاتين الحالتين لا يجوز إلحاقه بأي الجنسين بناء على ميوله القلبية أو ما يمكن أن يعبر عنه اليوم بالإحساس الداخلي بأن روحه تنتمي إلى الجنس الآخر. هذا وإنَّ فشل أطباء الغرب ومقلديهم في الشرق في علاج من يسمونهم مرضى (اضطراب الهوية الجنسية) نفسيّاً لا يقتضي التسليم التام بأنه لا علاج لهم سوى العملية الجراحية ومسخ آدميتهم، فماذا لو كان فهم الإسلام والتزام شريعته وآدابه يعتبر ركنا أصيلا في علاج المرضى الذين يريدون العلاج حقا، لا الذين يتبعون شهواتهم الشيطانية الشاذة، ويريدون الاعتراف بشرعية جريمتهم في حق أنفسهم وفي حق الآدمية وفي حق الخالق عز وجل، ومهما أجرى المخنث من عمليات جراحية لتحويله صوريّاً إلى الجنس الآخر لم يتحول شرعًا، ولا يُعطى الحقوق المادية أو المعنوية إلا المناسبة لحقيقته قبل عمليات المسخ والتشويه التي أجراها.

يراجع: د. علي جمعة، فتوى عن تغيير الجنس لعلاج اضطراب الهوية الجنسية، منشورة على الموقع الالكتروني للدكتور علي جمعة، الاثنين الموافق 2 نوفمبر 2016م.

 

خلو المنظومة القانونية المصرية من قانون ينظم التحول الجنسي

 

في حكمها الصادر بتاريخ الرابع والعشرين من يناير 2016م، قضت محكمة القضاء الإداري الدائرة الثانية برفض الدعوى المقدمة من المدعية بتمكينها من تغيير اسمها ونوعها بقيودات الأحوال المدنية. وتتلخص واقعات الدعوى – حسبما هو وارد في صحيفتها – في أن المدعية ولدت في الثلاثين من أكتوبر سنة 1982م، بصفتها أنثى، إلا أنها عانت من اضطرابات الهوية الجنسية (التحول الجنسي)، الأمر الذي حدا بها إلى عرض نفسها على نقابة أطباء مصر، وبعد إجراء التحاليل والفحوصات الطبية، قررت اللجنة المختصة بالنقابة بتاريخ الثاني والعشرين من نوفمبر 2012م الموافقة على تصحيح جنسها من أنثى إلى ذكر. وبتاريخ التاسع والعشرين من أكتوبر 2013م، تم إجراء عملية تصحيح الجنس من أنثى إلى ذكر في مركز الدقي التخصصي. وعلى أثر ذلك، تقدمت بطلب تصحيح وتغيير قيد لمصلحة الأحوال المدنية، وذلك لتحويل نوعها من أنثى إلى ذكر، واسمها من «نوران….» إلى «أيدين….»، بغية استخراج بطاقة رقم قومي لها على هذا النحو، إلا أن جهة الإدارة امتنعت برغم حدوث حالات مماثلة. ونعت المدعية على قرار جهة الإدارة المطعون فيه مخالفته للدستور والقانون، فضلاً عن بقائها تحمل بطاقة شخصية تحوي بيانات مخالفة للواقع والحقيقة يضر بها أشد الضرر، حيث يترتب على ذلك حرمانها من حق الزواج، وكذا الحق في العمل، وكذا التنقل والسفر والإقامة لعدم تطابق اسمها الموجود ببطاقتها الشخصية مع اسمها الحقيقي بما يتوافر معه ركن الاستعجال في طلب وقف تنفيذ القرار المطعون فيه، الأمر الذي حدا بها إلى إقامة الدعوى الماثلة بغية الحكم لها بطلباتها سالفة البيان.

 

وقد تدوول نظر الدعوى بجلسات التحضير أمام هيئة مفوضي الدولة على النحو الثابت بمحاضر جلساتها، وقد أودعت هيئة المفوضين تقريراً مسبباً بالرأي القانوني في الدعوى ارتأت للأسباب الواردة به الحكم أصلياً تمهيدياً وقبل الفصل في موضوع الدعوى بإحالة الدعوى إلى مصلحة الطب الشرعي بوزارة العدل ليندب بدوره لجنة ثلاثية من خبرائه المتخصصين في الموضوع لمباشرة المأمورية الواردة بالأسباب، واحتياطياً: بقبول الدعوى شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء القرار المطعون فيه، مع ما يترتب على ذلك من أثار.

 

وتدوولت الدعوى بجلسات المرافعة أمام محكمة أول درجة، على النحو المبين بمحاضر جلساتها، وبجلسة الرابع والعشرين من يناير 2016م، أصدرت المحكمة حكمها برفض الدعوى. وقد شيدت المحكمة قضاءها – بأن الثابت من مطالعة تقرير الإدارة المركزية للمعامل الطبية الشرعية بمصلحة الطب الشرعي المؤرخ 9/2/2014 المرفق بتقرير مصلحة الطب الشرعي المقدم ضمن حافظة مستندات جهة الإدارة بجلسة المرافعة المنعقدة بتاريخ 1/2/2015 أنه قد اثبت نتيجة التحليلي المعملي للبصمة الوراثية للحمض النووي المستخلص من عينة دماء المدعية وانتهى إلى أن “البصمة الوراثية لاثني تحمل الكروموسوم (XX)، وبالتالي فان الثابت بيقين أن المدعية كانت تعاني من حالة اضطراب الهوية الجنسية وهي في الأساس حالة من حالات المرض النفسي، وهو ما أكد عليه الأستاذ الدكتور/ طارق احمد عكاشة أستاذ الطب النفسي في تقريره المؤرخ 18/6/2007 والمشار إليه في تقرير مصلحة الطب الشرعي سالف الذكر، ومن ثم فإن سبق ذكر جميعاً يقطع بأن المدعية هي في حقيقة خلقها أنثى مكتملة الأنوثة من ناحية الأعضاء الداخلية والخارجية، وأنه وإن تم استئصال الثديين وزرع جزء مشكل على هيئة قضيب بطول 9 سم وعرض حوالي 2 سم بموضع النظر فقد كان ذلك دون إمكانية وجود خصيتين والمسئوليتين عن الإنجاب عند الرجال، وفي المقابل تم الاحتفاظ للمدعية بفتحة البول في الوضع الأنثوي والشفران الغليظان الدقيتان موجودان وأيضا فتحة المهبل موجودة، وبالتالي فإن ما تم في حقيقة الواقع من عملية جراحية للمدعية لم تكن علاجاً من مرض عضوي يقتضي تصحيح الجنس، وإنما كان لمعالجة المدعية مما تشعر به من ألم نفسي وليد إحساسها بالانتماء إلى جنس الذكر، وهي حالة نفسية كانت تقتضي العلاج النفسي دون إجراء عملية تغيير الجنس التي تعد في تلك الحالة من قبيل التلاعب بخلقة الله المنهي عنه في الشريعة الإسلامية، والذي لا سبيل للمحكمة إلا الاحتكام إليها في ظل خلو التشريعات القائمة من تنظيم لعمليات تصحيح وتغيير الجنس، وذلك تطبيقاً مباشراً لنصوص أحكام الدستور التي اعتبرت مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الأساسي للتشريع، ولا يحاج على ذلك بالادعاء بالحرية الشخصية للفرد في أن يحقق ما يراه نافعا له، فتلك الحرية مقيدة بعدم الأضرار بالآخرين ولا ريب في أن تغيير الشخص لجنسه على خلاف حقيقة خلق الله له إنما يؤدي إلى آثار خطيرة في الزواج والطلاق والميراث وهي أضرار يتعدى أثرها إلى غيره، ومن ثم يكون القرار المطعون فيه برفض طلب المدعية تغيير جنسها من أنثى إلى ذكر واسمها من «نوران …» إلى «ايدين ….» قد جاء قائماً على صحيح حكم القانون، وهو ما تقضي معه المحكمة برفض الدعوى.

 

وإزاء خلو الوضع القانوني الراهن في مصر من وجود تنظيم قانوني لعمليات تغيير الجنس، أهابت محكمة القضاء الإداري بمجلس النواب إصدار قانون ينظم التحول الجنسي. وقالت المحكمة إن حرية الإنسان ليست مطلقة في تغيير جنسه في ظل الوضع القانوني الراهن في مصر الذي خلا من وجود تنظيم قانوني لعمليات تغيير الجنس يحدد حالات إجراؤها كضرورة طبية علاجية. وقالت المحكمة باعتبار مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، فإن التصور الإسلامي لحرية تغيير الجنس فرق بين عمليات تصحيح الجنس وعمليات تغيير الجنس حيث أباح جمهور رأي الفقهاء شرعا عمليات تصحيح الجنس باعتبارها علاجا للمرضى الذين يعانون اضطرابات عضوية كحالات الخنثى الذكرية والخنثى الأنثوية. وقالت المحكمة: «أما عمليات تغيير الجنس التي تتم للمرضى الذين يعانون من اضطرابات الهوية الجنسية وهو الإحساس الداخلي بالأنوثة أو الذكورة وهو ما يسمى بالجنس العقلي وهو في حقيقته تغيير من وضع سليم إلى خاطئ فكان إجماع الفقهاء على تحريم عمليات تغيير الجنس لما تنطوي عليه من تغيير خلق الله». وأشارت المحكمة إلى أن التقارير الطبية الواردة في الدعوى قطعت بأن «نوران» في حقيقة خلقها أنثى مكتملة الأنوثة من ناحية الأعضاء الداخلية والخارجية، مؤكدة أنه ثبت للمحكمة أن ما تم للمدعية من عملية جراحية لم تكن علاجا من مرض عضوي يقتضي تصحيح الجنس. وقالت «كانت حالة نوران تقتضي العلاج النفسي دون إجراء عملية تغيير الجنس التي تعد تلاعبا في خلق الله منهي عنه في الشريعة الإسلامية». وقالت المحكمة إنها ترى أن يسند الاختصاص في حسم الأمر الطبي لراغبي التحول جنسيا لمصلحة الطب الشرعي، وليست نقابة الأطباء التي لا تتعدى كونها نقابة مهنية تقوم على رعاية شؤون أعضائها. وأهابت المحكمة بمجلس النواب أن ينهض إلى تحمل التزاماته التشريعية بإصدار تشريع يحمي حرمة جسد الإنسان والعبث به دون مقتضى على خلاف أحكام الدين الإسلامي، حماية للنظام العام، على أن يبين ذلك التشريع الجهة القانونية الرسمية بالدولة التي تصدر التصاريح اللازمة لإجراء عمليات تصحيح الجنس (حكم محكمة القضاء الإداري بالقاهرة – الدائرة الثانية، 24 يناير 2016م، الدعوى رقم 80419 لسنة 68 ق).

 

التحول الجنسي في خطة التشريعات العربية

 

باستقراء الوضع في التشريعات العربية، يبدو مستساغاً التمييز بين اتجاهين: أولهما، اتجاه التشريعات المنظمة للتحول الجنسي. أما ثانيهما، اتجاه التشريعات الخالية من تنظيم لعمليات التحول الجنسي. وسنحاول فيما يلي إلقاء الضوء على كل اتجاه منهما:

 

اتجاه التشريعات المنظمة للتحول الجنسي

في دولة الإمارات العربية المتحدة، على سبيل المثال، ورد تنظيم عمليات تعديل الجنس في المرسوم بقانون اتحادي رقم (4) لسنة 2016 بشأن المسؤولية الطبية، مميزاً في هذا الشأن بين مصطلح «تغيير الجنس» ومصطلح «تصحيح الجنس». وتحدد المادة الأولى من المرسوم بقانون اتحادي المشار إليه المقصود بكل مصطلح منهما. بيان ذلك أن المقصود بمصطلح «تغيير الجنس» هو «تغيير جنس الشخص الذي يكون انتماؤه الجنسي واضحاً ذكورة أو أنوثة، وتتطابق ملامحه الجسدية الجنسية مع خصائصه الفسيولوجية والبيولوجية والجينية، ولا يوجد اشتباه في انتمائه الجنسي ذكراً أو أنثى، كما يعني هذا التعريف الانحراف في عملية تصحيح الجنس بما يخالف الصفة الجنسية التي انتهت إليها التحاليل الطبية». أما المراد بمصطلح «تصحيح الجنس»، فهو «التدخل الطبي بهدف تصحيح جنس الشخص الذي يكون انتماؤه الجنسي غامضاً، بحيث يشتبه أمره بين أن يكون ذكراً أو أنثى، وذلك كأن تكون له ملامح جسدية جنسية مخالفة للخصائص الفسيولوجية والبيولوجية والجينية للشخص، كمن تدل ملامحه على أنه ذكر بينما هو في الحقيقة أنثى والعكس». والأثر العملي للتمييز سالف الذكر بين «تغيير الجنس» و«تصحيح الجنس» هو أن الأول محظور بينما الثاني جائز. ففيما يتعلق بتغيير الجنس، ووفقاً للمادة الخامسة من المرسوم بقانون اتحادي رقم (4) لسنة 2016 بشأن المسؤولية الطبية، «يحظر على الطبيب ما يأتي: … 9- إجراء عمليات تغيير الجنس». أما فيما يتعلق بتصحيح الجنس، فإن المادة السابعة من القانون ذاته تنص على أن «يجوز إجراء عمليات تصحيح الجنس وفق الضوابط الآتية: 1- أن يكون انتماء الشخص الجنسي غامضاً ومشتبهاً في أمره بين ذكر أو أنثى. 2- أن تكون له ملامح جسدية جنسية مخالفة لخصائصه الفسيولوجية والبيولوجية والجينية. 3- أن يتم التثبت من حكم الفقرتين (1، 2) من هذه المادة بتقارير طبية وموافقة لجنة طبية متخصصة تنشئها الجهة الصحية وذلك بهدف تحديد جنس المريض والموافقة على عملية التصحيح وعلى تلك اللجنة إحالة الموضوع إلى الطبيب النفسي لإجراء التهيئة النفسية اللازمة».

 

وفي سلطنة عمان، وطبقاً للمادة الثانية والثلاثين من قانون تنظيم مزاولة مهنة الطب والمهن الطبية المساعدة، الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (75) لسنة 2019م، «لا يجوز لمزاول مهنة الطب، والمهـن الطبـية المساعـدة إجـراء أي عمـل يؤدي إلى تحويل الذكـر إلى أنثـى، أو العكـس، مع اكتمال أعضاء الذكورة أو الأنوثة. وتستثنى من ذلك الحالات التي يصدر بها قرار من لجنة تشكل لهذا الغرض من قبل الوزير، مكونة من (3) ثلاثة أطباء، على أن يكون أحدهم متخصصاً فـي أمراض الغدد الصماء».

 

اتجاه التشريعات الخالية من تنظيم لعمليات التحول الجنسي

كما هو الشأن في المنظومة القانونية المصرية، تخلو المنظومات التشريعية في بعض الدول العربية من تنظيم قانوني لعمليات التحول الجنسي. فعلى سبيل المثال، وفي المملكة العربية السعودية، لم يضع المنظم نظاماً واضحاً ومتكاملاً لمرضى اضطراب الهوية الجنسية، ولا مراء في حرمة تغيير الجنس في المملكة بينما تتم عمليات تصحيح الجنس طبقاً لفتاوى المراجع الدينية. وإذا كان القانون السعودي قد ورد خلواً من تنظيم عمليات تحويل الجنس، إلا أن اللائحة التنفيذية لنظام الأحوال المدنية تتضمن نصاً بشأن الحكم واجب الاتباع فيما يتعلق بواقعة إثبات واقعة التحول الجنسي وتغيير الاسم والنوع في قيودات الأحوال المدنية. بيان ذلك أن المادة التاسعة والثلاثين من قرار وزير الداخلية رقم 27910/ 39 بتاريخ 5/ 6/ 1432ه بالموافقة على اعتماد اللائحة التنفيذية لنظام الأحوال المدنية تنص على أنه «عند تغير الجنس من ذكر إلى أنثى أو العكس، بعد تسجيله لأسباب طبية، فيجب اتخاذ الآتي: أ- التقدم بطلب تغيير الاسم والجنس من المعنى أو وليه. ب- إثبات نوع الجنس بموجب تقرير طبي من لجنة طبية معتمدة من وزارة الصحة. ج- بعد صدور قرار من اللجنة الفرعية المختصة بالموافقة على إجراء التعديل يتم تعديل جميع البيانات المتعلقة به بما يتوافق مع الحالة في سجله المدني وإلغاء الوثائق القديمة وسحبها والتهميش على الأساس بالإلغاء، وإنشاء أساس برقم وتاريخ جديدين وتعديل ذلك في السجل المدني وتزويده بوثائق جديدة».

 

وفي دولة الكويت، لا يوجد تنظيم قانوني لعمليات التحول الجنسي، الأمر الذي اقتضى الاحتكام إلى الاجتهاد القضائي في هذا الشأن. وفي هذا الشأن، قضت محكمة التمييز بأن «من الأصول المقررة – في فقه الشريعة الإسلامية – حرمة تحويل الجنس من ذكر إلى أنثى وبالعكس على وجه العبث. وقد جرى قضاء هذه المحكمة على أن لمحكمة الموضوع سلطة تحصيل فهم الواقع في الدعوى وتقدير ما يقدم إليها من الأدلة والمستندات ولها الأخذ بتقرير الخبير المقدم في الدعوى محمولاً على أسبابه متى رأت فيه ما يكفي لتكوين عقيدتها واطمأنت إلى سلامة الأسس التي قام عليها وإنه وإن كانت الضرورات تبيح المحظورات والتي تعني أن الممنوع شرعاً مباح عند الضرورة ومن شروطها أن تكون الضرورة ملجئة بحيث يجد الفاعل نفسه أو غيره في حالة يخشى منها تلف النفس أو الأعضاء. لما كان ذلك، وكان الحكم المطعون فيه قد أقام قضاءه برفض الدعوى على سند مما ثبت من التقرير الطبي الشرعي الذي اطمأن إليه من أن الطاعن قد أجرى عملية جراحية حول على أثرها أعضاءه التناسلية الخارجية لأنثى دون أعضائه الداخلية وأنه يحمل التركيب الصبغي الذكري والجنس الذي نشأ عليه ذكري بينما الجنس النفسي أنثوي وبعرضه على لجنة أخصائي الطب النفسي أفادت بأن الطاعن دخل العيادة النفسية لأول مرة في 15/ 1/ 1994 لوضعه تحت الملاحظة الطبية إلا أنه خرج في ذات اليوم ولم يرد في تقريرها أية اضطراب في هويته الجنسية في فترة دخوله ولم يراجع المستشفى بعد ذلك إلا بتاريخ 11/ 12/ 2002 بعد إجرائه العملية الجراحية بتاريخ 29/ 6/ 2000 ولم يتبين من ملفه بالمستشفى أنه تم عرضه على طبيب نفسي كما لم يتلق أي علاج أو إتباع إرشادات معينة لفترة زمنية حسب الأعراف الطبية قبل إجراء العملية وأن اللجنة الطبية لا تستطيع الجزم بوجود رغبة قهرية للطاعن في تغيير جنسه في الفترة السابقة على إجراء العملية كما أن التقرير الطبي الشرعي لم يقطع بأنه مصاب باضطراب الهوية الجنسية، ونفي الحكم تبعاً لذلك حالة الضرورة لدى الطاعن التي تبيح له المحظور واعتبر أن إجرائه العملية ببتره لأعضاء الذكورة التي خلق عليها وتحويل جنسه هو مخالف للشريعة الإسلامية ورتب على ذلك قضاءه سالف البيان، وكان هذا الذي خلص إليه الحكم المطعون فيه سائغاً وله أصله الثابت بالأوراق ويكفي لحمل قضائه وفيه الرد الضمني المسقط لما أثاره الطاعن ويضحى النعي على غير أساس» (محكمة التمييز، 20 مارس 2006م، الطعن رقم 674/ 2004 مدني).

 

وفي مملكة البحرين، وعلى غرار الوضع في المملكة العربية السعودية والكويت، فإن الموضوع ليس له غطاء تشريعي، ويتعين بالتالي الرجوع إلى اجتهادات القضاء مشفوعة بآراء الفقه والطب الشرعي.

 

وفي دولة قطر، لم يرد تنظيم تشريعي لتحويل الجنس، سواء تغييراً أو تصحيحاً، ولم يرد أدنى إشارة إلى ذلك في القانون المنظم للمسائل المتعلقة بتعديل البيانات الشخصية، وهو القانون رقم 3 لسنة 2016 بشأن تنظيم قيد المواليد والوفيات. وهكذا، فإن القانون لم ينظم مسألة تحويل الجنس. ولم يأت ذكر «الخنثى» إلا في المادة 298 من قانون الأسرة رقم 22 لسنة 2006م، والتي عالجت مسألة ميراث الخنثى المشكل فقط. وهكذا، نكون بصدد فراغ تشريعي، ولا يكون بالتالي أمامنا سوى الرجوع إلى الاجتهاد القضائي. وهذا القضاء يطبق أحكام الشريعة الإسلامية، التي تجيز علاج الخنثى، فالغاية العلاجية هي التي تبيح المساس بسلامة الجسد، فإن انتفت الغاية العلاجية يكون العمل غير مشروع جنائياً وفقاً لنص المادة (307) من قانون العقوبات التي جرمت أي فعل يؤدي إلى إحداث عاهة مستديمة و«تعد عاهة مستديمة كل إصابة أدت إلى قطع أو انفصال عضو أو بتر جزء منه أو فقد منفعته أو نقصها» (يراجع في هذا الشأن: ريمة صالح المانع، تحويل الجنس وأثره على الحالة المدنية، دراسة تحليلية مقارنة، جامعة قطر، 2019م).

زر الذهاب إلى الأعلى