تعديل جداول المخدرات بين اختصاص وزارة الصحة والسكان وهيئة الدواء المصرية

بقلم: أ/ محمد شعبان

نشرت الوقائع المصرية في العدد (202) بتاريخ 13 سبتمبر 2022 قراراً صادراً عن رئيس هيئة الدواء المصرية تحت رقم 555 لسنة 2022 أضاف بموجبه مجموعة (فنتانيل Fentanyl) ومشتقاتها وأملاحها ونظرائها وأستراتها ومستحضراتها أينما وجدت، إلى القسم الثاني من الجدول رقم (1) الملحق بقانون مكافحة المخدرات وتنظيم استعمالها والإتجار فيها.

وأول ما استرعى انتباهي لدى قراءة القرار المذكور هو صدوره عن الأستاذ الدكتور/ رئيس هيئة الدواء المصرية!! ولم يصدر عن الوزير المختص بشئون الصحة والسكان، والذي يعتبر هو الوزير المختص في تطبيق نص المادة (32) من القانون رقم 182 لسنة 1960 بمكافحة المخدرات وتنظيم استعمالها والإتجار فيها، والتي جرى نصها على أنه: “للوزير المختص بقرار يصدره أن يعدّل في الجداول الملحقة بهذا القانون  بالحذف وبالإضافة أو بتغيير النسب الواردة بها”.

وبمراجعة قاعدة البيانات للتشريعات المصرية، أمكن الوقوف على حقيقة أن هذا القرار لم يكن الأول من نوعه، بل سبقته قرارات أخرى!!؛ كالقرار رقم 272 لسنة 2022 المنشور بتاريخ 23/05/2022، والقرار رقم 125 لسنة 2022 المنشور بتاريخ 10/03/2022، والقرار رقم 125 لسنة 2022 والمنشور بتاريخ 02/11/2021، والقرار رقم 481 لسنة 2021 والمنشور بتاريخ 09/11/2021، والقرار رقم 444 لسنة 2021 والمنشور بتاريخ 11/10/2021، والقرار رقم 443 لسنة 2021 والمنشور بتاريخ 03/10/2021 وهي القرارات التي أدرج بموجبها عدداً من المواد الكيميائية إلى القسم الثاني من الجدول الأول الملحق بقانون مكافحة المخدرات المتقدم ذكره. وكذا القرار رقم 442 لسنة 2021 والمنشور بتاريخ 30/09/2021 والذي أدرج بموجبه عدداً من المواد إلى الفقرة (ج) من الجدول رقم (3) الملحق بالقانون المذكور.

وبعد استقراء هذه القرارات جميعها، فقد أثارت في الذهن تساؤلاً بديهياً عن السند التشريعي لتحول الاختصاص من الوزير المختص بشئون الصحة والسكان إلى رئيس هيئة الدواء المصرية؟ وأول ما لفت انتباهي وأنا أبحث عن الإجابة، أن ديباجة هذه القرارات جميعها قد أشارت إلى صدورها وفقاً لأحكام قانون مكافحة المخدرات المشار إليه، وكذا القانون رقم 151 لسنة 2019 بإصدار قانون إنشاء الهيئة المصرية للشراء الموحد والإمداد والتموين الطبي وإدارة التكنولوجيا الطبية وهيئة الدواء المصرية.

وهو ما ثار معه فرض إدخال تعديلات تشريعية جديدة، أعادت تنظيم الاختصاص بالإدراج في الجداول الملحقة بقانون المخدرات؟! إلا أنه بمطالعة هذا القانون وتعديلاته حتى آخر تعديل صادر بالقانون رقم 19 لسنة 2020، فلم يتسن لنا الوقوف على نص بإسناد إختصاص الوزير المختص المنصوص عليه بالمادة (32) إلى رئيس هيئة الدواء!!. ولعل هذا استدعاني للرجوع إلى قانون هيئة الدواء الصادر بالقانون رقم 151 لسنة 2019 والذي بمطالعة نصوص قانون إصداره تبين أن المادة الثانية منه وإن نصت على حلول هيئة الدواء المصرية المنشأة وفقاً لهذا القانون محل وزارة الصحة والسكان، وحلول رئيسها محل وزير الصحة والسكان، وذلك في الاختصاصات المنصوص عليها في القانون رقم 127 لسنة 1955 في شأن مزاولة مهنة الصيدلة المتعلقة بتنظيم تسجيل وتداول ورقابة المستحضرات والمستلزمات الخاضعة لأحكام هذا القانون… إلخ. إلا أن نصوص قانون الإصدار أو القانون المرافق له قد خلت من ثمة إشارة إلى إحالة اختصاص الوزير المختص في تطبيق نص المادة (32) من قانون مكافحة المخدرات إلى رئيس هيئة الدواء!!.

ولعل هذا الاستقراء لنصوص هذه القوانين، وما جرى استخلاصه منها جعل التساؤل المطروح على بساط البحث بخصوص السند التشريعي لإسناد الاختصاص بإصدار القرارات المعدلة لجداول المخدرات وفقاً للمادة (32) من قانون مكافحة المخدرات، مازال قائماً ومطروحاً ويبحث عن إجابة؟! إلا أنه وبإمعان النظر بديباجة القرارات الصادرة من هيئة الدواء المتقدم الإشارة إليها، أمكن الوقوف على استناد هذه القرارات إلى فتوى الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع بمجلس الدولة رقم 1256 بتاريخ 23/08/2021 ملف رقم (58/1/634)، والتي بمطالعتها تبين أنها انتهت إلى اعتبار «رئيس مجلس إدارة هيئة الدواء المصرية» هو الوزير المختص في تطبيق نص المادة (32) من القرار بقانون رقم 182 لسنة 1960 بشأن مكافحة المخدرات وتنظيم استعمالها والاتجار فيها.

وهو الإفتاء الذي شُيد على أسباب حاصلها في أن ” المشرع بموجب القانون رقم 151 لسنة 2019 قد أحال إلى هيئة الدواء المصرية جميع الاختصاصات المقررة لوزارة الصحة والسكان فيما يتعلق بتسجيل وتدواول ورقابة المستحضرات الطبية والمواد الخام الداخلة في تصنيعها أينما وردت في القوانين ذات الصلة، على نحو يشمل تلك الاختصاصات المتعلقة بتنظيم تداول ورقابة تلك المواد المخدرة التي تندرج ضمن المستحضرات الطبية والمواد الخام الداخلة في تصنيعها بمفهومها الوارد بالمادة (1) من هذا القانون، وهو ما يؤيده إدراج المشرع للرسوم الخاصة بالموافقة الاستيرادية للمخدرات  وإذن الجلب ضمن الرسوم التي تحصلها تلك الهيئة نظير نشاطاتها، ومن ثم وبإزاء ما تقدم من انتقال تلك الاختصاصات الأخيرة إلى هذه الهيئة وصيرورتها الجهة الإدارية المختصة ذات الخبرة الفنية في هذا الشأن، يغدو لا مناص -وفي ضوء أحكام ما تقدم- من اعتبار رئيس مجلس إدارة تلك الهيئة هو الوزير المختص في تطبيق نص المادة (32) من قانون مكافحة المخدرات وتنظيم استعمالها والإتجار فيها.. إلخ”.

وإن هذا الإفتاء على قدر وجاهة الاعتبارات التي تساند إليها، فإنني أرى صعوبة في التسليم بهذا الاجتهاد بإزاء قاعدة تنظيمية من قواعد القانون الجنائي والتي تكتسب مشروعيتها الدستورية من الوضوح والتعيين، ولا تحتمل التوسع في التفسير أو الاستثناء، حرصاً على ضرورات مبدأ الشرعية الجنائية.

ذلك أن الإفتاء المتقدم الإشارة إليه، أراه محل نظر من عدة وجوه على النحو التالي:

أولها: أن الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع خرجت عن الاختصاص المقيد والمعهود به إليها بموجب المادة (66) من قانون مجلس الدولة الصادر بالقرار بقانون رقم 47 لسنة 1972، وسلبت اختصاصاً معهود به إلى المحكمة الدستورية العليا – دون غيرها- بمقتضى نص المادة (192) من الدستور، وهو الاختصاص بتفسير النصوص التشريعية، وذلك بتصديها لتفسير عبارة «الوزير المختص» في تطبيق نص المادة (32) من قانون مكافحة المخدرات.

ثانيها: أن الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع خرجت عن الأصل المستقر عليه في مبادئ القضاء بشأن ضوابط تفسير النصوص التشريعية، والذي يقرر ” أنه متى كانت عبارة القانون واضحة لا لبس فيها، فإنه يجب أن تعد تعبيراً صادقاً عن إرادة المشرع، ولا يجوز الإنحراف عنها عن طريق التفسير أو التأويل، أياً كان الباعث على ذلك، ولا الخروج عن النص متى كان واضحاً جليّ المعنى، قاطعاً في الدلالة على المراد منه”.

ومظهر خروج الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع عن هذا الأصل تمثل في عدم اعتدادها بإحجام المشرع عن إسناد الاختصاص المقرر للوزير المختص والمنصوص عليه في قانون مكافحة المخدرات، إلى رئيس مجلس إدارة هيئة الدواء المصرية، فلو كانت إرادة المشرع قد اتجهت إلى تقرير مثل هذا الاختصاص، لكان المشرع عبر عن ذلك تعبيراً صريحاً لا مراء فيه، مثلما فعل بخصوص الاختصاصات المنصوص عليها في القانون رقم 127 لسنة 1955 في شأن مزاولة مهنة الصيادلة، ولا مشاحة في أن سكوت المشرع عن ذلك يفسر على أنه تعبير ضمني عن إرادته إبقاء الإختصاص المقرر بمقتضى المادة (32) من قانون مكافحة المخدرات المشار إليه معقوداً بين يدي الوزير المختص بالصحة والسكان.

ثالثها: أن الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع خرجت كذلك عن المبدأ المستقر عليه في الفقه والقضاء الجنائيين، والذي يحظر التوسع في تفسير النصوص الجنائية التي تقرر استثناء على الأصل العام؛ فالمادة (32) المار ذكرها إذ ناطت بالوزير المختص سلطة تعديل الجداول الملحقة بقانون مكافحة المخدرات، فإن علة ذلك – وعلى ما جرى عليه قضاء المحكمة الدستورية العليا- هو تقدير المشرع لما يتطلبه كشف وتحديد الجواهر المخدرة من خبرة فنية ومرونة في اتخاذ القرار على النحو الذي يُمكن من مواجهة التغيرات المتلاحقة في مسمياتها وعناصرها تحقيقاً للصالح العام. ولعل هذا هو ما برر خروج المشرع عن الأصل العام في إقرار نصوص التجريم والتي لا يجوز سنها أو إقرارها إلا عن طريق المجلس التشريعي (البرلمان)، فاستثنى قواعد التجريم التي تعين وتحدد محل جرائم المخدرات من هذا الأصل العام، بما نص عليه من جواز تعيين المواد التي تدخل في نطاق الحظر الجنائي عن طريق قرارات لائحية تصدر عن السلطة التنفيذية. وإذ عين المشرع السلطة المختصة بإصدار هذه القرارات اللائحية تعييناً صريحاً، فإنه لا يسوغ من بعد ذلك الاجتهاد مع صراحة النص، والقول بتحول هذا الاختصاص إلى سلطة أخرى لم يعينها المشرع تعييناً دقيقاً، وهو ما يجعل القرارات الصادرة عن هيئة الدواء المصرية بتعديل جداول المخدرات عرضة للطعن عليها بعدم الدستورية، لكونها صادرة عن سلطة غير مختصة، وهو ما من شأنه أن ينحدر بهذه القرارات إلى حمأة الانعدام، بما ينال من فعالية المواجهة الجنائية لجرائم التعامل في هذه المواد المخدرة التي شملتها هذه القرارات.

رابعها: أن الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع خلطت بين الغاية التشريعية من إصدار قانون هيئة الدواء المصرية، والغاية التشريعية من إصدار قانون مكافحة المخدرات؛ فلم تكن الغاية من القانون الأول رسم سياسة تشريعية جنائية لمواجهة جرائم التعامل في المخدرات بأي صورة من الصور، وإنما كانت الغاية منه تنظيم عملية الرقابة على تسجيل وتداول ورقابة المستحضرات الوارد تعريفها في المادة (1) من هذا القانون، والمواد الخام التي تدخل في تصنيع هذه المواد. وبإزاء هذه المغايرة بين السياسة التشريعية الحاكمة لكلا القانونين، وكون قانون مكافحة المخدرات من التشريعات الجنائية الخاصة، والتي يتوقف تطبيقها على تحديد مفهوم المواد المخدرة التي تمثل محل السلوك الإجرامي المؤثم بموجب نصوصه، فإن تحديد المختص بتعيين هذه المواد التي تحدد نطاق تطبيق هذا القانون لا يسوغ تعيينه بطريق القياس على تشريع آخر، وإلا عُد القياس في هذا الموضع انتهاكاً لمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات.

وبإزاء ما تقدم من انتقادات للقرارات الصادرة عن هيئة الدواء المصرية، والتي باشرت بموجبها سلطة الوزير المختص في تطبيق المادة (32) من قانون مكافحة المخدرات، وبالنظر إلى ما قد يعتري هذه القرارات من شبهة عدم الدستورية، لعدم مشروعية الأساس القانوني والتشريعي التي صدرت عليه، فقد تبدو الحاجة ملحةً لتدخل تشريعي عاجل، إما بتعديل قانون مكافحة المخدرات، أو بتعديل القانون رقم 151 لسنة 2019، وذلك للبت في تعيين الاختصاص على نحو دقيق، إما بإحالته إلى رئيس مجلس إدارة هيئة الدواء المصرية، أو بالتأكيد على استمراره بيد الوزير المختص بشئون الصحة والسكان. وذلك تفادياً للمشكلات العملية التي قد تترتب على هذا الخلاف القانوني، والتي قد يترتب عليها آثاراً في غاية الخطورة على المجتمع، وذلك بإضعاف آلية المسائلة الجنائية للمتعاملين في المواد المخدراة التي تشملها هذه القرارات بالتعديل والإضافة إلى الجداول الملحقة بقانون مكافحة المخدرات.

 

أشرف زهران

صحفي مصري، حاصل على بكالريوس إعلام، ومحرر بالمركز الإعلامي لنقابة المحامين، ومكتب النقيب،

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى